في قلوب كثير من الناس من كلامه ماوقع؛ فقلت أنا: صدق رسول الله - صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم -، هو كما قلت يارسول الله.
فقال: ((أنت الصديق، ويعسوب المؤمنين وإمامهم، وأول المؤمنين إيماناً؛ وأنت الهادي والوزير)).
فلما أصبح ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ أقبل الرهط من حضرموت، حتى دنوا منه وسلموا عليه، وقالوا: يامحمد، اعرض علينا الإسلام.
فعرضه عليهم، فأسلم ستة، ولم يسلم ثلاثة، وانصرفوا.
فقال (ع) للثلاثة: ((أما أنت يافلان، فتموت بصاعقة من السماء؛ وأما أنت يافلان، فتخرج في طلب إبلك، فيلقاك ناس من كذا فيقتلونك)).
فوقع في قلوب ناس من ذلك ماوقع، فقلت أنا: صدقت يارسول الله.
فقال: ((صدّق الله قولك ياعلي)).
فما كان حتى أقبل الستة الذين أسلموا، فقال النبي ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ: ((مافعل أصحابكم الثلاثة؟)) قالوا: والذي بعثك بالحق نبياً، ما جاوزوا ما قُلْتُ.
وأتاه الملأ من قريش: أبو جهل بن هشام، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وشيبة، وعتبة، وصناديد قريش، فقالوا: يامحمد، قد ادعيت أمراً عظيماً، لم يدّعه آباؤك، ونحن نسألك أن تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها، وتقف قدّامك.
فقال ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ: ((إن ربي على كل شيء قدير؛ وإني أريكم ماتطلبون، وإني أعلم أنكم لاتجيبونني؛ وإن منكم من يذبح على القليب، ومن يحزّب الأحزاب؛ ولكن ربي رحيم)).
ثم قال للشجرة: ((انقلعي بعروقك، بإذن الله)).
فانقلعت وجاءت، ولها دوي شديد، حتى وقفت بين يدي رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ.
فقالوا استكباراً وعتواً: ساحر كذاب، هل صدقك إلا مثل هذا ـ يعنونني ـ.
فقال ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ: ((حسبي به ولياً وصاحباً ووزيراً، قد أنبأتكم أنكم لاتؤمنون؛ والذي نفس محمد بيده، لقد علمتم أني لست بساحر ولا كذاب)).
فكان أشدهم عليه أبو جهل بن هشام، وهشام بن المغيرة، وابن حرب؛ ولم يكن أشد عليه من هاتين القبيلتين: بني مخزوم، وبني أمية؛ فلعنهم رسول الله صلى الله عليه وآله /465(1/465)
وسلم فنزل بهم الذبح، فذُبح مَنْ ذُبح، وبقي من بقي ملعوناً، ونزل على رسول الله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)}[الحجر]، ثم نزل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء].
فقال لي ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ: ((ياعلي، انطلق إلى بني عبد المطلب، وعبد شمس، ومخزوم، وتيم، وعدي، وكعب بن لؤي؛ فاجمعهم إلى نبي الرحمة، فإني أريد أن أكلّمهم، وأبلغهم رسالة ربي، وأقيم فيهم وزيري وناصري، لايتقدمه ولايتأخر عنه إلا ظالم)).
وأمر ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ بذبح شاة، فانطلقت وجمعتهم إليه، وهم ستون رجلاً لايزيدون ولاينقصون رجلاً، فطعموا، وشبعوا ـ بإذن الله ـ وفضل من الطعام أكثره.
ثم قال: ((ياأيها الملأ من قريش، أتيتكم بعزّ الأبد، وملك الدنيا والآخرة؛ فأيكم يؤازرني، ويبايعن على أمري؟)).
فلم يجيبوه.
فقلت ـ وأنا أحدث القوم سناً ـ: أنا يارسول الله.
قال: ((اللهم اشهد أني وازرته وخاللته، فهو وزيري وخليلي، وأميني ووصيي، والقائم بعدي)).
فقاموا يقولون لأبي طالب: قد ولّى عليك ابنك، واتخذه خليلاً دونك.
وأقبل أبو جهل، فقال: أتزعم أنك نبي، وأن ربك يخبرك بما نفعله؟ فهل تخبرني بشيء فعلته لم يطلع عليه بشر؟.
فقال ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ: ((أخبرك بما فعلت، ولم يكن معك أحد؛ الذهب الذي دفنته في بيتك في موضع كذا، ونكاحك سودة)).
فقال: مادفنت ذهباً ولانكحت سودة.
فقال (ع): ((فأدعو الله أن يذهب بمالك الذي دفنت)).
فضاق بأبي جهل، وقال: قد علمنا أن معك من الجن من يخبرك؛ أما أنا فلا أقرّ أبداً أنك نبي.
فقال: ((والله لأقتلنك، ولأقتلن عتبة، والوليد، ولأقتلنّ أشرافكم، ولأوطئن بلادكم الخيل، ولآخذنّ مكة عنوة)).
قلت: قال الشارح العلامة، بعد أن ساق بحثاً بالغاً في الشواهد من /466(1/466)
أعلام النبوة: وروي عن جعفر بن محمد الصادق (ع)، قال: كان علي (ع) يرى مع رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت؛ وقال له ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ: ((لولا أني خاتم الأنبياء، لكنتَ شريكاً في النبوة، فإلا تكن نبياً فإنك وصي نبي ووارثه؛ بل أنت سيد الأوصياء، وإمام الأتقياء)).
وأما خبر الوزارة، فقد ذكره الطبري في تاريخه، عن عبدالله بن عباس، عن علي بن أبي طالب (ع)، قال: لما أنزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء]، على رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ دعاني، فقال: ((ياعلي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين)).
ثم ساق رواية الإنذار.
