4ـ عدم التعرض لذكر عيوبه في حضرته وغيبته ، وقد جاء في الأثر : ( إن الله يكره لكم البيان كل البيان ) ، يعني التصريح بالمساوئ كلها(1) .
5ـ عدم ممارته ، أو التجسس عن أخباره .
6ـ السكوت عن أسراره ، وإذا رأيته في حاجة لا تفاتحه بذكر غرضه
7ـ العفو عن الزلات والهفوات إذا لم تكن في الدين .
8ـ الدعاء له في حياته ، وبعد وفاته ، وقد ورد في حديث ( يستجاب للرجل في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه ) (2)
وحقوق الصحبة في السفر كثيرة من أهمها ماذكره لقمان لإبنه :
( إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم ، وأكثر التبسم في وجوههم ، وكن كريماً على زادك بينهم ، وإذا دعوك فأجبهم ، وإذا استعانوا بك فأعنهم ، واستعمل طول الصمت ، وكثرة الصلاة ، وسخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد ، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم ، وأجهد رأيك إذا استشاروك ، ثم لا تعزم حتى تتثبت وتنتظر ، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم ، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم ، وإذا تصدقوا وأعطوا قرضاً ، فأعط معهم ، واسمع لمن هو أكبر منك سناً )(3) .
الإحسان إلى ابن السبيل
{ وَابْنِ السَّبِيلِ }
اهتم الإسلام بابن السبيل إهتماماً خاصاً إذ ورد ذكره في القرآن الكريم في معرض العطف عليه ، والإحسان إليه ، ثماني مرات :
1ـ قال تعالى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } [ الإسراء : 26] .
2ـ وقال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38]
__________
(1) ـ الأحياء : [2/226] .
(2) ـ الأحياء : [2/237] .
(3) ـ مكارم الأخلاق : 226 .(1/106)
3ـ وقال تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } [ البقرة : 215] .
4ـ وقال تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النساء : 36] .
5ـ وقال تعالى : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ } [ التوبة : 60] .
6ـ وقال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } [ الأنفال : 41] .
7ـ وقال تعالى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } [ الحشر : 7] .
8ـ وقال تعالى : { وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاًةَ وَآتَى الزَّكَاةَ } [ البقرة : 177] .
ففي هذه الآيات الكريمات نلاحظ أن الله تعالى أولى ابن السبيل عناية خاصة ، وذكر له نصيباً في كل وجه من أوجه التعاون والإنفاق والصدقات .(1/107)
فيا ترى من هو ابن السبيل هذا الذي اهتم الله به ، ورغب في إعانته ؟ وما سر الإهتمام به ؟
ابن السبيل هو المنقطع الذي لا يملك من المال ما يوصله إلى بلده ، أو هو كناية عن المسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد ، والسبيل الطريق ، وأما سر الإهتمام به هو أن الدين الإسلامي قد دعا إلى السياحة ، ورغب في السفر والسير في الأرض لأسباب كثيرة :
1ـ فهنالك سفر دعا إليه لإبتغاء الرزق ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [ الملك : 15] ، وقال تعالى : { يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [ المزمل : 20] .
وروى الإمام زيد بن علي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، ومنهم : ( … رجل ضارب في الأرض يطلب من فضل الله مايكفي به نفسه ، ويعود به عياله )(1) ، فالمشي والسياحة في ابتغاء الرزق من الأشياء الحسنة التي رغب فيها ، ولكن الحكومات العربية والإسلامية لم تسهل مهمة السائح المسلم ، بل وضعت أمامه العراقيل والحواجز .
الله أمر بالضرب في الأرض ، والمشي في البحث عن العمل لطلب الرزق ، ومن المعروف أن البعض يجد عملاً يدر عليه بالمال ، والبعض الآخر قد لا يجد ، فهنا جعل الله له حقاً في الصدقات والمساعدات لإعانته على مواصلة سفره إلى بلده ، أو إلى بلد آخر يجد فيه ما يأمله .
