قال رحمه اللّه: ولو أعطى الزَّوج امرأته نفقتها للشهور، فمات أو ماتت قبل انقضائها، رجع الزَّوج أو ورثته عليها، أو على ورثتها بالباقي؛ لأنها كالدين. قال: وعلى هذا لو ضاعت في يدها لم تجب ثانياً؛ لأنه قضاها.
قال يحيى في (الفنون) : إذا كانت المرأة في بيت زوجها أو عُدِّلَت عند ثقة من النساء فمات الزَّوج، وادعت المرأة أنه لم ينفق عليها فعليها البَيِّنة.
وروي عن القاسم عليه السَّلام أن على الزَّوج التَّحَيُّل للإنفاق على المرأة بأي وجه أمكنه من مسألة أو غيرها، ويستدين إن أدين لا كسائر الديون التي لا يؤاخذ فيها بذلك، بل هي أوكد منها، فإن توانا فُرِّقَ بينه وبين مداناتها. قال أبو العباس رحمه اللّه: وعلى هذا يحمل ما روي عن علي عليه السَّلام من سند ابن ضميرة فيمن لم ينفق على امرأته أنه يستأنا به، فإن جاءها بشيء قليل أو كثير، وإلا فرق بينه وبين وطئها ومداناتها. قال السيد أبو طالب رحمه اللّه: وعلى ما قاله القاسم عليه السَّلام من أن الزَّوج يلزمه التحيل للإنفاق على زوجته، يجب أن يلزمه التكسب/200/ لينفق عليها من كسبه إن أمكنه ذلك، و ذكر يحيى في (الفنون) : أن المرأة إذا شكت تضييق الزَّوج عليها في النَّفَقَة عُدِّلَت عند ثقة من النساء، ويؤخذ من الزَّوج لها ما استحقتهإذا كان واجداً له.(1/382)


باب تحديد النَّفَقَة
قال أبو العباس رحمه اللّه: وروى بعض أصحاب القاسم عليه السَّلام عنه أنه كان يقول: يفرض لها نفقة كل شهر ما يمونها لطعامها وشرابها، ومن كسوة الشتاء والصيف ما يصلحها، وما تحتاج إليه لمشط أو دهن، وإن كانت ذات خادم فعليه نفقة خادم واحد دون سائر خدمها، فإن لم يكن لها خادم وكانت لا تخدم نفسها أَخْدَمها إن كان ذا فضل وسعة، وإن كانت ممن يخدم نفسها لم يُخْدِمها. قال: ولم يكن يحد لشيء من الطعام والكسوة والمسكن وسائر ما يمونها من الدراهم عدداً معلوماً، ولا وزناً مفهوماً، وإنما كان يجعل ذلك إلى رأي الإمام، ورأي من نصب من الحكام، لغلاء السعر تارة ورخصه تارة أخرى، واختلاف الأحوال للمنفقين في الإعسار واليسار.
ويلزم الزَّوج الأُدُم مع الطعام، تخريجاً على نص القاسم ويحيى عليهما السَّلام، والْحَبُّ أولى من القيمة في مواضع الحب، على مادل عليه كلام يحيى عليه السَّلام.
ويجب عليه من كسوتها ما جرت العادة بمثله على قدر حالها وحال الزَّوج، وما جرى العرف به في البلد والناحية.
وإذا أعطى كسوة المدة فلم تَبْلَ لصيانتها لها في تلك المدة، لم يجب عليه أن يكسوها كسوة أخرى حتى تنقضي المدة التي تبلى في مثلها، فتستحق كسوة أخرى، وإن خَرَّقتها وأتلفتها قبل المدة، لم يجب عليه بدلها، على قياس قول القاسم عليه السَّلام.(1/383)


