، زاهداً ، عأبداً ، متعففاً عن الدنيا ، له ضيعة ببلاد مدحج يكتفي بها ، تارك للتعلقات ومخالطة أولي الرياسات ، سمعت حي السيد الأمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن مطهر -عليهم السلام - قال : أولاد الأمام يحى بن حمزه سادات السادات بهم الى الله تستنزل البركات وهم كما ذكر وأبلغ .
... فلما توفى الأمام المؤيد بالله يحى بن حمزة ــ عليه السلام ــ أظلمت الأقطار ، وارتاعت الأمصار ، واجتمع العلماء القادة والفضلاء السادة: علماًء صعدة ، وعلماًء ظفار ، وعلماًء حوث ، وعلماًء مدحج الى مدينة ثلا ، وأهل ثلا أهل المقة الشافية والمودة الكافية في أهل البيت وشيعتهم ، فاجتمع من العلماء الى قدر ثلاث مائة أو يزيدون ، وقعدوا يطلبون الأمام المهدي ــ عليه السلام ــ بالقيام شهرين كاملين وما ساعدهم حتى ألحوا عليه إلحاحا عظيماً ، وشهدوا له بأن القيام هو الواجب عليه ، حكى لي القاضي الأمام سيد علماًء الإسلام عبد الله بن الحسن الدواري ، قال : لقد عالجنا الأمام المهدي معالجة أعجزتنا فلما عزمنا عليه ما كان جوابه لنا الا بالبكاء وقوله: من رضيتموه بايعته وشايعته ، وما أصلح لذلك ، وكان يشار في ذلك الموقف الى من قد جمع خصال الكمال السيد الأمام محمد بن أبي القاسم ، والسيد الأمام الهادي بن يحى بن الحسين ، والسيد الأمام دأود بن يحى بن الحسين ، والسيد الأمام محمد بن على بن وهاس ، فعرفوا كماله فأوجبوا عليه ، وقام بالأمر لله قاصدا ولأعدائه محاربا ، يشن الغارت على الباطنية ، أخرب ضِلَع وأخرب قراهم التي قريب من ثلا ، وحط علي صنعاء سبعة أشهر ، وارتفع منها على صلح ، وخراج ، وشمَّر الى صعدة وحارب بني حمزة وفتح صعدة ، وقامت الفتنة بينه وبين بني حمزة زهاء عشرين سنة ، وبلغت الشدة معهم غاياتها ، قيل له ــ عليه السلام ــ : لو فررنا لأن المدينة قد دخلت ، فقال : لو دخلوا على سجادتي لدافعتهم عنها ، فأهلكتهم الحروب ببركاته ،(1/106)
واخذ حصونهم وطردهم الله ببركاته ، لأنهم كانوا يجاهرون الله بالمعاصي الظاهرة مالا يمكن ذكره ، نعوذ بالله من معاصي الله ، وسار ــ عليه السلام ــ استفتح ظفار ، وعفّار ، وجأهلي حجة ، وأقبل ــ عليه السلام ــ الى ناحية ذمار فلقيه ولده الأمام الناصر ــ عليه السلام ــ بعساكر مدحج الى حدة بني شهاب ، واستفتح الشهأبية والسخانية والجهرانية ، وكان غزّ ذمار قد طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد ، فوصلوا إليه الى معبر فلزم منهم نيفا وعشرين فارساً ، وسار ولده الناصر ــ عليه السلام ــ استفتح ذمار وهران ، ووقف الأمام المهدي بذمار ست سنين يبسط العدل ، ويقرع الظلمة ، ويؤمن الطريق ، بعد أن كانت القوافل تقف الشهر والشهرين ما بين صنعاء وذمار ،- وهو مسير ليلة ويوم - ، فأمن الله به السبل ، وقمع به الظلمة ، ونصره بولده الأمام الناصر - عليه السلام - ، واستفتح رداع ، وضمير نزار ، وبلاد باطنية مدحج ، وبلاد المغارب الى حد عتمة وابراز وانتشر فضله وعم نائله ، وله كرأمات مشهورة ، وأوراد مسطورة ، منها: أنه كان يقري في مسجده موسى بقطيع صنعاء وحلقة قرأته نيف وعشرون قارئا ، فجاءه القاضي الشامي من هجرة المعذر ويده عضباء قد يبست ، فقال: يامولانا