وقوله:من عصر علي بن محمد: هو الصليحي الثائر من جبل مسار من أرض حراز، فإنه ملك اليمن بأسره في مدة قليلة من قيامه، فملك من عدن يمناً إلى عقبة عسفان شاماً، مدن هذه البلاد وحصونها وسهلها وجبلها، وخلَّفه ولده أحمد المكرم، ثم عدة من الصليحيين.
وقوله: وبنو عبيد بالنوال تمدهم: يعني ملوك مصر والمغارب، فإن خروجهم كان من بلاد الأندلس، فملكوا تلك البلاد، ثم اتصلت مملكتهم إلى أن ملكوا أكثر الشام والعراق وجميع اليمن، وهم يدعون أنهم أشراف من ولد الحسين بن علي -عليه السلام-، تملك منهم أربعة عشر خليفة حتى أزالهم الترك، وبنو أيوب: أولهم الملك الملقب صلاح الدين واسمه: يوسف بن أيوب، فلما أزالوهم خرجوا على اليمن، فملكهم سيف الإسلام وغيره، وقد ملك البلاد اليمنية غير الصليحيين آل زياد، وهم ينسبون إلى عبيد الله بن زياد قاتل الحسين [بن علي] -عليه السلام-، ولاهم البلاد المأمون في عصره فتمكَّن منهم من تمكَّن.
ومن عبيدهم سعيد بن نجاح، وكان الصليحي قد قتل أباه، وأخذ عليه زبيداً، فقتله سعيد المذكور في قصة طويلة.
وقوله: وبنو رسول بعدهم: أي بعد بني أيوب، واسم رسول هذا: محمد بن هارون، وإنما سمي رسولاً؛ لأنه كان يخدم بني أيوب، ويمضي في حوائجهم كما ذكرت لك في ترجمة الإمام صلاح بن علي.
وقوله:
فاصبر على غصص الزمان كصبرنا.... وكصبر من غلبت عليه عرد
يشير إلى قول قاضيها، وهي قرية من أعمال ذمار:
صبراً على عرد مادمت ساكنها.... صبر الجياد على طول المغاراتِ
قوم إذا حضروا للشرع ما قبلوا.... إلا يميني مع تطليق زوجاتِ(3/156)


هكذا فسره السيد صارم الدين، ولنرجع إلى ذكر موته، وذكر عياله.
أما موته: فإنه توفي في شهر جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وتسعمائة، وأظنه بلغ من العمر قدر الثمانين، وقبر حول صنعاء، وتوفي ولده أحمد بعده بمدة يسيرة في بلاد بني طاهر؛ لأنه كان هناك هو وصنوه الهادي وأما أخوهما محمد بن إبراهيم، فتوفي قبل أبيه، أصابته حجر من حجار المنجنيق الذي نصبه عامر بن عبد الوهاب على صنعاء، أصابه ذلك الحجر وهو معرض في بعض شوارع صنعاء، واعلم أن هذا السيد أعني مولانا إبراهيم [بن محمد] تجرَّع في آخر عمره غصصاً [كثيرة]، بقدر ما قد رأى في نفسه وأهليه من النعم الغزيرة الجليلة الخطيرة أعواماً كثيرة حضيرة، فسبحان من له في هذا صنع وتدبير، يعجز عنه الصغير والكبير، ولما كان السيد المذكور من العلماء المبرزين، ومن المؤرخين المجودين المحسنين، أحببت أن أذكر هنا ما رثَّى به ابن الخشاب النحوي بعض علماء وقته؛ لأن أمره يحكي أمر ذلك المرثي، والشيء يذكر بذكر مشبهه، فلتكن هذه الأبيات ختم هذا الشرح المبارك -إن شاء الله تعالى- وتبارك قال:
بيَّنت علمك تصنيفاً وتقريباً.... وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا
مازلت تلهج بالتأريخ تكتبه.... حتى رأيناك في التأريخ مكتوبا
أعربت عن عرب نقَّبت عن نجب.... أضحت مناقبهم في الناس تنقيبا
حجبت عَّنا وما الدنيا بمظهرةٍ.... شخصاً وإن جلَّ إلا عاد محجوبا(3/157)


