وقد كان مرجياً لقيام ولده السيد المقام العلامة جمال الدين علي بن الإمام لكنه مال إلى الراحة، وأحبَّ الاستراحة، ونقل عنه أشياء في العقيدة لا توافق عقائد آبائه الكرام والأئمة الأعلام، وحين أيس -عليه السلام- من ذلك الجانب نظر بنظره الثاقب ورأيه الصائب، وكتب كتاباً بليغاً إلى السادة الأعلام الذين بهجرة فللة[من] آل الإمام الهادي لدين الله -عليه السلام-، مضمونه: إنهم ينصبون لهم إماماً يقوم بأمر الدين، وإحياء سنة سيد المرسلين، وأخبرهم بما قد أمتحن به من ذهاب البصر، فأجابوا عليه بجواب مضمونه: إنه لا يمكنهم نصب إمام مع وجوده، وأنه وإن ذهب بصره ففيه من الهمة مالا يقوم به غيره من الأئمة فيما يرجع إلى صلاح الأمة، وكان محبر الجواب السيد العلامة، الأفضل، البليغ، المصقع، المقول، عماد الدين: يحيى بن أحمد بن أمير المؤمنين-عليه السلام-، وتمثل في صدر الكتاب بهذه الأبيات [وهي] :
لا يكرثنك ريب الحادث الطاري.... فما عليك بهذا الخطب من عارِ
لو يعلم الناس ما في أن تدوم لهم.... بكوا لأنك من ثوب الصبا عارِ
ولو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم.... لم يتحفوك بشيء غير إعمارِ
ما ذا على ضيغم أمضى عزائمه.... إن خانه حدُّ أنياب وأظفارِ(3/186)
فعاد جوابه بالإلزام لهم [بتمام ما لمح إليه]، وعَّول عليه، فحينئذٍ نظروا فيمن يَنصَّبونه للإمامة، ويحمل أعباء الرئاسة والزعامة، فتردد منهم النظر فيما بين السيدين الأفضلين العلامتين الأعملين: شمس الدين أحمد بن عز الدين، وعز الدين محمد بن يحيى بن أحمد بن أمير المؤمنين، وربما قد كان ذكر الإمام- عليه السلام- أنهم لا يعدلون بالإمامة عن أحدهما، فرجَّح الحاضرون [قيام الإمام أحمد بن عز الدين] لأمور انتظمت له في الوقت مما يرجع إلى قوام الإمامة، وإن كان السيد [العلامة] عز الدين هو الوحيد في دهره والفريد، وما على ما هو عليه من العلم والحلم والكمال مزيد، فانتصب للإمامة حينئذٍ، وأجابوا على الإمام شرف الدين بذلك فشكرهم على ما صنعوه، واستحسن ما فعلوه، وسيأتي بيان سيرة الإمام أحمد بن عز الدين إن شاء الله -تعالى-.
تنبيه:كان في آخر مدة الإمام شرف الدين-عليه السلام- نقائض أوجبت تكفكف ولا يته وتقلصها على أكثر البلاد، منها: قصة ولده السيد المقام الهمام، فخر الدين: المطهر بن الإمام، حتى آل الأمر إلى أن حصل بينه وبين والده مناوشة حرب بعد أن انتقل المطهر إلى ثلاء، ولم يزل ينضاف إليه من ينضاف من إخوته حتى كاد أمرهم يجتمع على حرب والدهم، وأخضع معهم ولده السيد العلامة، جمال الدين: علي بن الإمام، وقد كان مبايناً لهم في حق والدهم بآرائه، ما خلا السيد المقام جمال الدين شمس الدين بن الإمام فإنه استمر على بره وطاعته، فحصل بين الإمام وولده علي معاتبة، ووجه إليه والده قصيدة حمينية يتعطفه بها، منها:(3/187)
صلحكم يا علي على أني أهجر
وتضيع حقوقي الله أكبر
وتهتك محارمي ثم أحصر
وبيننا يا علي رقيب وديان
وبعد أن حصل بين الإمام وولده حرب استغاث المطهر بالترك الذين بزبيد، وصاحب أمرهم الباشا أويس لأن والده أهتمه بمحاط واسعة، فتوجه إليه لحرب الإمام الباشا أويس، وصحبته أميران من الأتراك منهم: أزدمر، وكان قصدهم إلى تعز، وفيه الفقيه الصدر عماد الدين: يحيى بن إبراهيم البصيري، فحصل بينهم حرب في تعز أياماً ثم هزموه، فتقدم إلى المطهر بن الإمام شرف الدين وهو يومئذٍ بثلاء، وقد كان ارتحل الإمام من صنعاء إلى كوكبان بعد أن ملك الأتراك تعز، وعلم أنه لا طاقة له بهم، وكان ولده [المطهر] يومئذٍ بثلاء، فتقدم إلى صنعاء، ثم تقدم الأتراك إلى خبان، وأقاموا فيه أياماً، فحصل بين الأمير أزدمر والبهلوان [وبين الباشا أويس] منافرة، فقتل هناك، وتقدم أزدمر والبهلوان إلى ذمار، وحصلت بينهما أيضاً مفاوتة فقتل هناك أيضاً البهلوان، وتوجه أزدمر سنة أربع وخمسين وتسعمائة [إلى صنعاء]، فملكها بعد أن حصل بينه وبين المطهر وحزبه حرب فيها، وقتل واسع؛ لأن أهل صنعاء قصدوه إلى ثلاء، واستغاثوا به بعد عزم الإمام منهم، وفي تلك الواقعة أصيب السيد الهمام شرف الدين الحسين بن عز الدين، ثم رجع المطهر إلى ثلا منهزماً، وجَّهز [إليه] أزدمر محاط واسعة ولم يبق للإمام تصرف من ذلك الوقت، بل كان واقفاً في كوكبان، وبعد مدة حصل الحرب العظيم بين أزدمر والسيد فخر الدين المطهر قدر سبعة أشهر، وقد كان هرب إلى أزدمر وحالفه السيد [جمال الدين] شمس الدين بن(3/188)
الإمام، واستمر معه في القتال، وبعد أن استظهر المطهر على أزدمر وانتصر عليه وانهزم، ارتحل الإمام شرف الدين إلى الظفير، وأقام بقية عمره هناك، وطلب منه ولده المطهر الرضى عليه فرضي [عليه] وعامله المطهر أحسن معاملة، وكانت وفاته بالظفير [في] سنة أربع وستين وتسعمائة سنة، ومولده كان يوم رابع وعشرين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين وثمانمائة سنة، ودفن إلى جنب جده المهدي-عليه السلام-، وكان مدة عمره عليه السلام سبعة وثمانين سنة، منها مدة خلافته أربعة وعشرون إلى أن خرج من صنعاء سنة أربعة وخمسين وتسعمائة؛ [لأن ولادته كانت وقت العتمة سابع وعشرين شهر رمضان سنة سبعة وسبعين وثمانمائة، وقد تقدم ذكر دعوته]، وله من الأولاد الذكور السادة الأكابر، أهل المناقب والمفاخر: المطهر، وعبد الله، وشمس الدين، وعز الدين، وعلي، والحسن، والحسين، ورضي الدين، وعبد التواب، ومحي الدين، وزكريا، وحمد الله، وله أولاد غيرهم منهم من درج قبل التكليف، ومنهم من مات بعد التكليف.(3/189)
[بعض من أخبار المطهر بن الإمام شرف الدين]
تنبيه: قد تقدم في أثناء سيرة الإمام شرف الدين نبذة من سيرة ولده ملك بني الزهراء وآية مجدهم الكبرى، الذي سارت بهمته، وشدة عزيمته، وحسن سياسته وعظيم رئاسته الركبان، واشتهرت دولته وعزماته القاصعة، وبراهين جهاداته الساطعة عند كل إنسان حتى صار مثلاً يضرب لأهل الزمان ويتشبه بسياسته رؤساء كل أوان: المطهر بن الإمام، ولنذكر يسيراً من أخباره بعد استقلاله بالأمر في آخر مدة والده الإمام وبعد موته –عليه السلام-، فنقول: استمرت مملكته على جهات المغارب جميعاً، مَلكَ إلى المنقب، وذلك مما يتصل بصنعاء وبلاد الأهنوم، وعذر والشرف متصلاً [بتهامة]، ومن جهة الظاهر إلى البون وجميع بلاد حجة ونواحيها وحصونها [جميعاً]، من سنة أربع وخمسين إلى سنة خمس وسبعين، ثم انبسطت يده على جميع اليمن الأعلى، وملك صنعاء، ثم استولى على بعض اليمن الأسفل [أيضاً] كتعز وعدن وتلك الجهات، واستمر له ذلك سنتين، ثم خرج الوزير سنان من جهة السلطان [الأعظم] سليم بن سليمان بجنود لا تنعد، وبقي المطهر بصنعاء إلى أن وصل الوزير ذمار بعد أن استولى على جميع الجهات التي [قد] كانت تحت [يد] المطهر من اليمن الأسفل، ثم تقَّدم المطهر إلى ثلاء بعد أن أجلي عن صنعاء، وتقدم إليه الوزير، وحط بحوشان وفد الباشا حسن لحرب كوكبان، وكان حطاطه ببركة الحلب فوقعت بين المطهر والوزير سنان حروب جمة، ذهب فيها من القتلى خلق كثير، واستمر القتال قدر ثمانية أشهر، وانضاف إلى المطهر رؤساء أهل البيت الكرام مثل السيد شمس الدين أحمد بن(3/190)