هذه يميني كما ترى ، فأمسكها الأمام ونفث فيها ، وتلى عليها ، فامتدت أصابعه وكوعه حتى بدت لحمة بيضاءفي راحته قد غلبت على الأصابع ، فكبر من حضر واستعظم مإليه نظر . ومنها ماروى لي إبراهيم الكينعي ــ رحمه الله تعالى ــ قال: مسح على مقعد أعرفه يسير على عود في يده فشفي من حينه وساعته ، وفضائله مسطورة في سيرته , وكان أوراده المباركة منها: إحياء الليل ، وصيام أكثر الدهر ، وحسن الخلق التى وسعت ، وتحننه على المسلمين ، وكان إذا عرف أن نفقته طحنت على مطحن الصدقةلم يأكل منه شيئاً ، قال لي ــ عليه السلام ــ : تقف معنا في ذمار هذا الشهر الكريم رمضان ، ولا تفطر الا معي ،(1/107)
فقلت: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ، فكنت أصلي معه المغرب ، فيحي ما بين العشائين بالصَّلاة والبكاء والخضوع والخشوع ما يزعج السامع ، فإذا كان بعد تمام صلاة العشاء وتمام أوراده المباركة استقبل اخوانه بوجه لم أر مثله كانه القمر ليلة البدر نوره قد على ، ولحيته تملأ صدره كأنها قطنة مجلوحة فيحضر الطعام فيمد يده للدعاء وهو يرتعش كالسنبلة ، فتارة يدعو وتارةيصيبه ثمَّول فيسكت ساعة ، وتارة تقع دموعه على الأرض ، وتارة يرتعش حتى يكاد يستقيم ، فإذا قرب الطعام أدارني في اخوانه العلماء الفضلاء وأقعدني على طرف سجادته ومد بيدي الى سكرجة فيها عشاه ، أكثر الأحيان آتي على أخيره ، ويقول: يأولدي هذا من نفقتي هي أطيب لك ، ربما في طعام أصحابنا شيء من الصدقة ، بنفسي هو من شفيق ورفيق ما أشبه أخلاقه بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تبارك وتعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } ، جاء إليه رؤسأء بعدان ـ وأنا حاضر ـ فاستعلمهم ، فقالوا : لما ظهر ولد مولانا الى ناحية السحول أمر الملك الأفضل من يسخر الجعلا فحملوا الحجارة للأوضاف من سائلة فلان الى داير ثعبان ، فالتفت الينا بوجه مشرق منير ، فقال: هل هذا عند الله قليل ؟ هل هذا عند الله قليل ؟ سلطان اليمن مريب منا والحمدلله ، ثمَّ تلا هذه الآية: { ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً الا كتب لهم به عمل صالح } ، جاء إليه رجل من المسرفين ، فقال له : يامولانا ضع يدك على صدري ، وأطعمني شيئاً من عيشك ، يكون فيه شيء من ريقك لعل الله يتوب علي ، فوضع يده الكريمة على صدره وأطعمه بلسة نفث فيها ، وأنا أعرف ذلك الرجل وإسرافه وأعرفه بعد ذلك تاب وأناب وزهد وعف عن الدنيا حتى هو اليوم يعد من الفضلاء والزهاد ، ومن حملة الأتاد ، أعاد الله من بركاتهم ، ولو حكيت مارأيت فيه لجاءكتاب .(1/108)
... جاء إليه السيد الأمام الناصر أحمد بن محمد بن الناصر بن أحمد بن الحسين ــ عليهم السلام ــ وكان عنده بالمنزلة العظماء فقال : يامولانا إن بنت الأمام يحى بن حمزه أم يحي بن المهدي قابلتني أقابلك تقابله بلبس الثياب لأني لم اجد تلك المدة شيئاً من الثياب ، فلبست شملة ، فقال له : سبحان الله العظيم ، مثلك ومثلها من يتكلم بذلك من زهد في هذه الحرمة التى افتضح الناس بأكلها يقوم في وجهه الاقي أهله ، وإنالله وإنا إليه راجعون ، صدق الأمام والمؤيد بالله حيث يقول في كتابه سياية المريدين : من دخل في طريقنا