ثم قال لهم: ((هذا أخي ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)).
قال: ويدل على أنه وزير رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ من نص الكتاب والسنة، قول اللَّه تعالى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي(29)هَارُونَ أَخِي(30)اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي(31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)}[طه].
وقال النبي ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لانبي بعدي)) فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى؛ فإذن هو وزير رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، وشادّ أزره. انتهى.
[رجع] وقال ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، وأنا عنده يوماً: ((يامعشر قريش، يأتيكم غداً تسعة رهط، من وراء هذا الجبل، ـ يعني حراء ـ فيسلم سبعة، ويرجع اثنان كافران، يأكل أحدَهما السبعُ، والآخر يعضّه بعيره، فيورثه حمرة، ثم آكِلَة، ثم موتاً)).
وأخذت قريش تهزأ؛ فلما أصبح، أتى النفر إلى النبي ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، فأسلم سبعة، ونزل بالكافرين ماقال، فَصَعِدتُ الجبل وناديتُ: أشهد أن لاإله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ.
فأرادوا قتلي، فأيدني الله بملك كريم دفعهم عني.
ثم إن خليلي ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ قال /467(1/467)
لي: ((ستقاتل قريشاً؛ إنها لا تحبك أبداً، وإن لك أنصاراً نجباء خيرة، ذُبْلَ الشفاه، صفر الوجوه، خمص البطون، لاتأخذهم في الله لومة لائم؛ رعاة الليل، متمسكون بحبل الله، لايستكبرون ولايضلون)).
ثم الذئب، الذي كلّم أبا الأشعث، طرده من غنمه مرة بعد مرة؛ فلما كانت الرابعة قال: مارأيتُ ذئباً أصفق منك.
قال الذئب: أنت أصفقمني؛ تتولى عن رسول رب العالمين.
قال الراعي: ويلك ماتقول؟.
قال الذئب: الويل لمن يصلى جهنم غداً، ولايدخل في دين محمد ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ.
قال الراعي: حسبي من يحفظ غنمي لأنطلق، وأؤمن به.
فقال الذئب: أنا أحفظها عليك.
فجاء الراعي يعدو، قال: السلام عليك يارسول الله.
وأخبره بكلام الذئب، فأخذ أبو الأشعث سخلة وذبحها للذئب، وقال: أعتقني من النار.
وأتى رجل يستبحث رسول الله، وكان عاقلاً لبيباً، فقال: يامحمد إلى من تدعو؟
قال: ((إلى شهادة أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له)).
قال: وأين الله يامحمد؟.
قال: ((هو بكل مكان موجود، وليس في شيء منها بمحدود)).
قال: فكيف هو؟.
قال: ((هو خلق الكيف والأين، فلا يقال: كيف، ولا أين)).
فقال: كيف لي أن أعلم أنه أرسلك؟.
فلم يبقَ بحضرتنا يومئذ حجر ولامدر ولاشجر، إلا قال: أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمداً رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ.
فأسلم الرجل، وقال رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ: ((قد سميتك عبدالله)).
قال علي (ع): وخلفني رسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ في تبوك، فتكلم أناس بما في صدورهم، وقالوا: خلّفه إذْ أبغضه.
فلحقتُ برسول الله ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، فأخبرته، فقال لي في ملأ منهم: ((ياعلي، إن الله أمرني أن أواخيك، وأن أقربك، ولاأجفوك، وأدنيك، ولا أقصيك، أنت أخي في الدنيا والآخرة؛ وأمرني ربي أن أقيمك ولياً من بعدي، وسألته أن /468(1/468)
يشركك معي في الشفاعة)).
ثم سار ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ بمن معه، فشكوا العطش، فقال: ((اطلبوا الماء)).
فلم يصيبوا شيئاً، حتى خافوا على أنفسهم، وقالوا: يارسول الله ادعُ لنا ربك.
فنزل جبريل (ع)، فقال: يامحمد، ابحث بيدك الصعيد، وضع قدميك وأصبعيك المسبحتين، وسمّ.
ففعل ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، فانبجستمن بين أصابعه الماء، فشربوا ورووا، وسقوا دوابهم وحملوا منه، فأعطي ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ فوق ما أعطي موسى بن عمران، فازداد المؤمنون إيماناً.
وموضع الماء اليوم معروف، وقد اغتسلت منه يومئذ.
انتهى الكلام الكريم العلوي.
[شروح النهج، ترجمة ابن أبي الحديد]
وقد شرح نهج البلاغة الإمام المؤيد برب العزة، يحيى بن حمزة (ع)، وغيره.
وأشهر شروحه، وأبسطها وأجلّها، وأكملها وأبهجها، شرح البحر المتدفق، والحبر المحقق المدقق، العالم النحرير، والحافظ الكبير، عز الدين، أبي حامد، عبدالحميد بن هبة الله بن محمد المدائني، الشهير بابن أبي الحديد المعتزلي، المتوفى سنة خمس وخمسين وستمائة، من علماء العدل والتوحيد، القائمين بحق الله ورسوله ووصيه وأهل بيت نبيه ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ.
ويلوح للمنتقد من لمحات كلامه لزوم ماعليه أئمة العترة المطهرة ـ (ع) ـ ويفوح للمختبر من نفحات مرامه الحوم حول طرائقهم النيّرة.
ولعله منعه عن المصارحة في الأغلب إظهار النصفة للخصوم، لعل لها عذراً وأنت تلوم، وقد كان تحت وطأة الدولة العباسية، فعذره في ذلك معلوم؛ إلا أنه يصمم في بعض المقامات، على بعض الأقوال، تصميماً لايتضح الحامل عليه، ولايظهر الملجئ إليه.
وعلى كل حال فشرحه ذلك بغية المرتاد، /469(1/469)