باب قتال أهل البغي
لو أن قوماً من المسلمين بغوا على إمام الحق واستعصوا ولم يلتزموا طاعته، وجب على الإمام وعلى سائر المسلمين قتالهم بعد أن يحتج عليهم، ويجب على الإمام إذا أراد محاربتهم أن يبين لهم الحجة في تمسكهم بالباطل، ويدعوهم إلى مراجعة الحق بكتاب يكتبه إليهم أو رسول يرسله، فإن أجابوا إلى ذلك ورجعوا إلى الحق حرم قتالهم وقتلهم، وإن استمروا على باطلهم وجب قتالهم.
ولا يُبَيَّت أهل القبلةفي مدنهم، ولا توضع عليهم المنجنيقات، ولا يفتق عليهم ما يغرقهم، ولا يضرموا بالنار، ولا يمنعوا من ميرة وشراب، وكذلك الحكم في العساكر التي لا يؤمن أن يكون فيها أحد ممن لا يجوز قتله من أبناء السبيل والتجار والنساء والولدان، فإن أمن ذلك فلا بأس أن يبيتوا وأن ينصب عليهم المنجنيق وأن يغرقوا ويحرقوا.
قال محمد بن عبدالله: إن لقي رجل من أهل العدل أباه وهو من البغاة فأحب إلي أن لا يقتله، ولكن يتركه حتى يلي قتله غيره، فإن ابتلي بذلك وخاف من ترك قتله فليقتله ولا إثم عليه ويرثه إذا قتله.
وقال القاسم عليه السلام: يجب القتال إذا كانت جماعة أهل الحق مثلها يَغلب ويَقهر، فإذا ضعفت وقلت زال ذلك عنها/457/.
وقال أبو العباس رحمه الله فيما ذكره عن زيد بن علي عليهما السلام في (مجموع الفقه) : من أن الإمام إذا كان في قلة من العدد لم يجب عليه قتال أهل البغي، فإن كان أصحابه ثلثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر قاتلهم على قدر الإستقلال بالمعونة دون التوقيت.(1/817)


باب السيرة في أهل البغي عند الظفر بهم
إذا انهزم أهل البغي ولم تكن لهم فئه يرجعون إليها لم يقتل مدبرهم، ولم يجزعلى جريحهم، ولكن يطردون ويفرقون حتى يتبدد شملهم، وإن كان لهم فئة يرجعون إليها قتل مدبرهم وأجيز على جريحهم، ويغنم ما أجلبوا به على المحقين في عساكرهم من خيل أو سلاح أو كراع فإنه يغنم، وكذلك ما أجلب التجار في عساكرهم على المسلمين من سلاح وكراع فإنه يغنم، والرجال والنساء والصبيان في ذلك سواء.
فأما ماسواه من أملاك أهل البغي وأملاك التجار الذين حصلوا في عساكرهم فلا سبيل عليه ولا سبيل على ما في بيوتهم، ولا يحل سبيهم، وإذا ظفر إمام حق بأئمة الجور أخذ كل ما يجده في أيديهم من قليل وكثير وجليل ودقيق من الضياع والعقار وغير ذلك، إلا أن تكون جارية قد استولدها أحدهم.
قال القاسم عليه السلام: وكذلك يؤخذ ما في أيدي أعوانهم من الظلمة. فإن أقام إنسان بينة على شيء بعينه أنه غصبه عليه وجب تسليمه إليه، فإن وجد لبعضهم مُدَبَّر وكان المال الذي في يده ينقص عن الحق الذي عليه، فللإمام أن يأخذه ويبيعه، فإن كان ماله يفيء بما عليه لا يجوز التعرض له، على أصل يحيى عليه السلام.
وأما أحكامهم فما كان منها جميعاً حقاً فإنه يقر، وما كان باطلاً ينقض، وأما قطائعهم وجوائزهم فما كان منها مباحاً ولا يقع فيه سرف فإنه يقر ولا ينقض، وما كان منها محظوراً يسترجع ويوضع موضعه، وأما ما كان منهم من قتل أو جراح أو استهلاك لمال المسلمين، فإنهم يؤاخذون به.(1/818)


وحكا علي بن العباس إجماع أهل البيت عليهم السلام/457/ على أن جسد المقتول لا يباع لباغ ولا مشرك وإن رأى رده إلى أهله جاز.(1/819)


باب أصناف الغنائم
الغنائم إما أن تكون لأهل الحرب أو لأهل البغي، فأما غنائم أهل الحرب فهي أنفسهم وذراريهموعقارهم وضياعهم وسائر أموالهم. والإمام إذا ظفر بهم سباهم صغارهم وكبارهم ذكورهم وإناثهم، بعد قتل من يرى قتله منهم والمن على من يرى أن يمن عليه.
وسلب القتيل يغنم سواء كان القتيل حربياً أو باغياً، إلا أن يجعله الإمام للقاتل، فإن قال: من قتل فلاناً فله سلبه، فاشترك في قتله رجلان، كان السلب بينهما، وكذلك إن قال: من قتل قتيلاً فله سلبه، فاشترك في قتله رجلان.
والسلب: ما ظهر على المقتول وما معه من الثياب والمنطقة والدرع والسيف والقوس والفرس والسرج وحليته وما أشبه ذلك ، فإن كان معه ما يخفي من جواهر أو ذهب أو فضة لم يدخل في السلب، وكان من جملة الغنيمة.
فإن قال الإمام للرجل: احتل في قتل فلان ولك سلبه، فاستعان الرجل بغيره أو استأجر في قتله، فقتله كان السلب له دون من أعانه. وإذا جعل الإمام لرجل مالاً معلوماً إن قتل رجلاً فقتله، وجب أن يعطيه ذلك المال من الغنيمة، فإن لم يوجد في الغنيمة أو لم تحصل غنيمة أعطاه من بيت المال، فإن لم يوجد في بيت المال أعطاه من الصدقات.
والسلب يخرج منه الخمس، ويستحق من جُعل له أربعة أخماسه، وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، جاز ذلك واستحقه من أخذه، على قياس قول يحيى عليه السلام.
قال محمد بن عبدالله - فيمن دخل دار الحرب بغير إذن الإمام على وجه التلصص فأصاب فيها غنيمة -: أنها تكون له ولا تخمس.(1/820)


حكا علي بن العباس إجماع أهل البيت عليهم السلام على أن المسلم يجوز أن يسرق من أهل دار الحرب العبد المسلم والأمة المسلمة والمكاتب والمُدَبَّر وأم الولد ويردهم إلى دار الإسلام. وحكا إجماعهم على أن رجلاً لو اشترى مسلماً من أهل الحرب/459/ وأخرجه إلى دار الإسلام لم يرجع على المسلم بشيء، فإن قال له المسلم: اشترني أنا ضامن لما تؤدي من الثمن. فاشتراه وخرج به إلى دار الإسلام ضمن المسلم ما أداه لمن اشتراه.
وحكا عن إجماعهم أن عساكر الإمام لو تفرقوا في دار الحرب فوجد بعضهم ركازاً لكان ذلك غنيمة، وكذلك سائر ما يؤخذ من دار الحرب من الآلات والأدوية التي لها أثمان، وكذلك الصلبان والأصنام من عود أو ابنوس أو صندل يكسر ويرد إلى الغنيمة إلا أن لا يكون لها قيمة، وكذلك كلب الصيد و البزاة والصقور والفهود والنمور والسنور، وأما جلد مالا يؤكل لحمه وجلود الميتة والعاج الذي هو عظم الفيل وعظم الميتة فإنه يحرق ولا يغنم.
وحكا عن إجماعهم أن مصحفاً أو صحيفة لو وجد في دار الحرب ولا يدرى أتوراة أو إنجيل ولا تعرف حقيقته، فإن يغسل حتى تذهب كتابته أو يترك في الخل ولا يحرق، فإن كان لذلك الرق قيمة رد إلى الغنائم بعد الغسل.
وحكا عن إجماعهم: لو أن رجلاً من العسكر اعتق عبداً من الغنيمة قبل القسمة، فعتقه باطل. قال السيد أبو طالب رحمه الله: وكذلك لو وقع في الغنيمة ذو رحم لبعضهم لم يعتق عليه قبل القسمة، فإن وقع في نصيبه خاصاً عتق عليه.
قال القاسم عليه السلام: ما يصيبه المسلمون من أرض العدو من الطعام والعلف فإنه يسهل فيه لأهله ولا يرد إلى الغنيمة.(1/821)

164 / 168
ع
En
A+
A-