[ذكر الأميرين يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى بن يحيى]
وقوله:
وشيبتا الحمد شيخانا له نصرا.... وفرقا همماً في النظم للبشرِ
هما الأميران الكبيران الداعيان للمنصور بالله، وهما: يحيى، ومحمد أبناء أحمد بن يحيى بن يحيى، وفضلهما أشهر من الشمس، وكانا أسنَّ من المنصور بالله، وشمس الدين أكبر من بدر الدين، وفي الرواية أن الإمام أحمد بن سليمان [-عليه السلام-] [لما] سئل من يصلح للإمامة؟ قال: لايأتيكم الخير إلا من هذا وأشار إلى الأمير شمس الدين، وفي بعض الروايات عنه -عليه السلام- لا يأتيكم الخير إلا من هذا، أو على يديه، وكان الإمام المنصور [بالله] [-عليه السلام-] قبل قيامه محباً لأن يلي الخلافة أحدهما، ويكون هو له من أكبر الأعوان، فمن قوله في الأمير شمس الدين:
أصدق ما قال به القائل.... ما أحوج السيف إلى الحامل
يا ابن علي بن أبي طالب.... قم فانصر الحق على الباطل
ولا تشكك في اتباع الهدى.... ولا تصخ إن عذل العاذل
وادع فعندي أنها دعوة.... كاملة في رجل كامل
فأنت لا أنطقها كاذباً.... عالم أهل البيت والعامل
وأنت في صيد بني أحمد.... لا ساقط الذكر ولا خامل
لو عمل العالم في ظلمةٍ.... لم يخف ربي عمل العامل
والحق لا يترك أعني بها.... نفسي مكان الجمل البازل
ونحن أعوانك فيما جرى.... من كل خطب جلل نازل
كأنني انظر تا الله ذي الـ.... ـطول وعاليهم بها سافل
وهم وبيض الهند عصياننا.... شوارد كالنعم الجافل
فإن أعدَّوا السيف لم ينثلم.... والرمح لا تشكو من الحامل
فلا تسميني بنو أحمدٍ.... فوق سنام المجد والكاهل
يا أهل بيت الذكر حفوا به.... فالبيت محتاج إلى الآهل
وأخلصوا لله سبحانه.... في خارج الأعمال والداخل
كأنني انظرها شزباً.... تحكي قطا كاظمة الناهل
تؤمُّ بدراً من بني هاشم.... في أفق المجد بذي كامل(2/166)
وله فيه وفي أخيه بدر الدين جواب قصيدة الفقيه شهاب الدين أبي القاسم بن الحسين السليماني :
وهذا شهيد بالذي قلتي حاضر.... مكين عظيم القدر سبط التراجم
أخو العلم شمس الدين يحيى بن أحمد بـ.... ـن يحيى حميد الفضل شيخ الفواطم
وشافعه بدر الهدى صنوه الذي.... دعا لم يخف في الله لومة لائم
فزرهم وقل ما شئت فيما حكيته.... وخذ بكلام الطيبين الأكارم
وله -عليه السلام- إلى الأمير بدر الدين [-عليه السلام-] :
ألا هل يحملنَّ لي البريد.... على خطر المسافة ما أريد
مغلغلة إلي باني المعالي.... ومن هو للعلى ركن شديد
سلالة أحمد مولى البرايا.... وقائدها وهاديها الرشيد
وأعظمها على الأعداء ركناً.... وأصبرها إذا اقترع الحديد
كتبت إليه عن قلب جريح.... تقلبه الخطوب كما تريد
أعزَّ بني النبي أباً ونفساً.... هزبراً لا يصدَّ ولا يحيد
بأن الدين ملبسه دريس.... وثوب الكفر موشي جديد
تغللت السلاسل في هوادي.... بني حسن وأثقلت القيود
وعطلت المساجد للبغايا.... وبالت في جوانبها اليهود
كفى خزياً لذي لب بهذا.... تجول على منابرنا العبيد
وأنت عمود هذا الدين فانهض.... وشمَّر أيها الهادي الرشيد
فقد فعل الأعاجم في البرايا.... فعالاً تقشعرّ له الجلود
ومثلك لا ينام عن المعالي.... ولا يثني عزائمه الوعيد(2/167)
وله -عليه السلام- إليهما وقد بلغه فساد قوم من يام، فكتبها إليهما مع تراكم الأشغال:
إن النجاة لزوم خوف الباري.... وهو المزحزح عن عذاب النارِ
طال النوى من النفير إلى العدى.... ولقد عهدت و ما يقر قراريِ
كافحت أرباب الضلال عن الهدى.... متجرداَ قبل اخضرار إزاري
حملت أوزاري على عبل الشوى.... شيخ النسا لا حط من أوزاري
يا راكبي متن العناد وسالكي.... سبل الضلالة آذنوا ببوارِ
فالجرد تصنع والصوارم تجتلي.... والأسد تخطر بالقنا الخطارِ
