نعم: وقد قدمنا في شرح سيرة الإمام مجد الدين أنها نفرت عنه رعايا بلاد صعدة النفرة الكلية، [لكنه] أعدَّ لقتالهم السيوف الهندية، والذوابل الردينية؛ فكان منه فيهم وقعات كثيرة، يحتاج محققها إلى استغراق أوقات كثيرة، من ذلك بل هي من أعظم وقائعه وقعة المعترض في الحسينيات بعد أن جمع له الأشراف بنو حمزة جموعاً كثيرة، فقتل منهم كثيراً وجماً غفيراً، وأسر منهم أسرى كثيرة، ثم أمر بضرب أعناقهم صبراً، ثم إنه كما ذكرنا دَّوخ الأرض، وأعطاه الله الرفع لمن شاء والخفض، وإقامة السنة والفرض؛ فدخل جميع من ناوأه من الأشراف الحمزيين وغيرهم من سائر القبائل تحت الطاعة، وامتثلوا أوامره المطاعة.(3/181)
وأما شيعة الزمان، وعلماء وقته والأوان، فبايعوه رغباً ورهباً، ولم يقدر منهم أحد على الامتناع عنه والإباء، وبعد الإتفاق منهم به -عليه السلام- أعطاهم أموالاً جليلة، وحباهم بتفضلات جزيلة، فارتضوه ولياً، وقالوا: وجدناه بجميع الخلال المحمودة مليَّاً؛ وكان من جملة من وفد إليه إلى صعدة السادة القادة، أرباب العلم والحلم والجود والسيادة، من آل الإمام علي بن المؤيد –عليه السلام-، وكان يومئذٍ أكبرهم سناً وقدراً، وأرفعهم عند الإمام ذكراً السيد العلامة القدوة في الآل والشامة والعلامة شمس الملة والدين: أحمد بن أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن [بن] أمير المؤمنين، وسائر أولاده الأكابر، أهل المناقب والمفاخر، الوارثين لها كابراً عن كابر، فكان منه من الإنصاف لهم والإتحاف والرعاية التامة مالم يكن على أحد بخاف، وسمح لهم بما كان في الهجرة المقدسة من آثار الإمام مجد الدين من الحبوب، وسائر الأموال، وعزموا منه مجبورين الخواطر، قارة منهم النواظر، ولم يعذر [السيد] شمس الدين أحمد بن أمير المؤمنين من الاستمرار على الحكم بجهته المباركة، وقرر لجميع آل المؤيد التقريرات الكاملة، الواسعة الشاملة، وكذلك من يستحق التجليل، أسدى إليه ما هو أهله من المعروف الجزيل، وبعد سنة كاملة رجع إلى صنعاء وجهاتها، واستمر له الأمر القاهر، الممزوج بالتفضل العام الغامر مدته –عليه السلام-، وكان له في الفصاحة والبلاغة أوفر الأقسام، وحظ وافر لم يحظ به إلا القليل من الأئمة الأعلام، وها أنا أذكر [طرفاً] يسيراً من بليغ أشعاره الرائقة ما حضرني وقت الرقم؛(3/182)
فمن شعره -عليه السلام- القصيدة الرائقة، ذات المعاني الفائقة، المسماه: (بالقصص الحق في مدح خير الخلق) ضمنها ذكر سيرة النبي ً وأحواله من وقت الولادة إلى آخر سيرته ً، وكذلك أخبار الصحابة المحقين، وأخبار القاسطين والمارقين، وغير ذلك مما ذكره -عليه السلام-، ولها شرحان بليغان أحدهما: لولده السيد العلامة: فخر الدين عبد الله بن أمير المؤمنين وهو شرح بسيط جداً، وشرح آخر لطيف: للفقيه العلامة: عز الدين محمد بن يحيى بن بهران، وهي معروفة متداولة، وفيها من البلاغة التي لا يقدر غيره عليها، [ولا] تستطيع فصاحة أحد أن تصل إليها، وطالعها:
لكم من الحب صافيه ووافيه.... ومن هوى القلب باديه وخافيه
ومن بديع شعره المتضمن للحكمة: الأبيات التي أرسل بها إلى شيخه العلامة، الحبر الصمصامة، السيد جمال الدين: الهادي بن إبراهيم-رحمه الله [تعالى]، - وهي:
ما إن هجرتك عن بغض ولا ملل.... وهل يمل النقاح العذب عطشان
ولا كفُوراً لما أوليت من نعم.... حاشا شكوري أن يغشاه كفران
لكن أتاني كلام عنك مضطرب.... ومالك فيه أبراد وأسخان
فقلت: وصل يكون الجرح غايته.... بين الأحبة خير منه هجران
فالبحر يرهب إن أمواجه اضطربت.... ويترك العذب إن أحمته نيران
