روى الإمام أبو طالب بسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ) (1) ، وعن عائشة قال : قلت يارسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أُهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك باباً ) (2)
10ـ ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها :
وعلى مستوى الرائحة النفاذة التي يشم من خلالها الجار مرقه أوشيئاً لذيذاً فلا تؤذه بذلك إلا إذا كنت ستعطيه منها ، قال أبوذر رضي الله عنه : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :
( إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر بعض أهل بيت من جيرانك فأغرف لهم منها ) (3) ، وفي رواية : ( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانَك ) (4) ، وروى الإمام الهادي بلاغاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( البر وحسن الجوار زيادة في الرزق وعمارة للديار ) (5) .
وفي الأخير : يؤكد الرسول أنه لا يبلغ حق الجار إلا من رحم الله فيقول : ( والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من رحمه الله ) .
إختيار الجار قبل الدار :
ومن الأشياء الهامة في حياتك هو إختيار جارك قبل دارك ، ولا بد أن يكون إختياراً محسوباً تلافياً للنتائج غير المحمودة التي تترك أثرها على أبناءك من قبل أبناء جيرانك من جهة وأجواء البيئة الإجتماعية من جهة أخرى ، يقول الإمام علي عليه السلام : ( سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار ) (6) .
عدالة الإسلام في حقوق الجيران :
__________
(1) ـ شمس الأخبار : 241 ، عن الأمالي كما نسبه .
(2) ـ رياض الصالحين : 150 ، وعزاه إلى البخاري .
(3) ـ تصفية القلوب : 405 ، وأخرجه مسلم .
(4) ـ رياض الصالحين : 149 .
(5) ـ درر الأحاديث : 29 .
(6) ـ كيف تصبح سعيداً : 63 .(1/96)


ومن عدالة الإسلام أنه جعل الإحسان إلى الجيران متساوي(1) ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( أحسن مجاورة من جاورك يكن مسلماً أو مشركاً ) (2) .
ويعتبر هذا نموذجاً واحداً من كثير من النماذج التي تبين متانة التعاليم
الإسلامية وصدقها ، وهشاشة الأنظمة الغربية وزيفها ، التي تندد بحقوق الإنسان ولكنها أول من يهدرها ، وإذا راعت هذه الحقوق فتبعاً للمصالح والأهواء ، أما الإسلام فتعاليمه ثابتة وعادلة كما هو ملاحظ في كل الجوانب .
ومن المؤسف أن بعض الأفراد من المسلمين يريدون جر المسلمين إلى أنظمة الغرب المزدوجة وترك التعاليم الإلهية الصادقة .
فأيهما أحق بالإتباع ؟
ثبوت حق الجار القريب والبعيد :
والإحسان إلى الجار سواء أكان داره قريباً ، أم بعيداً مطلوب ففي آية الحقوق قال الله تعالى : { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ } (3) [ النساء : 36] ، سواء الذي قرب جواره أم بعد ، وسواء قريب النسب أم بعيده ، وقد ورد أن الجوار إلى أربعين داراً (4) .
__________
(1) ـ ومن تمام عدالته أنه لا يسقط حقاً عند تداخل الحقوق فقد سبق وإن أشرنا إلى حقوق الجيران بإعتبار الإسلام والقرابة فجعل الإسلام للجار القريب ثلاثة حقوق ليس بإعتبار المجاورة فحسب ، بل بإعتبار حق القرابة وحق الإسلام ، وجعل للجار غير القريب حقين : حق المجاورة وحق الإسلام ، وجعل للجار المشرك حق المجورة ، فتساوى الجار المسلم وغيره في حق المجاورة .
(2) ـ انظر التيسير للمناوي : [2/223ـ224] .
(3) ـ لهذه الآية تفسيرات متعددة كلها تؤكد حق الجوار .
(4) ـ انظر تفسير الأعقم : 108 .(1/97)


وقد أراد الإسلام منا أن نهتم بالجار كمظهر من مظاهر الإحساس بأن الجوار يحقق علاقة ألفه ومحبة تفرض على الإنسان حقاً في القيام برعاية الجار والإحسان إليه ، وتحمل أذيته سواء أكان هذا الجار قريباً أم بعيداً ، مسلماً أم كافراً ، وسواء أكان جار الدكان ، أم جارالمنزل .