وأنا الذي عرفت مواطن صبره.... في كل يوم حالك الأستارِ
بل أيها الغادي على غيهامة.... سرح النجا شملة محضارِ
بلغ إلى شمس الهدى وشقيقه.... بدر الهدى وبنيهما الأطهارِ
عني رسالة من يروم ببأسهم.... نعش الهدى وإبادة الفجارِ
المانعين الجار عند نزوله.... والرافعين نيارهم للساري
والضاربين الكبش تبرق بيضه.... في عارض كالعارض المطارِ
الجائدين إذا السماء بخيلة.... بالقطر والوافين للغدارِ
السائلين عن النزيل لبره.... والقائضين يداً على الزوار
والرافضي الدنيا الدنية خشية.... والقاطعين تسلط الجبار
شيخين من آل الرسول تسابقا.... وبنوهما سلكوا على الآثار
مدحتهم أم الكتاب فكم عسى.... تعطيهم المداح بالأشعار
هم قادة للمسلمين وسادة.... في دارنا هذي وتلك الدار
وبهم حياة الدين بعد مماته.... وهم ولاة النقض والإقرار
أو ليس يحيى قام قومة جده.... يحيى فشال الدين بعد عثار
ودعا لمنصور تطاول سؤله.... في أن يكون له من الأنصار
ديناً لعمرك خالصاً ودراية.... بمواقع الإيراد والإصدار(2/168)
وأخوه بدر الدين قاد إلى العدى.... جيشاً كمثل الزاخر التيار
فشفى صدور المؤمنين ولم يدع.... للظالمين بدارهم من دارِ
وله مواقف لم يكن ليقومها.... في الروع إلا كل أغلب ضارِ
وبنوهما السادات أنوار الهدى.... شم الأنوف سلالة الأخيارِ
آل النبي هم النجوم وإنما.... ليس الكواكب كلها بدرارِي
ما للشموس وللبدور مقيمة.... ببروجها وكواكب الأسحارِ
وله مواقف لم يكن ليقومها.... في الروع إلا كل أغلب ضاري
وبنوهما لسادات أنوار الهدى.... شم الأنوف سلالة الأخيار
إن النبي لهم النجوم وإنما.... ليس الكواكب كلها بدراري
ما للشموس والبدور مقيمة.... ببروجها وكواكب الأسحار
والعزم ماض والأنوف حمية.... والظالمون على شفير هارِ
ولكم من الله العظيم جلالة.... في قلب كل منافق ومماري
جاء الحديث بأن ياماً قد عدت.... أطوارها وتعرضت لشفارِ
وتجككت ببني السبيل ضلالة.... وزنادكم في كل خطب واري
إيهاً بني الهادي فأنتم في بني.... الزهراء كالاسماع والأبصارِ
هم كالنهار وأنتم أنواره.... والفضل للأيام بالأنوارِ
لولا أبوكم زار عني روحه.... أزكى صلاة الواحد القهارِ
أحيى معالم دين أحمد جاهداً.... وكساه برديه لأصبح عاري
قد قلت للساعي أصيلاً قدك لا.... تهلك فهم سبقوك وجه نهارِ
مرعى وبعض النبت يفضل بعضه.... أفعندك السعدان كالجرجارِ
ما جل من خطب أتوه جهرة.... جذلين غير مقلمي الأظفارِ
متقلدين صفائحاً هندية.... يقطعن متصلاً من الأعمارِ
شمَّ الأنوف يزيد في إقدامهم.... كلب العدا وتغلب الأشرارِ(2/169)
إن تلقهم في السلم تلق زواخراً.... أو في الوغى تلق القضاء الجاري
كالماء ليناً للضعيف ورقة.... ولضدهم أقسى من الأحجارِ
شغفوا بكسب المكرمات وبالعلى.... شغف الفرزدق قادماً بنوارِ
إن تلقهم لا تلقى إلا كاتباً.... أو خاطباً أو قانتاً أو قاري
أو مرشداً في العلم أو مسترشداً.... أو قائداً للجحفل الجرارِ
أو كاشفاً خطباً عظيماً باهضاً.... ثقلاً لحيي يعربٍ ونزارِ
أنتم بناة الحق فاحموا سرحه.... من كل أطلس خاترٍ مغوارِ
ومما يدل على تعظيم الإمام المنصور [بالله] -عليه السلام- للأميرين المذكورين [من] إنصافه لهما في جواب عليهما؛ لأنه كان له أمير متولياً على صعدة وهو الأمير سليمان بن موسى الحمزي، فاتفق في أيام ولايته أن أخرب قهرة مزيد، وهو رجل من بني مالك، له تعلق بالأميرين المذكورين، فبلغهما ما اتفق فكتبا إلى المنصور يذكران له ذلك، ويستنكران إثقاله للمغارم على الرعية، وعمله بخلاف السنة النبوية، وأنه فعل أفعالاً لم تفعل في دولة سيف الإسلام، وأنه [قد] أقدم على نقض الذمة في أمر مزيد، ويربوع وخراب القهرة.(2/170)