باب ذكر أحكام المشركين في دار الحرب وما يجوز أن يفعل بها وما لا يجوز
يجوز أن يشتري في دار الحرب من بعض المشركين بعضهم، وأن يشتري الولد من والده والأخ من أخيه.
ولو أن مسلماً دخل قرية من قرى الشرك بأمان، واشترط لهم أن لا يحدث فيهم حدثاً، ثم أُغير عليهم، فإنه يستحب له أن لا يشتري من سبيهم شيأ، فإذا أغار على تلك القرية على غيرهم، جاز له أن يشتري مما سبوه من غيرهم.
قال محمد بن عبدالله: من دخل دار الحرب بأمان، فوجد فيها مملوكة له، جاز له أخذها على الوجه الذي يمكنه من سرقة أو قهر.
فإن وجد مالاً لم يجز له أخذه إذا كان قد دخل بأمان.
فإن سُبي الرجل أو دخل بغير أمان، فله أن يسرق من أهلها مالاً أو ولداً أو يغصب واحداً منهم على نفسه.
وإذا أسلم رجل في دار الحرب وهاجر، وله في دار الحرب أولاد صغار وكبار وأموال ناضة وغير ناضة من ضياع وعقار، ثم استعلى المسلمون على تلك الدار، فإن أولاده الصغار لا سبيل عليهم؛ لأنهم مسلمون بإسلامه، وكذلك أمواله الناضة هي له ولا تغنم، وأما أولاده الكبار، فإنهم يسبون، وكذلك الضياع والعقار فإنها تغنم وتجري مجرى سائر ما يخص دار الحرب من الضياع والعقار. وكذلك الحكم لو أسلم ولم يخرج إلى دار الإسلام وأقام هناك.(1/807)
ولو أن مملوكاً حربياً أسلم في دار الحرب ثم هاجر إلى دار الإسلام، كان حراً ولم يكن لمولاه عليه سبيل إن أسلم بعد ذلك ودخل دار الإسلام، فإن أسلم في دار الحرب ثم أسلم مولاه بعده وهما جميعاً في دار الحرب، ثم استعلى المسلمون على تلك الدار/451/ لم يكن لهم سبيل عليهما، وكان العبد مملوكاً لمولاه كما كان، فإن خرج حربي من دار الحرب إلى دار الإسلام فأسلم فيها، كان جميع ماله في دار الحرب من أصناف الأموال فيئاً، على أصل يحيى عليه السلام.
قال محمد بن عبد الله: لو أن أهل الحرب أسروا عبداً لمسلم، ثم وهبوه لرجل من أهل الإسلام أو باعوه منه، ثم وجده صاحبه يأخذه بالقيمة.
قال القاسم عليه السلام - فيما حكا عنه علي بن العباس -: لو أن ملكاً من ملوك الشرك استرق بعض أهل مملكته، ثم أسلم كانوا عبيداً له.
وحكا إجماع أهل البيت عليهم السلام على أن ما حكم به حكام المشركين في دار الحرب فيما بينهم لا يتبع بنقض، وكذلك جنايات بعضهم على بعض وعلى المشركين يكون هدراً، وكذلك المسلمون إذا جنى فيها بعضهم على بعض بقتل أو جراح كان هدراً، وكذلك إذا غَصَبَ بعضهم بعضاً.(1/808)
باب حكم أمان المسلمين لأهل الشرك
أمان كل واحد من المسلمين للمشركين جائز قلوا أو كثروا.
ولو أن عسكر الإمام فتحوا بلداً من بلدان أهل الحرب فقال الإمام: قد كنت أمنتهم ولم آمركم بفتحه، كان مصدقاً في قوله ووجب ترك التعرض لهم، وردهم إلى مأمنهم.
ولو أن جماعة من المسلمين أمنوا جماعة من المشركين في قرية من القرى، ثم فُتحت تلك القرية، لم يكن للمسلمين سبيل على الذين جُعل لهم الأمان، ولا على أموالهم وأولادهم.
فإن فُتح بلد فسيقت الغنائم وحيزت، ثم أتى جماعة من المسلمين فادعوا أنهم كانوا أمنوا قوماً منهم، وكانوا قد حضروا القتال والغنيمةولم يتكلموا بشيء منه، لم يقبل الإمام قولهم، وإن كانوا في وقت القتال والغنيمة غيباً ثم حضروا وادعوا ذلك، قَبِل الإمام قولهم إن أقاموا عليه البينة.
