فصل فيما جاء في الإمام زين العابدين علي بن الحسين
(506) وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، أخبرنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله، أخبرنا الحسن بن علي بن زكريا، حدَّثنا العباس بن بكار، حدَّثنا أبو بكر الهذلي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((يولد للحسين ابن يقال له: علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادي ليقم سيد العابدين)).
أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو أحمد، أخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدَّثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدَّثنا سفيان بن عيينة. قال: سمعت ابن شهاب الزهري يقول: ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين.
وأخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو أحمد، حدَّثنا علي بن الحسين الصابوني، حدَّثنا عيسى بن أبي حرب الصفار، حدَّثنا علي بن المديني، عن سفيان، عن الزهري، قال: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين، والله ما قال هاشمي ، قال: فكان يبخل فلما مات وجد له مائة أهل بيت يقوتهم، قال: وكان يعمد إلى الخبز فيجعله في جراب ثم يحمله بالليل فيتصدق به ويقول: بلغني أن صدقة السر تطفي غضب الرب، فلما مات وجد في ظهره محل. قال: فبلغني أنه كان يستقي لضعفة جيرانه بالليل.
* إبراهيم بن حمزة: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، قال: ما رأيت هاشمياً قط أفقه من علي بن الحسين.
* عبد الله بن محمد قال: سمعت الثوري يقول: كان علي بن الحسين يخرج كل ليلة جراباً من خبز فيتصدق به ويقول: إن الصدقة بالليل تطفي غضب الرب.
* حبيب بن أبي ثابت، عن علي بن الحسين كان يقول: لأن أقوت أهل بيت فقراء في المدينة شهراً صاعاً في كل يوم أحبُّ إليَّ من حجة في إثر حجة.
* وعنه عليه السلام: إن عدوي ليأتيني في الحاجة فأُبادر إلى قضائها خوفاً من أن أرده فيستغني عني.
* علي بن الحسين عليه السلام: العافية ملك خفي.
(507) وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أقرب ما يكون من ربه العبد وهو ساجد )).(1/467)


* وعنه عليه السلام: أقرب ما يكون العبد من غضب اللّه إذا غضب.
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، أخبرنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله، حدثني أبي، حدَّثنا حبيب بن نصر المهلبي، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب، حدَّثنا إدريس بن سكين أبو محمد، عن سعيد بن شعيب، عن أبيه، عن المنهال بن عمرو، قال: دخلت على علي بن الحسين عليه السلام والبيت مملوء من العراقي والشامي فسلمت عليه فرد السلام وقلت: كيف أصبحت أصلحك الله؟ فقال ورفع رأسه فقال: شيخ من أهل مصر بلغ من السن ما لا يدري كيف أصبحنا. أما إذا لم تدر فسأخبرك: أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في قوم فرعون، إذ كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساؤهم، وأصبح شيخنا وسيدنا وأقربنا من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يتقرب بشتمه على منابر المسلمين، وأصبحت قريش كلها ترى أن لها الفضل على العرب بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم منهم لا تعد أن لها فضلاً إلاَّ به، وأصبحت العرب تعد بأن لها الفضل على العجم بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم منا، فأصبحوا يأخذون بحقنا، ولا يعرفون لنا حقاً، فهكذا أصبحنا.
* يحيى بن الحسين الحسني صاحب الأنساب: زرارة بن أعين، قال: سمع سائل في جوف الليل وهو يقول: أين الزاهدون في الدنيا؟ أين الراغبون في الآخرة؟ قال: فهتف هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول: ذاك علي بن الحسين عليه السلام.
* يحيى بن الحسين، عن يونس بن محمد بن أحمد، قال حدثني أبي، وغير واحد من أصحابنا: أن فتىً من قريش جلس إلى سعيد بن المسيب فطلع علي بن الحسين. فقال الفتى: من هذا يا أبا محمد. قال: هذا سيد العابدين علي بن الحسين.
* عن علي بن الحسين عليه السلام: ما تجرعت جرعة أحب إلى من جرعة غيظ ألا أكافيء عليها صاحبها.(1/468)