وله أيضاً إلى شيخه العلامة صارم الدين: إبراهيم بن إسماعيل من هجرة الظهرين: قصيدة بديعة قالها وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، منها:
يا نجل إسماعيل ياذا الذي.... جالت به الأوهام كم من مجال
لا تحسبن أني ممن إذا استـ.... ـميل عن علياه بالمال مال
فوا لذي أوسعني همة قعساء.... تسمو فوق شم الجبال
ما أقبل الدنيا وإن أقبلت.... إن كان في أخراي منها اختلال
ولا أمني النفس بالرزق إن.... لم يحصل الرزق بدون السؤال(3/183)
ومن شعره -عليه السلام- في آخر المدة إلى جليسه وأنيسه السيد المقام العلامة عماد الدين: يحيى بن أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين، وقد توهم منه الميل إلى ولده مطهر، قوله:
هذا العجاب وذاك العجبْ.... وذا الظرف[يزهو] وحسن الأدبْ
فأين شفاء كلام الكلامْ.... فخل المدام وخل الطربْ
فواهٍ لفعل أفاد السرورْ.... وفعل وترك أثار الكربْ
فيا رب عجَّل بجمع القلوبْ.... على اللذ ترضاه يارب ربْ
فأجاب عليه السيد عماد الدين بقصيدة فصيحة أبان فيها تأكد مودة الإمام الصريحة، وها أنا أذكر البعض منها ميلاً إلى الاختصار وعدم الإكثار، أولها:
أتانا نظام شريف النسبْ.... حميد الفعال صريح الحسبْ
أجل الورى كلهم عن يد.... وأرفعهم في العلا والرتبْ
ثمال المساكين والمرملين.... وملجأوُنا في خطوب النوبْ
وحجة ربي على خلقه.... ومحيي الهدى بالقنا واليلبْ
فيالك نظماً يفوق اللآل.... ويزري بهاء عقود الذهبْ
ويحكي الأنابي في نشره.... ورشف المدام وظلم الشنبْ
ويحكي الرياض وماء الحياض.... وطِيَبَ البياض بياض العنبْ
فما ابن المراغة أو جرول.... وما الصاحب الندب مهما خطبْ
وما ابن الحميد ونسل العميد.... وما هو لبيد فصيح العربْ
أفاد السرور وأهدى الحبور.... مقال الخليفة يارب ربْ
فطبنا نفوساً بذاك الدعاء.... ونلنا المنى وبلغنا الأربْ
وطيبة نفس إمام الهدى.... تجلي حنادس ليل الكربْ
هجرتك لاعن قلى في القلوب.... أقلَّبُ إن زرت بين اللهبْ
ولكن وجدت بقاء الوداد.... مع الهجر والصدَّ لاعن غضبْ
وصفحاً عن العبد يا سيدي.... إذا كان للذنب منه ارتكبْ
وأحسن فديتك فيَّ الظنون.... وأكذب أكاذيب من قد كذبْ
فشُّلَت يدا من وشى بيننا.... وتبت يداه يدا ابي لهبْ(3/184)
إلى آخر ما قال، ولو حاولنا استقصاء غرائب أشعاره الفصيحة، وبدائع أقواله الدالة على جودة القريحة، لاحتجنا إلى رقم أسفار، وخرجنا في ذلك إلى الإكثار، وأما مصنفاته- عليه السلام- فمنها: (كتاب الأثمار)، [انتزعه من كتاب (الأزهار)]، وشرحه حي الفقيه العلامة: عز الدين محمد بن يحيى بهران شرحاً فائقاً قدر مجلدين ضخمين، وله شروح كثيرة أيضاً غير هذا الشرح، وله مصنفات رائقة فائقة لم يحضرني تعدادها حال رقم سيرته -عليه السلام-.
وبعد أن خانه المقدور قوته.... وابتز من ثقبتيه جوهر البصرِ
قد قدمنا بعض ما يليق ذكره من سيرة هذا الإمام -عليه السلام-، وضبطه للبلاد، وإزالة الظلم والجور والفساد، وإرغام أهل العناد، وإصلاح حال الصالحين من العباد، واستمر له ذلك إلى أن خرج من صنعاء سنة أربع وخمسين وتسعمائة[سنة] إلى كوكبان بعد أن وقع بينه وبين ولده السيد فخر الدين المطهر بن الإمام ما سيأتي [ذكره] إن شاء الله تعالى، ولما أراد الله سبحانه له زيادة الأجر والثواب، وأن يجعله من جملة الممتحنين الفائزين من الخيرات [بأوفر نصاب، سلبه نور البصر لا البصيرة، المنطوية على العلوم الجليلة] الغزيرة، وأشير عليه بالكشط ففعل واستمر له الضياء مدة، ثم ذهب مرة أخرى، فعلم أن ذلك له أولى وأحرى، فأنشأ يقول:
علَّ خيراً أو على ما كان رحمة.... وابتلاء الإله للعبد نعمة(3/185)