قال أبو العباس رحمه الله: هذا إذا أخذ قدر الحاجة والشبع، وكذلك إذا أخذ من علف الدواب قدر الحاجة، وهذا لمن له في الغنيمة قسم أو رضخ لمن يحضر القتال من النساء والصبيان والمماليك وأهل الذمة وخدم الجيش ومعالجي جراحاتهم ومرضاهم دون التجار الذين وردوا العسكر أو من يتجر في العسكر، فمن ابيح له ذلك لم يجز أن يعتاض ببيع أو هبة، فإن فعل رد إلى المغنم ولا ينقض البيع.
وحكا على بن العباس إجماع أهل البيت عليهم السلام أن المشركين إذا أغاروا على المسلمين ولم يدخلوا/460/ ما أغاروا عليه دار الحرب حتى لحقهم المسلمون فاسترجعوه، أن ذلك يكون لأربابه من المسلمين ولا يكون فيئاً، وكذلك إن اقتسموه في دار الإسلام، ثم غلبهم المسلمون واسترجعوه فلا يكون فيئاً.
وحكا عنهم أن مرتداً لو لحق بدار الحرب ثم رجع وأخذ من ماله شيئاً سراً ثم رجع إلى دار الحرب فظهر المسلمون على ذلك المال فإنه يكون لورثة المرتد ولا يغنم.(1/822)
باب قسمة الغنائم
إذا اجتمعت الغنائم وحيزت، كان للإمام أن يأخذ لنفسه منها الصفي، وهو شيء واحد من سيف أو درع أو فرس، وله أن يُنفل من رأي تنفيله على ما يراه، وإذا حضر الوقعة النساء والصبيان وأهل الذمة وقاتلوا وأعانوا أهل الحق على العدو، رضخ لهم الإمام على ما يراه على قدر عنايتهم، ولا يضرب لهم سهماً، ثم تقسم الغنائم كلها بعد ذلك على خمسة أسهم، ويخرج سهم منها فيصرف إلى أهله، على ما بيناه في كتاب الخُمس، ثم يقسم الباقي وهو أربعة أسهم بين الرجال البالغين الأحرار المسلمين الذين حضروا الوقعة وحاربوا وأعانوا.
قال القاسم عليه السلام: من جاء بعد الوقعة ولم تقسم الغنيمة، فلا سهم له، وليست الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة، وظاهر قول يحيى عليه السلام - : تقسم الاربعة الأخماس فيمن حضرها من الرجال المقاتلة - يدل عليه أيضاً.
وقال أبو العباس رحمه الله: الغنيمة تقسم في دار الحرب، على أصل يحيىعليه السلام.
وقال: من دخل دار الحرب فارساً ثم نفق فرسه قبل حضور الوقعة، كان له سهم الراجل، ولو حضر الوقعة فارساً وقاتل راجلاً كان له سهم الفارس، ومن وطيء أرض العدو راجلاً ثم اشترى الفرس أو استعاره أو وُهب له، كان له سهم الفارس، وللفارس سهمان، وللرَّاجل سهم واحد، ولا يسهم لأكثر من فرس واحد، ويسهم للبراذين كما يسهم للخيل العِراب، ولا يسهم للحمير والبغال والجمال.(1/823)
ولو أن مسلماً عرف في/461/ الغنيمة شيئاً كان المشركون غلبوه عليه، كان أولى به إن وجده قبل القسمة، وإن وجده بعد القسمة كان أولى به، إذا دفع قيمته إلى من وقع في سهمه، وإن عرف فيما يُغنم من أهل البغي كان أولى به قبل القسمة وبعدها، ولا يلزمه أن يدفع إلى من وقع في سهمه قيمته.
قال محمد بن عبدالله: لو أبق من عبيد المسلمين عبد ولحق بدار الحرب، ثم أخذه المسلمون منهم، فظفر به صاحبه، فإنه يأخذه من غير قيمة قبل القسمة وبعدها، ولا يلزمه أن يدفع إلى من وقع في سهمه قيمته، وكذلك لو وجده في يد رجل اشتراه من أهل الحرب. وقال: فإن كانوا أسروه أخذه حيث ما وجده بالثمن.