* حسين بن علوان: عن أبي علي بن زياد بن رستم، عن سعيد بن كلثوم، قال: كنت عند جعفر بن محمد فذكر علي بن أبي طالب فأطراه فقال: والله ما أكل علي من الدنيا حراماً قط، حتى مضى لسبيله، وما عرض عليه أمران قط هما لله برضاً إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم نازلة إلا دعاه فقدمه أمامه ثقة به، وما أطاق عمل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كأن وجهه بين الجنة والنار، يرجو ثواب هذه، ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله، والنجاة من النار مما كدَّ بيده، ورشح منه جبينه، وإن كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس إذا فضل شيء عن يده من كمه دعى بالجلم فقصه، وما أشبههه من ولده ولا أهل بيته أحد، وإن كان أقرب القوم به شبهاً في لباسه وفقهه علي بن الحسين عليه السلام.
* محمد بن علي قال: كان علي بن الحسين يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، وكانت الركعة تميله بمنزلة السنبلة.
* دخل محمد بن علي عليه السلام على أبيه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم أر أحداً قط بلغه وإذا به قد اصفر لونه، ورمصت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من الصلاة، فرأيته بحال فلم أملك أن بكيت من رحمته فإذا به يفكر ثم قال: يا بني، اعطني تلك الصحف التي فيها عبادة أمير المؤمنين علي عليه السلام فأعطيته بعضها فما قرأ منها إلا يسيراً حتى رمى بها تضجراً وقال: من يقوى على عبادة علي عليه السلام.(1/469)


[من كتب أمير المؤمنين]
* وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ لما ولاَّه عليها وانقلب منها إلى مكة: إني أشركتك في إمامتي، ولم يكن رجل من أهل بيتي أوثق منك في نفسي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كَلِبَ، والعدو قد حَرِبَ، قلبت لابن عمك ظهر المجن، بمفارقته مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمة اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى، فضح رويداً فكأن قد بلغت المدى وقد عرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي به المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة.
- حزب الرجل إذا غضب يقال: أسد مُحزب، أي: مغضب. وقوله: [ قلبت لابن عمك ظهر المجن ] مثلاً يضرب لمن كان على محبة ورعاية مع صاحبه ثم انقلب عن ذلك، والمجن: الترس لأنه توارى فسمي بذلك، يقال: جننت الشيء إذا سترته، وقوله: رويداً وصبراً قليلاً. وضحّ رويداً: يقال: إنه مثل كما يقال: إصبر قليلاً. ويقال: أصله من تضحية الأبل، ويقال: أضحيتها إذا غديتها، وإنما خص المعزى الدامية لأن الذيب إليها أسرع لدمها.
* وكتب أمير المؤمنين إلى عماله الذي يرجفهم الجيش ويأتيهم العسكر ويطوي عليهم:
أما بعد: فقد سرحت جنوداً هي مارة بكم إنشاء اللّه تعالى، وقد أوصيتهم بما يجب عليهم وما يجب لكم عليهم، وكف الأذى عنكم، وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش، إلا من جوعة المضطر لا يجدن عنها مذهباً إلى شبعة فامنعوا من تناول منها ظلماً عن الظلم، وخذوا على يدي سفهاءكم في التعرض للجيش ومصارفهم، واحذورا من اللّه تعالى من الإدهان وترك القيام بالحق فإن دعوة المظلوم ليس لها دون اللّه حجاب، وأنا بين أظهر الجيش، فارفعوا إليَّ مظالمكم وما عراكم مما يغلبكم من الجيش وما أنتم بسبيله إنشاء الله.(1/470)


* روي أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام وجَّه جرير بن عبد الله إلى معاوية ليأخذه بالبيعة فقال له: إن حولي من ترى من المهاجرين والأنصار ولكنني اخترتك لقول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:
(508) ((إنك خير ذي يمن)) إئت معاوية، وخذ بالبيعة، فقال: والله ما ادخرك من نصرتي شيئاً وما أطمع لك في معاوية. فقال: إنما قصدي [في] حجة أقيمها. فلما أتاه جرير دافعه. فقال له جرير: إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بداً، ولا أراك تبايع حتى لا تجد من البيعة بداً. فقال معاوية: إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن إنه امرٌ له ما بعده، فابلعني ريقي فناظر عمراً، فطالت المناظرة بينهما، فألح عليه جرير، فقال معاوية: ألقاك بالفصل في أول المجلس،ثم كتب إلى أمير المؤمنين:من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب أما بعد:
فلعمري إن بايعك القوم الذين بايعوك، وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف، وقد أتى أهل الشام إلى قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، ولعمري ما حجتك عليَّ كحجتك على طلحة والزبير لأنهما بايعاك ولم أبايعك، وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، أطاعوك ولم يطعك أهل الشام، وأما شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه.
فلما ورد الكتاب أجابه أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله:(1/471)

94 / 101
ع
En
A+
A-