[الكلام في أخبار الإمام مجد الدين بن الحسن ]
ثم الخليفة مجد الدين قائمنا.... أجل داعٍ دعا حقاً من البشرِ
لكنه رفض الدنيا وزينتها.... فقابلته صروف الدهر والقدرِ
هذا هو الإمام المشهور فضله وبركته بين الأنام، المعروف ورعه وزهده عند الخاص والعام، الذي أقرَّ له بالسبق في جميع علوم الإسلام، المعروف بالشجاعة عند اقتناص الأسد الضرغام، السابق في مضمار الفصاحة والخطابة والبراعة [واليراعة] جميع علماء الإسلام، الداعي إلى الله أمير المؤمنين مجد الدين بن الناصر لدين الله [أمير المؤمنين] عليهما صلوات رب العالمين، القائل فيه لسان الحال وناطق المقال:
لجدي كان المجد ثم لوالدي.... ولي فيه بعد القوم أشرف مقعد
ثلاثة أيام هم الدهر كله.... وما هي إلا اليوم والأمس والغد
بل كما قال:
خمسة أبآءٍ هم ما هم.... أفضل من يشرب صوب الغمام
ما فيهم إلا فتى ابنه.... إمام حق وأبوه إمام(3/166)
ولد -عليه السلام- [نهار السبت] لليلتين مضتا من شهر محرم سنة ست وثمانين وثمانمائة، بمشهد الهجرة الهادوية بوادي فللة، وقد تقدم ذكر أمه في آخر سيرة والده -عليه السلام-، نشأ في حجر الخلافة الطاهرة، وسلك في مسالك الرافضين للدنيا إلى الآخرة، واشتغل بالطلب حتى فاز بالعلوم الزاخرة، وأحرز معانيها الغامضة والظاهرة، بأنظار سديدة ثاقبة باهرة، حتى تردَّى بثياب الإمامة الفاخرة، وفاق وراق الأمم الأولة والآخرة، وكانت قراءته -عليه السلام- على مشايخ عدة، وأكثر قراءته على والده الناصر [لدين الله] -عليه السلام-، وعلى حي الفقيه العلامة وجيه الدين عبد القادر بن حسين الذماري، وكان حاله -عليه السلام- في مدة والده وبعد وفاة صنوه السيد العلامة صارم الدين كحال والده -عليه السلام- في مدة الإمام عز الدين في تولي أكثر أعماله، والتزيي بمحاسن خلاله، وكفايته له في جل الأمور، والنظر في أحوال الجمهور، ولم يزل متأهلاً للطالبين، وقائماً بأمور المسلمين، ملحوظاً بعين الكمال من بين أعيان الصالحين والعترة الطاهرين، مرجواً للقيام بأمر الأنام، معروفاً بالسداد في الإقدام والإحجام، مشهوراً بالكرم الجم إذا شَّح الغمام، وكانت دعوته -عليه السلام- عقيب موت والده أعاد الله من بركاته، وذلك أنه كان وقت الوفاة بيسنم، ولما وصل دعا اليوم الثالث من وفاة والده وهو يوم الجمعة ثاني عشر شهر شعبان [الكريم] من سنة تسع وعشرين وتسعمائة، والسبب الباعث على تعجيل نشر الدعوة الميمونة، التي هي بأنواع الصلاح مقرونة، الحاوية لأبكار الخير وعونه، ما ظهر بعد وفاة(3/167)
والده من انضراب الأمور، وتغير حال الجمهور، وتغَّورَ كواكب الحق بعد الظهور؛ لأنها أظلمت الأرض لوفاة والده وذهابه، وكادت أن تميد لموته ومنتابه، وتغيرت الأحوال لأفوله وانجيابه، وكربت السماء أن تمور كما قال تعالى في كتابه.
