مديحك أحلى ما رواه لسانُ.... وذكرك أولى ما حواه جنانُ
لأنك ملك فيك حلم ورأفة.... وسوحك للعافي منى وأمانُ
وعدلك منشور اللواء على الورى.... ومن ذا الذي تحت اللواء يهانُ
وأخلاقك الغر الحسان لأنها.... رياض وأنهار فهنَّ جِنَانُ
وجودك منهَّل لكل مؤمِّل.... فليس بخالٍ من نداك مكانُ
وعرضك موفور مصون معظَّمٌ.... ومالك للوفَّاد ليس يصانُ
وأنت لدى الحرب العوان غضنفر.... شجاع ومن خوف الملام جبانُ
جمال الهدى سمعاً لنصحي فإنه.... يدل عليه سنة وقرانُ
عليك بفعل الصالحات وكسبها.... فمن يفعل الخيرات فهو معانُ
وسر سيرة المنصور جدك إنها.... لملكك في الدنيا حمىً وضمان
وتظفر في العقبى بملك مؤبد.... وجنات خلد حورهنَّ حسانُ
فإنك في الأشراف درة تاجهم.... ومن عقدهم وسطاه وهو جُمانُ
ونبراسهم في المعضلات إذا دجت.... وإن نابهم خطب فأنت سنانُ
فعيش الفتى ظل يزول وعمره.... قصير وإن عوفي وطال زمانُ
وحالاته شتى عليه فتارة.... علو ووقتاً ذلة وهوانُ
ويوماً له ضوء الشهاب ونوره.... وحينا وقد غطى عليه دخانُ
وغاياته شيخوخةٌ وزمانةٌ.... وموتٌ وقبرٌ ثم بعد يدانُ
فيا مالك الأشراف يا ابن محمد.... بداراً لما تنوي فأنت معانُ
فمثلك من أحيا شريعة جده.... وقامت صلاة واستقام أذانُ
ودارت رحى الإسلام بعد سكونها.... وصالت به كف له وسنانُ
ألم تر يا نجل الإمام عمارة.... بصعدة لما بان منك أمانُ
وخففت بعضاً من رعاياك أصبحوا.... وهم لك أصحاب عليك ضنانُ(3/146)


فكيف إذا أسبلت سربال رأفة.... عليها عنت بصرى لها وعمانُ
وأضحت قصوراً شامخات وحولها.... بساتينها يلهو بها الورسانُ
وأصبح من والاك فهو معظم.... عزيز ومن عاداك فهو مهانُ
فيا ابن رسول الله وابن وصيه.... ومن قدره من دونه السَّرطانُ
سماعاً لنصحي إنه نصح وامق.... وقول صحيح واضح وبيانُ
بقيت لأهل الدين كهفاً وملجأً.... يخافك في أوطانه الحدثانُ
ولا زال للإسلام ظلك دائماً.... وجودك فيه للعفاف خوانُ
تمت الرسالة، قال مصُّنفها: إنها أنشئت في جمادى الأولى من سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة [سنة].(3/147)


[خاتمة شرح أبيات البسامة]
فصل: ولنختم هذا الشرح بإيراد أبيات المنظومة بقلم أحمر إلى آخرها، ثم تفسير ما ينبغي تفسيره.
قال السيد صارم الدين [رحمه الله تعالى] :
فهاك ما قلتُ في داعٍ ومقتصدٍ.... ساعِ إلى طاعة الرحمن منشمرِ
قد باينوا كل ذي لهوٍ وذي لعبٍ.... بالفسق مشتهر للخمر معتصرِ
يدبر الأمر من مصر إلى عدن.... إلى العراقين بين الدن والوترِ
إذا تهجَّد بالأسحار سادتنا.... بمنزل فيه إلهابُ لمزدجرِ
غنَّاهم المطرب الشادي بنغمته :.... يا أشبه الناس كل الناس بالقمرِ
طالوا علينا بدنياهم وخالقهم.... عطاؤه لم يكن فيها بمحتظرِ
فقل لمن شرعة الإسلام شرعته.... أي الفريقين قل لي عنه أنت بري
أجر النبي على إرشاد أمته.... حبُّ القرابة فاغنم أفضل الأجرِ
وكن بعروة أهل البيت ملتزماً.... فالذكر والآل منجاة لمدَّكرِ
ولا يصدك عنهم قول منحرف.... فالناس أميل نحو العاجل الحضرِ
أعلى الوسيلة دار للمحبَّ لهم.... ودار قاليهم المخذول في سقرِ
صلى الإله عليهم كلما طلعت.... شمس وما حفَّت الهالاتُ بالقمرِ
كملت أبيات المنظومة.
قوله:
فهاك ما قلت في داعٍ ومقتصدٍ
الداعي: مثل زيد بن علي وولده، والنفس الزكية، وأخيه إبراهيم، والقاسم، والهادي، والناصر، والمؤيد، وأخيه، وأحمد بن سليمان، والمنصور بالله وأضرابهم.
والمقتصد: مثل أحمد بن عيسى بن زيد، [والكوكبي]، ويحيى بن عمر وأشباههم ممن ذكره الإمام المهدي في (البحر)، وقد ذكرهم غيره.
قوله: إذا تهجد بالأسحار سادتنا، والبيت الذي بعده هو مثل قول أبي فراس يعير بني العباس:
إذا تلوا آية غنى إمامكم.... قف بالطلول التي لم يعفها القدم(3/148)