وكان الفراغ من تحريره ليلة الأربعاء تاسع وعشرين من شهر محرم الحرام سنة ثلاثة وثلاثين وألف، برسم الفقيه الفاضل، الكامل، سليل الفقهاء النجباء، عماد الدين: يحيى بن صلاح الرتوة حبّبه الله لصالح الأعمال بحق محمد وآله خير آل، وكفاه نوائب الوقت والأهوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.(3/158)


ذيل البسامة البسامة
تأليف السيد العلامة
داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي
[990-1035]
هذا الملحق في البسامة لمولانا السيد المقام الأعظم، والطود الأشم، العلامة العلم الاعلم، صارم الدين، واسطة عقد الفاطميين: داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي -لله دره-.
أوله بعد قوله :
وليس يعلم ما يأتي الزمان به.... سوى عليم قديم الذات مقتدرِ
لله درك من علامة عَلَم.... أزرى نظامك بالياقوت والدررِ
ذكرت فيه ملوك الأرض قاطبةً.... من بعد وعظ له التأثير في الحجرِ
ثم اخْتَتَمتَهْمُ بالمصطفى ولنا.... فيه اعتبار وتذكار لمعتبرِ
والصحب والآل طراً معْ مُناصِبهم.... أهل الشقاوة والعدوان والأشرِ
وقد أحطت بصيدالآل عن كمل.... إحاطة الكُمِّ بالأسنى من الثمرِ
وإنني ذاكر من قد علمتُ به.... من الأئمة إيقاضاً لمدَّكر
وليس قصدي في فعلي مناظرةً.... هيهات ليس يقاس الدر بالمدرِ
لكنني أرتجي الغفران جائزة.... من خالقي ودعاءً من أولي النظرِ
دعا الإمام الذي شاعت فضائله.... بين الخلائق من بدو ومن حضرِ
خليفة من بني الزهراء فاطمة.... بحر العلوم سديد الرأي والنظرِ
نعته في أرض صنعاء ملائكة.... حين الوفاة بمدح فيه مشتهرِ
كفى بذلك فخراً في الأنام له.... بِمثله ما روى الراوون في السيرِ
وهو الذي شرع الداعي بحي هلاَ.... إلى الطعام مع الآصال والبكرِ(3/159)


[الإمام عز الدين بن الحسن]
هو: مولانا الإمام الهادي إلى الحق، أمير المؤمنين: عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد بن جبريل -صلوات الله عليهم- كل بكرة وأصيل، نشأ منشأ آبائه الجحاجحة الكرام، وقفا منهاج أسلافه الأئمة الأعلام، ولم يزل -علَيه السلامَ- مولعاً بطلب العلم حتى فاز منه بالأبكار والعون، واطلع على سره المكنون، فأتى بما يشرح الصدور ويقر العيون، ابتدأ طلب العلم في وطنه الميمون، ثم قصد صعدة، فقرأ فيها على مشايخ عدة، وأحسنهم ذكاء وحدة، وأكثرهم في العلوم عدة :القاضي العلامة النحرير، بحر العلم الغزير، جمال الملة والدين، عين عيون الشيعة الأمجدين: علي بن موسى الدوَّاري، أخذ عنه أكثر الفنون، وصنَّف فيها وما[قد] تَّم له من السنين عشرون، وله من المصنِّفات العجيبة الرائقة، والتأليفات الغريبة الفائقة، (شرح المعراج على المنهاج) في أصول الدين، وهو جزءان ضخمان، أكبَّ على قراءته وتحصيله أعيان الزمان، وقصده لسماعه عدة من أهل العلم من نواحي جهران، وذمار، وخبان، واتصل بالصفرا وينبع، وتلك البلدان، وله (شرح على البحر الزخار في فقه الأئمةالأطهار)، سلك فيه أسلوباً عجيباً، وطريقاً غريباً لو مدَّ الله له في العمر لجاء هذا الشرح من أبلغ كتب الزيدية، لكنه -عليه السلام- توفي وقد بلغ فيه إلى بعض كتاب الحج، ومصنِّفه إلى هذا القدر قدر مجلدين ضخمين، وله مصنَّف فائق فيما يتعلق بالإمامة سماه: (العناية التامة بتحقيق مسائل الإمامة)، وله في علم الطريقة وفن أهل الحقيقة مختصر يسمى: (كنز الرشاد و[زاد المعاد]) وله(3/160)

192 / 205
ع
En
A+
A-