وليعلم -مدَّ الله ظله-: أنه إذا سلك بالناس هذه الطريقة الحسنة، وسار بهم السيرة المستحسنة، أطاعه الخاص والعام، وكان عندهم في محل الإمام، وخدموه خدمة إكرام وإعظام، وكمل أمره ودام، وكَبَتَ بذلك الأشرار والأعداء، وخاف منه كل من عليه في قلبه داء، وتمَّنى الكل أن يكون له الفداء، وذلك أن الناس إلى الملك العادل أحوج منهم إلى طعامهم وشرابهم ويقظتهم ومنامهم، لما فيه من المصالح العظام، وتملكه للخلق من الانتظام، أنه ينصر المظلوم، ويكفُّ الظالم، ويؤِّمنُ الخائف، ويفكُّ العاني، ويمنع الخلق فيما بينهم من التظالم، وينفي عنهم المآثم، ويعيش في ظله القوي والضعيف والوضيع والشريف إلى غير ذلك من المصالح.(3/141)


قال النبي ً: ((السلطان العادل ظل الله في أرضه ))،ولعمري أن المتطرق لهذه الطرائق لخليق بهذه الخلائق، فيكون الناس كلهم أعوانه على من ناواه، وأنصاره على من طلبه وخاطاه من غير أن يفتقر إلى طلب خدم وأعوان وعبيد وغلمان، يشهد بذلك العيان،ويعترف به القلب واللسان، ولا يجحده إنس ولا جان، وتحقيقه في سيرة كسرى أنو شروان، ويؤيده قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ }[النحل:90]، ولا يدخل في خاطره أن السيرة المرضية التي يقضي بها العقل والشرع، وتوافق الغريزة والطبع ممتنعة متعذرة بل هي ممكنة متيسرة؛ لأن الله تعالى لا يكلف الملوك إلا ما كان داخلاً في وسعهم؛ قال الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }[البقرة: 286]، لأنه [تعالى] إذا أمكنهم من البلاد والعباد، وأنفذ أمرهم في الإصدار والإيراد، وجعلهم يقودون الخلق بزمام الطاعة، ويحملونهم على السمع والطاعة، أراد منهم أن ينظروا في عباده وبلاده بما يرضاه، وقد قال تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}[الزمر:7]، وقال تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ }[غافر:31]، وإذا ثبت أنه إذا أمكنهم من الملك إلا ليفعلوا بما هو صلاح الخلق، دلَّ على أنهم قادرون على السيرة التي فيها استقامة أمر الناس، وصلاحهم على قدر وسعهم وطاقتهم، وأنه أمر متيسِّر غير متعسِّر، وأن ثوابهم أكثر وأغزر من ثواب من لم يكلف ذلك لما انطوى تكليفهم عليه من الفوائد والمصالح، وممَّا يَدلُّ على ذلك قوله ً ((الخلق(3/142)


عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ))، ولا شكَّ أن الملك العادل للخلق أكثر من منافعهم فيما بينهم، فيكون على ذلك أحب إلى الله من رعيته لأجل نفعه لهم، وذلك إذا فعل ما يفعله منهم لله تعالى وللدار الآخرة وامتثالاً لما أراد الله منه نال عند الله درجة عظيمة، لا يبلغها إلاَّ من ملَّكه الله مثل ما ملَّكه، وعمل مثل ما عمله، وإنما قلنا: إنه إنما ينال هذه المنزلة عند الله إلاَّ بالنية الصالحة، فلقوله ً: ((الأعمال بالنيات ))، ولعمري أن من قصده الله سبحانه بأفعاله ولو قلت طاعته أفلح وأنجح، كيف [إلا] من مكنَّه الله من الملك، وعمل فيه بما أراده الله منه فإنه أكثر فلاحاً ونجاحاً، وسداداً وصلاحاً، وإياك من قائل يقول لك: إنك إذا سرت في الناس السيرة الحسنة، وسلكت بهم الطريق المستحسنة عتوا وتجبَّروا، وخالفوا وتكبَّروا وامتنعوا من أداء الحقوق الواجبة، وسارعوا إلى الشقاق والنزاع، فاحذره فإنه إنما يريد بذلك حطام الدنيا، ولا يراقب الملك الأعلى، وهمته في هم المال، واكتسابه من طرق الحرام لا الحلال، وهو يظهر نصحك، وهو في الحقيقة غاش لك ولنفسه، فالحذار [الحذار] من أن تصغي إليه سمعاً، أو تجعل كلامه مجناً [لك] أو درعاً فإن الأمر بخلاف ما قال، فلا يكون ذلك إلا إذا كان الملك عاجزاً عن ردع الجهال، وقمع أرباب الضلال، وأما إذا كان كالمقام العالي ثابت الجنان، كثير الأعوان، مطاع السلطان، محتني السيف والسنان، قوي الأركان، في كل عنق منه طوق إحسان، فإنه لا يخالف في شأن، وإن خالفه مخالف قام عليه الثقلان، وألحق به الذل والهوان.(3/143)