وصدر قوله:
يا أشبه الناس كل الناس بالقمر
هو:
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكرهم
وقوله: وخالقهم عطاؤه لم يكن فيها،-يعني الدنيا- بمحتظر، فيه إشارة إلى الآية الكريمة:{وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } [الإسراء:20] يعني: أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب، وقوله: أي الفريقين قل لي أنت عنه بري، يشبه قول بعضهم [هو الإمام الشافعي -رضي الله عنه-].
إذا كان في الإسلام سبعون فرقة.... ونيف على ما جاء في سالف النقلِ
ولم ينجُ منهم في اللقاء غير فرقة.... فماذا ترى ياذا الرجاحة والعقلِ
أفي الفرق الهلاك آل محمد.... أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي
[إذا كان مولى القوم منهم فإنني.... رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي]
[فخل علياً لي إماماً ذخرته.... وأنت من الباقين في أوسع الحل]
فإن قلت في الناجين فالقول واحد.... وإن قلت في الهلاك حفت عن العدل
والأربعة الأبيات الباقية تفسيرها ظاهرة.(3/149)


[ترجمة السيد صارم الدين صاحب البسامة]
ونلحق بهذه الجملة ذكر مصنف هذه المنظومة، ونسبه، وذكر شيء من مصنفاته، وشعره؛ لأنه قال: وذا زمانك فانظر في حوادثه، وهو من أعيان أهل زماننا، وقد جرت عليه من الحوادث السارة والضارة التي عرفناها وشاهدناها ما فيه معتبر.
أما نسبه: فهو السيد صارم الدين: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن محمد وهو العفيف، وكان العفيف هذا من أعيان العترة، وهو ممن بايع المنصور بالله، وناصره، وقد أشرت إلى ذلك، ورثاه المنصور بالله على ما تقدم، وهؤلاء السادة -أعني الناظم- وآباؤه أهل علم غزير، ومصنفات، ودواوين أشعار مشهورة، ومراتب عند رؤساء العترة [عالية] ؛ والذي حضرني من شعر السيد إبراهيم الفكيهة قصيدة قالها تشوقاً إلى صنعاء من صعدة -لأنها وقعت بينه وبين الناصر وحشة- وهو صاحبها، فمثل الذي هم أشجنوا منه ووصلوا صعدة، فقال شعراً حمينياً وهو:
سل حادي الأضعان
والأهل والجيرانْ
وناشد الركبانْ
ليت النوى ما كانْ
قلبي بهم مشتغلْ
وأنا عليهم وجلْ
يا مرسلي عن حال صنعاء اليمنْ.... والمعهد الخالي بها والدمنْ
عمن رحل منهم وعن من ظعنْ.... ولا افتراق الشمل في ذا الزمنْ
وجمرته مشتعلْ
بالنوم لم أكتحلْ

والبرق من شجانْ
والوابل الهتانْ
إذا لمع هاج الشجى والشجنْ.... مدامعي قطره إذا ما هتنْ
[بيت]
[سعيت في الانتقال]
أحباب لي في آزالْ
لما منعت الحلالْ

وتركي أهلي والوطن والنسيبْ
فارقتهم والقلب مني كئيبْ
ولم يزد لي عيش فيها يطيبْ

( ( ((3/150)

190 / 205
ع
En
A+
A-