حق الصاحب بالجنب
{ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ }
الصاحب بالجنب قيل : أنه من كان رفيقاً في السفر أو جليساً في الحضر أو شريكاً في الدرس أو في فرقة وما إلى ذلك .
وهذا هو الحظ الإسلامي الذي يعتبر للصحبة حقاً إنسانياً يوحي بالرعاية والإحسان فيما يحتاجه من شؤون الحياة ، وفيما يواجهه من مشاكلها ، وفيما يحتاج إلى ستره من عيوبه وخطاياه ، مما يمكن أن يطلع عليه صاحبه من خلال إستمرار الصحبة ، وفيما يتطلبه من إحترام مشاعره وأحاسيسه في الأمور التي تثيره وتغضبه ، وفي القضايا التي تفرحه وتريحه ، وغير ذلك من الأمور التي تمثلها كلمة الإحسان فيما توحيه من مشاعر وممارسات(1) .
يذكر أن الإمام علي عليه السلام صاحب رجلاً ذمياً في سفره فقال له الذمي : أين تريد يا عبدالله ؟ قال : أريد الكوفة ، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه علي عليه السلام فقال له الذمي : أليس تريد الكوفة فلم عدلت معي وقد علمت ذلك ؟ فقال له الإمام علي عليه السلام :
هذا من تمام حسن الصحبة أن يتبع الرجل صاحبه هنية إذا فارقه ، وكذلك أمرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : هكذا قال ؟
قال نعم ، فقال له الذمي : لا جرم أنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة ) (2)
وقفة حول الأصدقاء والأصحاب والجلساء :
وهنا لا بد من الإشارة إلى الصداقة والأصدقاء والأصحاب والجلساء ، نظراً لما لهم من أهمية في حياة الفرد والمجتمع .
فمن المعروف أن الإسلام دين ألفة ومحبة وتجمع .
__________
(1) ـ من وحي القرآن : [7/185] .
(2) ـ حق الأمان : 181 .(1/98)


ونزعة التعرف إلى الناس والإختلاط بهم هدف من أهدافه وأصيلة في تعاليمه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، خير من المؤمن الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) (1) .
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( المؤمن الف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ) (2) ، وفي الوقت الذي حرص في الإسلام على مخالطة الناس ، وبناء صداقات وعلاقات معهم ، حرص كذلك على ضرورة إختيار من تخالط وإنتقاء من تجالس ، قال تعالى :
{ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } [ فصلت : 25] .
وقال تعالى واصفاً من أحسن إختيار قرينه ، وابتعد عن قرين السوء :
__________
(1) ـ رواه الترمذي ، أنظر خلق المسلم : 184 .
(2) ـ رواه أحمد برقم (8831) .(1/99)


{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُوْلَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ } [ الصافات : 50ـ61] ، وقال تعالى : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً } [ الفرقان : 27ـ29] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) (1) .
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( مثل الجليس الصالح وجليس السوء
كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك أن يحثيك أو تبتاع منه أو تجد معه رائحة طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثوبك أو تجد منه رائحة منتنة ) (2) .
أثر الصديق على صديقه عميق ومن ثم كان لزاماً على المرء أن ينتقي إخوانه ، ويختار أصدقائه ، وأن يبلو حقائقهم حتى يطمئن إلى معدنها .
__________
(1) ـ رواه أحمد برقم (4163) .
(2) ـ رواه مسلم في كتاب البر والصلة برقم (4762) .(1/100)

20 / 24
ع
En
A+
A-