ولا يترك الصدف تختار له أصدقائه أو يغتر بالمظهر فيفقد الجوهر ، قال الإمام الحسن عليه السلام : ( لا تؤاخي أحداً حتى تعرف موارده ومصادره ، فإذا استطبت بالخير ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة ، والمؤاساة في العسرة ) .
ويقول الإمام علي عليه السلام لإبنه الحسن : ( بني الرفيق ثم الطريق ) ( ويقول عليه السلام : " لا يعرف الناس إلا بالإختبار " (1) ، ويقول أيضاً : " لا تثق بالصديق قبل الخبرة " ، والصديق لابد أن تتوفر فيه عوامل الصداقة الكريمة ، وهي : العقل ، فلا خير في مصاحبة الأحمق قد يضرك ، وهو يريد أن ينفعك ، ولا بد أن تكون أخلاقه حسنة ، فلا خير في عاقل بلا أخلاق حسنة .
والدين شرط أساسي في الصداقة والصحبة ، فلا خير في صحبة فاسق مصر على فسق ، ولا بد أن يكون كريماً ، فلا خير في مصاحبة البخيل .
إمتحان الصديق قبل مصادقته :
فإذا أردت معرفة الصديق الجيد ، فلا بد أن تختبره ، يقول الإمام علي : " لا يعرف الناس إلا بالإختبار " ، ويقول عليه السلام : " لا تثق بالصديق قبل الخبرة " ، ويمكن إختباره عن طريق الوسائل التالية : ـ
1ـ الإمتحان الروحي :
يسأل رجل الصادق : إن الرجل يقول لي أودك ، فكيف أعلم أنه يودني ! ، فقال له : " إمتحن قلبك ، فإن كنت توده فإنه يودك " .
2ـ الإمتحان عند الحاجة :
جاء في الحديث الشريف : ( ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة ، ولا يعرف الحلم إلا عند الغضب ، ولا الشجاع إلا عند الحرب ، ولا الشاح إلا عند الحاجة ) .
3ـ الإمتحان عند الغضب :
جاء في الحديث الشريف : " من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرات ، ولم يقل فيك مكروهاً ، فأعده لنفسك " .
4ـ الإمتحان عند السفر :
__________
(1) ـ كيف تصبح سعيداً : 65 .(1/101)
يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تسمي الرجل صديقاً حتى تختبره بثلاث خصال ، حين تغضبه ، فتنتظر أيخرجه غضبه من الحق إلى الباطل ، وحين تسافر معه ، وحين تختبره بالدينار والدرهم " ) (1) .
لهذا كله يجب البحث الدقيق عن الصديق لا كشخص فقط ، بل لا بد أن تبحث عن صفاته ، فإن كان رجلاً صادقاً يعينك على أداء الواجب وحفظ الحقوق ويحجزك عن السوء وإقتراف الحرام ، فهو قرين خير يجب عليك الإستمساك به والحرص على مودته وهذا شأنه شأن حامل المسك .
وليحذر الإنسان ممن يزين له طريق الغواية ، أو يسترسل معه في أسباب اللغو واللهو فشأنه شأن نافخ الكير إما أن يحرقك ، أو تجد منه رائحة منتنة .
فالصديق العظيم قد يقود صاحبه إلى النجاح في الدنيا والفلاح في الأخرى ، أما الصديق السيء فهو شؤم على صاحبه يقود إلى خسارة في الدنيا والآخرة .
ومن هنا يجب على الإنسان إختيار أصدقائه وأصحابه ويجعل أساس الإختيار ( الإيمان ) .
معيار إختيار الأصدقاء :
__________
(1) ـ انظر كتاب كيف تصبح سعيداً : 64ـ67 .(1/102)
ومعيار إختيار الأصدقاء هو الإيمان ، وأساس حبهم هو الله ، فمن تمسك بالأس والأساس نال الخير والثواب ، واستطاع إنتقاء خير الأصدقاء من الناس ، روى الإمام زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( وعزتي وعظمتي وكبريائي وجودي لأدخلن داري ، ولأرافقن بين أوليائي ، ولأزوجن حور عيني ، المتحابين فيَّ ، المتواخين في ، المتحببين إلى خلقي ) (1) ، وروي عن أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن حول العرش منابر من نور عليها قوم لباسهم نور ، ووجوههم نور ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء ، فقالوا : يارسول الله صفهم لنا ، فقال : هم المتحابون في الله ، المتجالسون في الله ، المتزاورون في الله ) (2) ، فالحب في الله لا يزعمه كل أحد ، ولا يصدق من كل دعي ، فلا بد أن يعرف الإنسان ربه أولاً معرفة صحيحة ثم يغالي بهذه المعرفة حتى ترجح في نفسه ماعداها ، ثم ترقى هذه المعرفة إلى حب الله ذاته وإيثار العمل له ، وعندئذ يصدق على المرء إذا أحب أو كره ، أنه أحب لله وكره لله .