وقال عليه السلام: لو أن رجلاً من الجند مرض قبل الدخول إلى دار الحرب ولم يزل مريضاً حتى أخذت الغنائم ضرب له بسهم.
وقال: لا يسهم للمعتوهولا للمغلوب على عقله.
ومن مات من المقاتلة قبل إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام، كان له نصيبه لورثته، على قياس قول القاسم عليه السلام.
وقال محمد بن عبدالله: لو وطئ رجل جارية من السبي قبل أن تقسم الغنيمة، فعَلِقَتمنه وادعى الولد درئ عنه الحد، ويؤخذ منه العقر، ولا يثبت نسب الولد منه، والعقر والولد والجارية يرد في الغنيمة.
وقال: لو أن المسلمين دخلوا دار الحرب، فوجهوا سرية فأصابت غنائم، وهؤلاء المسلمون أيضا أصابوا غنائم، جمعت كلها ثم تخمس ويقسم ما بقي بين جماعتهم.(1/824)
وإن أسر رجل من المسلمين عند دخول دار الحرب، ثم أفلت قبل إخراجالغنيمة، فإن كان أسر بعد حضور الوقعة كان له سهم منها، وإن أسر قبل حضور الوقعة فلا سهم له، على قياس قول القاسم عليه السلام.
فإن أسلم رجل من المشركين ولحق بالمسلمين قبل إخراج الغنيمة، فإن كان لحق بهم عند الوقعة وحضرها أسهم له، وإن لحق بهم بعد الوقعة فلا سهم له، وكذلك القول في المرتد إذا لحق بدار الحرب ثم رجع إلى الإسلام ولحق بالمسلمين، على قياس قول القاسم عليه السلام.
وقال محمد بن عبدالله: وإن بعث الإمام سرية والمسلحة مدينة، فليس لأهل المدينة فيما أصابت تلك السرية شيء.
وقال عليه السلام : إن/462/ وجه الإمام رجلاً واحداً من العسكر طليعة، فما أصابه يخمس ويكون الباقي بينه وبين العسكر.
وقال: إن أصاب المسلمون الغنائم وفيها متاع وبقر وغنم ودواب وسبي، ولم يمكن حملها إلى دار الإسلام، فما كان من متاع فإنه يحرق وتذبح الغنم ثم تحرق، ولا تعقر الدواب، فإن ذلك مثلة، ولكن لا يترك في دار الحرب ما يستعين به أهل الحرب، وأما السبي، فإن الرجال منهم يقتلون ويترك النساء والصبيان.
وقال: إن غزا المسلمون أهل البغي المشركين فأصابوا غنيمة، اشتركوا في الغنيمة ولاحظ لأهل البغي في خمسها، فإن أرادوا أخذه منعوا منه وقوتلوا عليه.(1/825)
قال: وإن غنم المسلمون ولم يغنم أهل البغي كان نصيبهم من الغنيمة ثابتاً، وإذا أصاب المسلمون غنيمة، فلم تقسم حتى ولت طائفة منهم، فإن ولوا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة فلهم سهامهم منها، وإن ولوا لغير هذين المعنيين، فلا سهم لهم، على أصل القاسم ويحيى عليهما السلام، فإن قسموا الغنيمة وولت طائفة منهم لغير هذين المعنيين، لم ينتزع ما أخذوه على أصلهما.
قال القاسم عليه السلام - فيما حكاه علي بن العباس -: لو أن أهل العدل ظهروا على أهل الحرب فغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم، ثم أن أهل البغي ظهروا على أهل العدل قبل أن يقتسموه، ثم أن أهل العدل ظهروا عليهم وذلك المال في أيديهم لم يقسموه، كان ذلك غنيمة للمسلمين ويخمس.
قال القاسم عليه السلام - فيما حكاه عنه علي بن العباس -: لو بعث الإمام سرية ثم خاف عليها فبعث سرية أخرى فلحقت السرية وقد غنمت الأولى، كانت تلك الغنيمة لها ولا تشاركها فيها السرية الثانية.(1/826)