هذه نسبه أهل الزمان الى أستيلاء السوداء عليه وتغير المزاج ، حكى ليَّ بكلامه هذا السيد رحمه الله تعالى ، فلما كان بالغد دخلت عليه مع السيد أحمد ــ رحمه الله تعالى ــ فاستفتح الأمام كلامه بحمد الله والصَّلاة على رسوله ، وتبسم طويلا ، وقال : يأولدي إن السيد شمس الدين ذكر أن والدتك الشريفة المطهرة قابلته تقابلنا نقابلك أن تسر قلبها ، وتلبس الثياب ، وتترك هذه الشملة ، وقد ساعدناها وكلمناك ، وإن كان هذه الشملة عندي حزمة (1) مزمة في كل شيء ، وكشف الشملة عن عنقي وقبله ، بنفسي من شفيق فإني لأجد برد شفاته الى وقتي هذا ، وفاضت عيناه بالدموع ، وقال: هذه منا قلة خير ياشمس الدين إن لم ننفعه ونعينه فلا نضره ، فكأنه وقع في قلبه أن السيد ــ رحمه الله تعالى ــ وقع في نفسه شيء من كلام الأمام ، فقال الأمام ــ عليه السلام ــ : إن كلنا ما فينا خير وأين خيرنا من كزين العابدين ، وكعبد الله بن الحسن أشر احوالهم كانت عندهم هي أحسن أحوالنا اليوم ، قال: من قال: كيف يامولانا ؟ قال: اشر أحوالهم عندهم اليوم ، وهي أحسن أحوالنا ، وهي تنسم الحفظة الكرام من كتب السيئات ، ثمَّ بكا وانتفض وتململ جبينه ــ عليه السلام ــ .
... ومن فضله ــ عليه السلام ــ
__________
(1) ـ أي شيء حسن .(1/109)
وفضائله: أن تولى أمور نهيه وأمره وحله وعقده وغزواته وحضور مقأماته العلماء الأفاضل ، والسادات الأماثل ، والعباد المجتهدون ، والزهادالمشمرون ، والقضاة المبرزون ، كعبد الله بن الحسن الدواري حاكمه بصعدة ، ووزيره ووصيه من بعده ، والهادي بن يحى بن الحسين ، وزيره ووزره ووصيه من بعده والمعين له بجميع الأموال من الأهنوم والمغارب ، وبلاد خولان ، وكذا السيد الأمام دأود بن يحى بن الحسين ، وزره ووزيره ووصيه ، والسيد الأمام الحسين بن يحى بن حمزه ، كان أميرا له بصعدة ومتولي حرب بني حمزة ، والسيد الأمام قدوة أهل الإسلام محمد بن أبي القاسم وزيره ووزره ،كان معه في حرب ظفار فتوجع السيد وأذن له الأمام بالنقلة الى حوث ، فقال : أحبَّ أن القى الله وأنا في الجهاد ، فتوفي في الطريق ودفن في ظفار ، وقبره مشهور مزور ، ثمَّ ولده من بعده السيد عماد الدين يحى بن محمد بن أبي القاسم ، والفقيه الأمام الحسن بن محمد النحوي ، كان وزيره ووزره بثلا وحاكمه في صنعاء اليمن ، ثمَّ السيد الأمام شمس الملة والدين أحمد بن الناصر ، كان وزيره ووزره والمتولى على أمره في بلاد سنحان وبكيل والمغارب والمشارق ، وكان في السيد من التحرز والورع في أيام دولته مايدل على فضله وزهده وعلمه وحلمه ، ثمَّ الفقيه الأمام شمس الدين أحمد بن ساعد ، كان ايضا وزيره ووزره وحاكمه بمدينة ذمار ، وفيه من العلم والفضل والورع والزهد ماشهرته تغني عن ذكره ، ثمَّ القاضي العلامه شمس الدين أحمد بن محمد الشامي ، كان وزيره ووزره ، وكان يضدر ويورد عن الأمام ، وتوليته في بلاد مدحج وصباح وبني وهيب وبلاد رعين ، وتولى جهاد الباطنية بكحلان ونواحيه ، ثمَّ الفقيه الأمام أحمد بن عيسى الشحري ، كان حاكما متوليا وجامعا للأموال والواجبات ، ثمَّ الفقيه العالم المجاهد اسماعيل بن محمد كان واليا للمغرب كبه وعتمه وابراز وبلاد سماه و قفر حاشد ، وكان يأتي بالدراهم(1/110)