ولا يجوز أمان أحد من المسلمين للمشركين إلا إلى مدة مضروبة، ولا يجوز على التأبيد.
ولو أن أسيراً من المسلمين أمَّن بعض أهل الشرك وهو في أيديهم لم يجز أمانه.
ولا يجوز أمان الذمي/452/، على أصل يحيى عليه السلام.
قال القاسم عليه السلام: يجوز أمان المملوك المسلم، ويجوز أمان المرأة والمريض، على أصل القاسم ويحيى عليهما السلام.
ويجب على الإمام أن يعلم كل من دخل بلاد المسلمين من أهل الحرب أنه إن أقام فيها أكثر من سنة مُنع من الخروج عنها إلى دار الحرب، وتضرب عليه الجزية، فإن وجده بعد السنة حكم عليه كذلك. قال أبو العباس: إن لم يكن أعلمه بذلك ووجده بعد سنة، فإنه ينفيه، إلا أن يرى الصلاح في أن يضرب له مدة سنة أخرى ويعلمه بذلك إذا كان يرجو منه الإسلام.(1/809)
قال القاسم عليه السلام - فيما حكاه عنه علي بن العباس -: إذا قال المسلم للمشرك: لا بأس عليك لا تخف كان ذلك أماناً.
وحكا علي بن العباس عن زيد بن علي عليهما السلام أن الإمام إذا قال: قد نهيت أن يؤمّن أهل هذا الحصن. فمن أمنهم، فأمانه باطل، فإن أمّن رجل منهم رجلاً لم يسمع نهيه رد إلى مأمنه.
قال يحيى - فيما رواه عنه ابنه محمد -: لا يجوز لأحد أن يجعل الأمان خديعة ليقتل به من أمّنه.
ولو أن قوماً من أهل دار الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، لم يجز أن يمكنوا من ابتياع سلاح أو كراع، فإن أرادوا أن يبدلوا جيداً من ذلك برديء مكنوا منه، ويجب أن يمنعوا من إخراج السلاح والكراع إلى دار الحرب من دار الإسلام إلا ما دخلوا به بعينه، وكذلك تجار المسلمين يجب أن يمنعوا من حمل السلاح والكراع إلى دار الحرب، على أصل يحيى عليه السلام.
وقال محمد بن عبدالله: لو أن مستأمناً مات في دار الإسلام وترك مالاً وورثة في دار الحرب، يوقف المال حتى يقدم ورثته ويسلم إليهم.
قال: فإن جاء مستأمنون يدعون أنهم ورثته، أو جاؤا بكتاب من عند ملكهم لم يَقْبَل ذلك حتى يأتوا ببينة تقام في دار الإسلام، ولا يدفع إليهم رقيق اشتراه في دار الإسلام.
قال عليه السلام: ولو بعث رجل من أهل دار الحرب عبداً له تاجراً إلى دار الإسلام، فدخلها بأمان، ثم أسلم العبد في دار الإسلام، فإن العبد يباع ويرد/453/ ثمنه وما في يده عليه.(1/810)
وقال: فإن دخل عبد تاجر لأهل الشرك بأمان من غير إذن مولاه، ثم أسلم وفي يده مال، فادعى مولاه أنه خرج بإذنه لم يقبل قوله، وكان العبد حراً لا سبيل لمولاه عليه، وما في يده فهو له.
قال عليه السلام: فإذا ظفر برجل من أهل الشرك في دار الإسلام، فقال: دخلته بأمان لم يصدق، وهو فيء وما معه، فإن ادعى أنه رسول، فإن كان معه كتاب ملكهم بختمه وعرف أنه رسول فلا سبيل عليه حتى يبلغ رسالته ويرجع إلى أصحابه.
والحربية إذا أسلمت ولحقت بدار الإسلام، فلا سبيل لزوجها عليها، ولها أن تتزوج بعد أن تستبرئ رحمها بثلاث حيض، وإذا استأمن رجل من أهل دار الحرب ومعه أم ولد له فأسلمت فعليها أن تسعى لمولاها في قيمتها، على أصل يحيى عليه السلام.(1/811)