[أخبار الإمام السراجي - عليه السلام -، وذكر أمر الشعبي سنجر معه]
وللسراجي والشعبي سَنْجِرَها.... قضية خطها الكتّابُ في الزبرِ
المراد هنا: يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وهو سراج الدين بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وقيل: الحسين بن علي بن محمد بن جعفر بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، قام السراجي هذا ودعا إلى نفسه في نواحي حضور، بعد قتل الإمام أحمد بن الحسين[-عليه السلام-] وكان عالماً مبرزاً قرأ في نواحي تهامة على الشيخ أحمد بن عجيل، وقرأ في الحديث بمكة المشرفة، فروي أنه كان يحفظ من أحاديث الرسول ً غيباً ستين ألفاً، سمع ذلك من حي السيد العلامة عبد الله بن يحيى بن مهدي وغيره، في تأريخ الجندي ما لفظه: كان [هذا] السراجي إماماً كبيراً في مذهب الزيدية، وعكفوا مدة يأخذون عنه العلم، حتى قام وادعى الإمامة، ونزل مع قوم في حصن لهم يعرفون ببني فاهم بحضور، وأطبق معهم على إجابته خلق كثير من الناس، فحينئذٍ حسده الأشراف على الترأس عليهم، وكان الشعبي حينئذٍ بصنعاء، فبذل لبني فاهم مالاً جليلاً، حتى قبضوا عليه، وسلموه إليه فكحله بعد حبسه أياماً، فأنزل الله بالذين باعوه الجذام، حتى كان الرجل [منهم] يعتزل في كهف من الكهوف؛ لئلا يجذم أصحابه، فلا يدرون حتى يجذم منهم آخرون، ثم يجيفون جيفة عظيمة بحيث لا يستطيع أحد يقربهم من تغير الرائحة، حتى هلك [منهم] جميع من كان منهم حاضراً ممن صار بالغاً، وما زالوا على حال ضر من قتل بعضهم لبعض في كل وقت(2/271)
[حتى انتهى] إلى وقتنا هذا، انتهى ما ذكره الجندي.
قالوا: وكان كحَّله عام ستين وستمائة، [فأقام مدة طويلة في صنعاء يدرس]، ويقرأ في العلوم من حفظه إلى أن توفي سنة ست وتسعين وستمائة، قريباً من ثلاثين سنة، فدفن في مسجد الأجذم بصنعاء، وقبره مشهور مزور، وله كرامات مشهورة، فمنها ما جرى لبني فاهم الذين باعوه، ومنها ما يروى أن المظفر لما أمر خادمه سنجر بكحله كان يسمع بعد موته: (مالي ولك يا سراجي، مالي ولك يا ابن تاج الدين)، ومنها ما يروى عن بعض الفضلاء أن ثقة أخبره أنه نام ليلة في قبة هذا الإمام، فرأى في بعض الليل وقد امتلأت القبة نوراً أبلغ من نور السراج والشماع، ومنها أنهم لما أرادوا كحله ذكروا ذلك للمشاعلي فامتنع، فمر عليهم رجل سكران من أهل السائلة غربي صنعاء، فأمروه بكحله، فلما فعل أصابته آفة، فكان لا يولد له ولد إلا أصابته آفة ما تناسلوا.
قال الراوي: وما انقطعت ذريته إلا بقربة، قالوا: وهذا مشهور مع الجيران في السائلة المذكورة. انتهى.(2/272)
ومات السراجي [هذا] وخلَّف ولدين: محمد، وأحمد، وذريته الآن من نسل أحمد، لا ذرية له من غيره.
قال مولانا السيد الأفضل العلامة محمد بن علي السراجي الموجود بصنعاء يوم تأليفي هذه الجملة، وقد كتب إلي بتدريج نسبه إلى هذا الإمام، فقال: أنا محمد بن علي بن محمد بن أحمد [بن علي بن أحمد] بن يحيى المذكور، لا ذرية له إلا نحن.
قال: لكنَّا نلتقي نحن وجماعة كثير في نواحي ذمار وصنعاء وغيرهما في نسب سراج الدين.
قال: وسراج الدين اطلعت في صغري على كتاب صنَّفه بعض الشافعية من اليمن الأسفل، في نسب الأشراف، وذكر أنه سمي بذلك؛ لأن أمه حال حملها رأت أنه خرج من جوفها نور، فسمي سراج الدين لذلك، وقيل: سمي بذلك لصباحة وجهه وإنارته.(2/273)
[ذكر الأئمة الأربعة الذين دعوا في عصر واحد وقطر واحد على مذهب واحد]
وفي علي ويحيى والمطهر والفتحي.... جاءت بمنشور من السيرِ
وكان يحيى هو الحبر الذي ظهرت.... علومه كظهور الوشي في الحبرِ
وما ابن حمزة إلاعالم علَمُ.... مخايل اليمن لاحت فيه من صغرِ
ذكر السيد صارم الدين هنا أربعة [أئمة] ممن دعا في عصر واحد، وقطر واحد على مذهب واحد، فمنهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد، ولا أقول لمحبتي للعترة الأكرمين، ومنهم ظالم لنفسه، وأنا أشير إلى ذكر طرف من سيرة كل واحد حسبما اطلعت عليه، وعلى ما رتَّبه السيد صارم الدين في منظومته أولاً فأولاً؛ لأني بانٍ على تقليده في الترتيب، فلا لوم عليَّ لأنه أعرف مني بهذه الأساليب، وهذه توطئة وتمهيد لما سيأتي عن قريب.(2/274)
[الأول الإمام علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين ]
فصل: فأولهم في المنظومة: علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين، فإنه قال به جبلان من أهل العلم، وهما السيد يحيى بن الحسين، والفقيه يحيى البحيبح، وقد روي عن [حي] السيد الهادي بن يحيى أن [حي] والده السيد لم يكن يقل بإمامته؛ وإنما عاضده لعل أمور المسلمين تصلح، قالوا: ودعا بعد وفاة الإمام محمد بن المطهر بلا فصل، فبثَّ دعوته في الآفاق، وسيرها إلى علماء الظاهر، ودعاهم إلى إجابة دعوته، وتليبة عروته، والإهراع إلى جمعته وجماعته، ثم قال: إني قد تسنمت غارب هذه الدعوة، مستكملاً شرائطها غير خارج عن استحقاقها، وقد لزمكم الإجابة ولكم البحث والاختبار، والامتحان، فعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، ونحن قادمون إليكم وعارضون عليكم نفوسنا، فإن وجدتم الدعوة صادقة والشرائط متكاملة، فلا غضاضة عليكم في اتباع الحق والالتزام بأهداب هذه الدعوة، بل هو الواجب، وإن وجدتم هذه الدعوة خارجة عن الرسوم الشرعية، منافية للحقائق العلمية، غير ثابتة الأساس، ولا محكمة الأمراس، فأنتم مدركون لما في خواطركم، ولم تعجلوا بشق العصا ومخالفة ما دعونا إليه ودللنا عليه.
هذا الكلام حكاه السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (كاشفة الغمة) عن لفظ الإمام الناصر صلاح بن علي–رحمه الله تعالى-، قال السيد: ثم قال الإمام الناصر عقيب ذلك: وهذه حجة لازمة، ومحجة بينة.(2/275)