فرأى من حوله من الأفاضل والأعيان أنه قد تحتم عليه القيام بأمر الديَّان، ووجوب تحمل أعباء الإمامة عليه دون أبناء الزمان، فتوكل على الله وفوّض الأمر إليه، واعتمد في جميع أموره عليه، ودعا عن نية صادقة ولمراد الله موافقة، فانجبر بدعوته ما صدعت أيدي الخطوب، وطلعت شمس العدل بعد التناهي في الأفول والغروب، وهبت صبا من الأفراج وجنوب، وظهرت له كرامات دالة على فضله وعلامات من ذلك ما أخبر به الفقيه العلامة، القدوة الصمصامة بدر الدنيا والدين، عين عيون العلماء المجتهدين، نقطة بيكار الشيعة الأمجدين: محمد بن يحيى بن بهران البصري التميمي أنه وجد اسمه -عليه السلام- مكتوباً في هرورة عنب، وأظهر على ذلك من حضر عنده من أعيان زمانه وفضلاء وقته وأوانه، فاعلموا بهذه الكرامة كل أحد، وحملت الهرورة إلى كل بلد، وكان لهذه الكرامة محل عظيم، وموقع عند جميع الناس جسيم، وحصل بها في قلوب الناس القرار، والتطف بها أهل البوادي والأمصار، ولما انتهت الدعوة الميمونة الشارحة للصدور، والقاصمة من أعداء الله للظهور، القاضية عليهم بالويل والثبور، إلى علماء صعدة ونواحيها تلقوها بالقبول والإجابة وأظهروا سربال الانشراح وجلبابه، ودخلوا تحت النواهي والأوامر، [و] أخلصوا له المودة، وصفوا السرائر، واتصلت أيضاً بصنعاء، ووصلت كتب(3/168)
سادتها وشيعتها بالإجابة كالسيد الأفضل، روض الحكمة المخضل، المرجوع إليه فيما أشكل من الأمور وأعضل، مجد الملة والدين المرتضى بن القاسم بن إبراهيم، والقاضي الأجل، الأفضل العلامة، العلم الأكمل، طود العلم الأطول، وطراز الشيعة الأهول: عز الدين محمد بن أحمد بن مرغم، وسائر سادات اليمن وشيعتهم خلا أتباع الإمام الوشلي، وشايعوه وبايعوه، واستقرت بعد ذلك القواعد، وسكن كل مضطرب ومائد، وقام الولد مقام الوالد. [شعراً] :
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة.... وتغرس إلا في منابتها النخل(3/169)
وقيل في وفاة والده وقيامه: بليغات الأشعار، الجامعة بين التهاني والتعازي، وجمع في ذلك الوقت الفرح والترح، وكادت الأرض بعد مَيدَّاَنها أن تختال وتميس من الفرح، وجمع الشعراء بين التهنئة وبليغ التسلية، فمن أحسن ما قيل في هذا المعنى: القصيدة الرائقة، ذات المعاني الفائقة، التي أنشأها حي السيد الأفضل الفصيح المقول شرف الدين الحسن بن عبد الله بن قاسم القطابري، جمع بين أكثر أبياتها، بين التهنئة والتعزية، وسأذكرها إن شاء الله في آخر الكلام، فإن بليغ القول يشفي الأوام، ويهيج الغرام، ولما تقلد القيام بأمر الإمامة، وكشف عنهم دياجير الظلمة، أرسل دعاته إلى جميع الجهات، فسلموا إليهم الواجبات على اختلاف الأجناس والصفات، في الجهات الخولانية والأقطار اليمنية، وواصله صاحب مكة المشرفة، وغيره من الملوك، وأرسل ولاته إلى ينبع والصفراء، وما يليها من الجهات والقرى، فجاءوا بمصالح تترى، وطاف -عليه السلام- [في] الجهات اليمنية، وانتهض لذلك من ساقين في النصف الأول من شهر ذي الحجة سلخ السنة المذكورة آنفاً، سار في طيافتها سيرة ذكية الأعطاف حميدة الأطراف، حاكية لسيرة الآباء والأسلاف، مصاحباً بحسن النية وصفاء الطوية، والعدل في كل قضية، ولما انتهى إلى حول هجر الأهنوم أرسل عمه السيد المقام الأفضل، البر التقي الأكمل: صلاح الدين المهدي بن أمير المؤمنين داعياً لأهل الهجر إلى طاعته والتمسك بأهداب هدايته، فانقادوا إلى تسليم الحقوق فوراً وخشيوا من سطوة جنده، ووقعت في قلوبهم [له] هيبة عظيمة، وراموا منه عدم الدخول [إلى مكانهم] إشفاقاً،(3/170)