__________
(1) ـ الأحكام : [2/530] .
(2) ـ أخرجه النسائي في سننه الكبرى تخريج الأحياء : [ 2/202] ، وابن أبي الدنيا : 93رقم 7 .(1/103)
أما أن يعجب المرء بموهبة عظيم أو أن يستطلف سيرة آخر فيحبه أو تكون له مصلحة فذلك لون آخر من الصداقة غير مانحن بإزائه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه ، أن يكون الله ورسوله أحب الله مما سواهما ، وأن يحب في الله ويبغض في الله ، وأن توقد نارعظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً ) (1) ، وأول شرائط الصحبة الكريمة أن تبرأ من الأغراض وتخلص لوجه الله تعالى ، وأن تنتزع من طريق الإيمان والإحسان ، وهذا هو معنى الحب في الله تعالى ، وفضيلة التآخي بين أفراد المجتمع .
حرص الإسلام على تقوية أواصر الصداقة :
إذا نشأت الصداقة لله فلن تدوم إلا بطاعته ، ولن تزكو إلا بالبعد عن معصيته ، فإذا تسربت المعصية إلى سيرة الصديقين أو أحدهما تغيرت القلوب وضاع الحب .
من أجل ذلك كان أهل البيت عليهم السلام ، وكذلك صحابة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ورضوان الله عليهم يجعلون من التواصي بالحق والتعاون على الخير سياجاً يحفظ ما بينهم من ود ويقربهم من الله ورحمته ومزاحمة أوليائه ، وبقدر تركيز الإسلام على ذلك ركز أيضاً على تقوية أواصر الصداقة بالتعهد والمزوارة .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا أحب أحدكم أخاه فليخيره إنه يحبه ) (2) ، وعن أنس : كان رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فمر رجل ، فقال : يارسول الله إني أحب هذا : قال : أعلمته ؟ ، قال : لا ، قال : فأعلمه ، فلحقه ، فقال : إني أحبك في الله تعالى فقال : أحبك الذي أحببتني له (3) ، وذلك لأن الحب في قلبك مثل العطر في الزجاجة المغلقة لن تقوم برائحته إلا بعد فتحها وإذا أردت أن يعرف أخوك حبك له فأخبره فإنه آكد للمحبة .
__________
(1) ـ رواه البخاري برقم (6426) .
(2) ـ انظر تخريج الأحياء : [2/230] .
(3) ـ رواه أبو داود ، خلق المسلم : 19 .(1/104)
ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن إسمه وإسم أبيه وممن هو فإنه أوصل للمودة ) (1) .
وروي أيضاً : ( الأرواح جنود مجنَّدة ، ماتعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ) (2) ، وورى الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام في فضيلة التزاور حديثاً بسنده إلى سلمان الفارسي رحمة الله تعالى عليه أنه قال : ( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زائراً لأناسية من أهل اليمن كانوا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الإسلام فدخل عليهم ، فجعل يصافحهم واحداً واحداً ، فلما خرجنا قال : يا سلمان ألا أبشرك ، فقلت : بلى يارسول الله ، قال : مامن مسلم يخرج من بيته زائراً لإخوة له مسلمين إلا خاض في رحمة الله وشيعه سبعون ألف ملك حتى إذا التقوا وتصافحوا كانوا كاليدين التي تغسل إحداهما الأخرى وغفر لهم ماسلف ، وأعطوا ما سألوا ) (3) .
وعلق الإمام الهادي عليه السلام قائلاً : ( أولئك المهتدون من المؤمنين الا تسمع كيف يقول صلى الله عليه ذوآله وسلم : ( ما من مسلم )، والمسلم لا يكون مسلماً حتى يخرج من معاصي الله إلى طاعته ) (4) .
حقوق الصحبة :
ـ ومن أهم الحقوق التي تلزم الصاحب لصاحبه والصديق لصديقه :
1ـ الإعانة له بالنفس والمال ، والقيام بقضاء حاجته .
2ـ نصحه وإرشاده ، وإهداء إليه عيوبه بطريقة حكيمة .
3ـ ندائه بأحب أسمائه إليه ، قال عمر بن الخطاب : ( ثلاث يصفين لك ود أخيك ، أن تسلم عليه إذا لقيته ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحب أسمائه إليه )(5) .
__________
(1) ـ رواه الترمذي برقم : (2315) .
(2) ـ صحيح مسلم ، كتاب البر والصلة ، برقم (4773) .
(3) ـ الأحكام : [2/523 ـ 524] .
(4) ـ نفس المصدر السابق .
(5) ـ التصفية : 384 .(1/105)