باب نفقة الأقارب
يجب على الموسر نفقة قريبه المعسر بشرطين.
أحدهما: أن يكون وارثاً له بالنَّسَب، فتجب عليه نفقته على قدر إرثه منه، إذا لم يحجبه وارث آخر.
والثاني: أن يكون القريب المعسر/201/ مُسلماً، هذا في غير الأبوان من الأقارب، فأما الأبوين فنفقتهما واجبة على الولد إذا كانا معسرين، مسلمين كانا أو كافرين. (قال أبو العباس: وكذلك المولود)سواء كان الموروث المعسر صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى.
ويجب على الأب نفقة ولده الصغير، سواء كان الولد موسراً أو معسراً ما دام صغيراً، فإن كان للابن الصغير مال، والأب معسر، فله أن ينفق على نفسه وعلى الولد من ماله بالمعروف.
قال أبو العباس: إذا كان الأب معسراً وله ولد صغير والأم موسرة، تؤمر الأم بالإنفاق عليه، ويكون ذلك ديناً على الأب، فإن لم يكن له أب وكان له مال، أنفق عليه من ماله، فإن لم يكن له مال كانت نفقته على من يرثه من قراباته على قدر مواريثهم، وإذا كان أقارب المعسر الموروث فيهم معسر وموسر، فإن نفقته كلها تنتقل إلى الموسر.
وإذا كان للمعسر أختان لأب وأم معسرتان، وأختان لأب موسرتان، وأم موسرة، فالنَّفَقَة على الأم، وكذلك إن كان له أخ لأم موسر، وجد معسر، وأم موسرة.
وقال: في رواية (المنتخب) ما يقتضي؛ أنها تلزم المؤسر على قدر حصته من الإرث، فإنه ذكر فيه أن المعسر إذا كان له ابن معسر وجَدّ موسر، فعلى الجد سدس النَّفَقَة، وباقي النَّفَقَة على اللّه رزقه. والذي حصله أبو العباس من المذهب هو ما قاله في (الأحكام) ، وكان رحمه اللّه يقول فيما ذكره في (المنتخب) : إنه توقف فيه.(1/384)


وإذا كان للمعسر أخ لأم وأخت لأب موسران، وأم وعم لأب معسران، فالنَّفَقَة على من هو موسر منهم، على قدر الإرث، فعلى الأخ للأم ربعها وعلى الأخت لأب ثلاثة أرباعها، وينفق الأخ على الأم وتنفق الأخت للأب على العم.
فإن كانت له أختان لأب وأم معسرتان، وأختان لأب موسرتان، وأم موسرة، كانت النَّفَقَة على الأم وحدها.
وكذلك لو كان له أخ لأم وأم موسران وجد معسر، فالنَّفَقَة على الأم وحدها. وكذلك لو كانت لامرأة معسرة بنت معسرة، وثلاث أخوات متفرقات موسرات، كانت النَّفَقَة واجبة على أختها لأبيها وأمها، ونفقة البنت المعسرة على خالاتها إذا ورثنها في ذوي الأرحام، على قدر إرث كل واحدة منهن، فيكون ثلاثة أخماس النَّفَقَة على الخالة لأب وأم، وخمسها على/202/ الخالة لأب، وخمسها على الخالة لأم.
ولو أن معسراً كان لهابن معسر، وأخ موسر، فلا نفقة له على واحد منهما. وإن كان له ثلاثة إخوة متفرقين موسرين، كان سدس النَّفَقَة على الأخ لأم، والباقي على الأخ لأب وأم. وكذلك لو كانت له ثلاث أخوات متفرقات، كان على الأخت لأب وأم نصف النَّفَقَة، وعلى الأخت لأب السدس. فإن كان للمعسر أخوان أحدهما موسر والآخر معسر، كانت النَّفَقَة كلها على الأخ الموسر، كما نص عليه يحيى في (الأحكام). فإن كان له ابنان أحدهما موسر والآخر معسر، كانت نفقته على الابن الموسر، على قياس قوله في (الأحكام) ورواية (المنتخب) جميعاً.
قال أبو العباس الحسني رحمه اللّه: ما فات من نفقة الموسر على المعسر من الأقارب لا يُطَالَب به مَنْ وجبت عليه، ولداً كان أو غيره.(1/385)


وما يحكم به للمعسر على الموسر من الإنفاق هو الإطعام والكسوة والسُّكْنى والخادم، إن كان لا يطيق خدمة نفسه لصغر أو كبر أو مرض.
ونفقة الأولاد على الأب إذا كان لهم أب، دون الأم، على قياس قول يحيى عليه السَّلام.
قال أبو العباس: حد الإيسار: هو الوجود على متعارف الناس. قال: وليس قول يحيى في (المنتخب) : أن من يملك مائة دينار أو أقل أو أكثر موسر، حين سأله محمد بن سليمان عن تحديد الموسر، إذ لم ينف أن يكون ما دونه يساراً.(1/386)

77 / 168
ع
En
A+
A-