2ـ وهنالك سفر دعا إليه الإسلام لطلب العلم ، والنظر ، والإعتبار بآيات الله في الكون ، وسننه في الخلق ، وقال تعالى : { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } [ العنكبوت : 20] ، وكأن في ذلك إشارة إلى البحوث الجيولوجيه وتاريخ الحياة .
__________
(1) ـ الأمالي : 311 .(1/108)
وقال تعالى : { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ } [ التوبة : 122] ، وقال تعالى : { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } [ آل عمران : 137] ، وقال تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } : [ الحج : 46] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله طريقاً إلى الجنة ) (1) .
3ـ وهنالك دعا إليه الإسلام للجهاد في سبيل الله ، قال تعالى : { انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ التوبة : 41 ] ، ثم قال متحدثاً عن المنافقين : { لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [ التوبة : 42] .
4ـ وهنالك سفر دعا إليه الإسلام لأداء عبادته العالمية المتميزة [ الحج ] إلى بيت الله الحرام ، وهو الركن الخامس من أركان الإنسان ، قال تعالى : { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } [ الحج : 27ـ28] .
__________
(1) ـ المجموع : 384 .(1/109)
هذه الأنواع من السفر والضرب في الأرض دعا إليها الإسلام ، أوحث عليها تحقيقاً لأهدافه في الأرض ، وتثبيتاً لتعاليمه بين الناس ، ودين هذا شأنه لا بد أن يعطي عناية خاصة للمسافرين والسائحين ، وخاصة من انقطع به الطريق منهم ، وانقطع عن ذويه وماله ومسقط رأسه ، وأن يأمر بمعونتهم بصفة عامة ، وإعطائهم من مال الزكاة ، وهو مال الجماعة بصفة خاصة ، وفي ذلك تشجيع للسياحة والسفر في سبيل الأغراض المشروعة ، وإكرام لهؤلاء في غربتهم وانقطاعهم ، وإثبات لحقيقة المجتمع المسلم المتماسك ، الذي يشد بعضه بعضاً ، ويأخذ بعضه بيد بعض دون إعتبار لإختلاف الديار ، أو بعد المزار .
تميز التكافل الإجتماعي في الإسلام :
إن عناية الإسلام بالمسافرين الغرباء والمنقطعين لهي عناية فذة لم يعرف لها نظير في نظام من الأنظمة ، أوشريعة من الشرائع ، وهي لون من ألوان التكافل الإجتماعي فريد في بابه ، فلم يكتف النظام الإسلامي بسد الحاجات الدائمة للمواطنين في دولته ، بل زاد على ذلك برعاية الحاجات الطارئة التي تعرض للناس لأسباب وظروف شتى كالسياحة والضرب في الأرض ، وخاصة في عصور لم تكن في طرق المسافرين بها فنادق أو مطاعم أو محطات معدة للإستراحة كما في عصرنا ) (1) .
شروط إعطاء ابن السبيل :
وعند إعطاء ابن السبيل لا بد من مراعاة الشرطين الآتيين ، خاصة إذا كان الإعطاء من مال الزكاة :
1ـ أن يكون محتاجاً في ذلك الموضع الذي انقطع فيه .
2ـ أن يكون سفره في غير معصية .
هل يوجد ابن سبيل في عصرنا ؟
ذهب بعض العلماء المتأخرين إلى أن صنف ابن السبيل لم يعد له وجود في عصرنا ، نظراً لسهولة المواصلات وسرعتها ، وتوسعها خاصة مع وجود الحوالات البنكية ، وذهب البعض إلى وجوده وهو الصحيح ومن الأمثلة على ذلك : ـ
__________
(1) ـ هذا بعض مما ذكره د/ يوسف القرضاوي في موضوع ابن السبيل في كتابه القيم فقه الزكاة : [25/672ـ674] بتصرف .(1/110)