فليعمل المقام العالي -أدام الله عزَّه- على سلوك هذه الطريقة؛ فإنها تكون سبباً لنجاته –إن شاء الله تعالى- على الحقيقة، وليجعل ذلك على سبيل التدريج ليكون أقرب إلى مساعدة النفس إلى ذلك وأسهل على الخاطر؛ لأن الأشياء إذا أخذت على سبيل التدريج من رتبة إلى رتبة وحالة إلى حالة قليلاً قليلاً طاوعت النفس وساعدت وانقادت، وإذا كلفت النفس طرح ما تألفه [مرة واحدة] جمحت ونفرت، ولم تساعد إلى ما طلب منها، وشَّق ذلك عليها، وكان [ذلك] سبباً إلى عدم الطاعة والإذعان منها.(3/144)


قال النبي ً: ((إن هذا [الدين] متين، فأوغل فيه برفق فإن المنبّت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))،وقال ً: ((يسروا ولا تعسروا، وقاربوا، وسددوا))، ألا ترى أن من اعتاد كثرة الأكل عسر عليه تركه دفعة واحدة، وشق ذلك عليه المشقة العظيمة، فلو ترك من الغداء لقمة يسيرة ثم من العشاء كذلك واعتاد ذلك، وتدرج إلى أكل القليل قليلاً قليلاً سهل ذلك عليه، وقنعت نفسه، وهذا واضح لا يحتاج إلى دليل، وليجتهد بعد ذلك -أمتَّع الله بحياته المسلمين- في القيام بما كلَّفه الله [تعالى] مما يخصَّه في نفسه، فإنه إذا اجتمع له الأمران حصل له أجران، وكان معظماً في كل مكان، ممدوحاً في كل أوان؛ لأن من أحبَّه الله أحبَّه كل الناس، وانتشر عليه كل قلم ولسان، فقد روي عنه ً أنه قال: ((إذا أحبَّ الله عبداً جعل محبته في الماء، فمن شرب منه أحبه))، فهذا ما أردت مذاكرته به [عليه] على طريق الإجمال، ولولا كثرة الاشتغال لأوسعت المجال في ضرب الأمثال، والاحتجاج على صحة ما أوردته والاستدلال، ولكنه ً قال : ((ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهى ))، والمقام أيده الله [تعالى] ممن لا تقرع له العصا، ولا ينبه بطرق الحصى، وهو ممن ذكره أعرف وأدرى، وقدره الشامخ أرفع وأعلى، ألهمه الله [تعالى] وإيانا موجبات الهدى، وجنَّبه وإيانا مداحض الزلل والردى، وسلك بالجميع مسالك الرضى، بحق محمد المصطفى، وعترته الأصفياء، إنه سميع الدعاء، جزيل العطاء، قادر على ما يشاء؛ وهذه أبيات نظمتها ليتأملها المقام العالي بنظره الثاقب، وفكره الصائب، تحتوي على مضمون ما تقدم، وهي:(3/145)

189 / 205
ع
En
A+
A-