والأسير إذا ظفر به الإمام، فإن كان قتل أحداً من المسلمين قُتل به، وإن جرحه اقتص له منه، وإن لم يكن فعل شيئاً من ذلك حبسه الإمام، إلا أن يظهر منه قبل حبسه كيد للمسلمين وقصد الإضرار بهم، والحرب قائمة بينه وبين أعدائه، فإنه يجوز له قتله.
والجاسوس إن ثبت أنه قُتِل بجساسته أحد، قُتل وإلا حبس.(1/802)
باب ما يلزم الرعية للإمام
يجب على الأمة أن ينصروا الإمام ويؤازروه ويعينوه على أمره، ويحرم عليهم أن يخذلوه، ويلزمهم أن يطيعوه فيما أوجب الله عليهم طاعته، فينقادوا لأحكامه، وينهضوا إذا استنهضهم لقتال أعدائه، ويقاتلوا من يأمرهم بقتاله، ويسالموا من سالمه، ويعادون من يعاديه، ولا يكتموه شيئاً يحتاج إلى معرفته، وأن ينصحوه سراً وجهراً ولا يمتنعوا من بيعته، ومن امتنع من بيعة الإمام طرحت شهادته، وأسقطت عدالته، وحرم نصيبه من الفيء، ومن ثبط غيره عن بيعته وجب أن يؤدب، فإن انتهى وإلا حُبس أونُفي من بلدان المسلمين على ما يراه الإمام.
ولا يحل لأحد الفرار من الزحف، ولا الإنحراف عن العدو، إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة.
ومن نكث بيعة الإمام فهو فاجر، محكوم عليه بالفسق، والخروج من ولاية الله إلى عداوته/448/.(1/803)
باب ذكر ما يُوَصِّي به الإمام سراياه
إذا وجه الإمام جيشاً لمحاربة العدو، وجب عليه أن يوصيهم بتقوى الله وإيثار طاعته، وبحسن السياسة والرفق، والتثبت في الأمور التي ينبغي أن يتثبت فيها، وينبغي أن يقول عند التوجه: <بسم الله وبالله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا عليهم، فإن أجابوا إلى الدخول في الحق والخروج عن الباطل، فهم إخوانكم لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وإن أبوا وقاتلوكم فاستعينوا بالله عليهم، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً لا يطيققتالكم، ولا تُعوّروا أعيناً، ولا تقطعوا شجراً إلا شجراً يضر بكم، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تغلوا ولا تعتدوا، وأيما رجل من أقصاكم أو أدناكم أشار إلى رجل بيده، فأقبل إليه بإشارته، فله الأمان حتى يسمع كلام الله وحجته، فإن قَبِل فأخوكم، وإن أبا فردوه إلى مأمنه، واستعينوا بالله، ولا تعطوا القوم ذمة الله ولا ذمة رسوله ولا ذمتي، أعطوهم ذمتكم وأوفوا بما تعطون من عهدكم>.
وإن كان العدو من أهل الحرب، أمرهم أن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يخيروهم بأنهم إن أجابوا إلى ذلك حقنوا دماءهم وأموالهم.
وحكا علي بن العباس إجماع أهل البيت عليهم السلام على أن الإمام إذا بعث سرية وجب عليه أن يؤمر عليهم أميراً.(1/804)
باب قتال أهل الحرب
لا يجوز قتال أهل الحرب إلا مع إمام حق أو مع متولي الحرب من قِبَله أو بإذنه. قال أبو العباس: يعتبر هذا في قصدهم في ديارهم، فإن قصدوا ديار الإسلام وجب قتالهم ودفعهم عن المسلمين بما يمكن.
وإذا أراد الإمام أومن هو من قبله قتالهم فإنه يدعوهم أولاً إلى الإسلام وشهادة أن لا إله إلاالله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم /449/، فإن أجابوا إلى ذلك، فهم مسلمون، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
قال القاسم عليه السلام: قتال المشركين قبل الدعاء جائز، إذا كانت الدعوة قد بلغتهم، فإن احتيط بالدعاء كان حسناً، وإن أبوا ذلك عرض عليهم أن يكونوا ذمة، ويؤدوا إلى المسلمين الجزية، وتجرى عليهم أحكام المسلمين، ويولي فيهم ولاتهم ويتركوا على دينهم، فإن أجابوا إلى ذلك، فَعَل ذلك معهم، وإن أبوا حوربوا واستعين بالله عليهم، فإذا انهزموا وضع فيهم السيف، وقتلوا مقبلين ومدبرين، وأسروا وسُبوا واستبيحت بلادهم، وتجمع غنائمهم وتقسم.
قال القاسم عليه السلام: ولا يُقتل شيخ فان، ولا ذاهب متخلإلا أن يقاتل، فإن قاتل قتل، ولا تقتل امرأة، ولا صبي إلا أن يقاتلا، وعلى هذا الأصل لا يُقتل المُقعد.
وحكا علي بن العباس إجماع أهل البيت عليهم السلام على أن المشركين والبغاة إذا نزلوا بساحة مدينة الإسلام أو باب حصن المسلمينفلا ضير على المسلمين إذا لم يقدروا على حمل غلات أنفسهم أن يحرقوها، وأن يخربوا القرى، لئلا ينتفع بها المشركون والبغاة.(1/805)
قال محمد بن عبدالله عليه السلام في (سيرته) : إن اضطر المسلمون إلى الاستعانة بالعبيد فأعانوهم فهلكوا، فليس لمواليهم على أحد سبيل، وإن أعان المملوك من غير اضطرار فليرده المسلمون إلى مواليه، وكذلك النساء، فإذا جهلت امرأة ولحقت بالمسلمينردوها.
قال القاسم عليه السلام: وإذا تحصن المشركون، فحاصرهم الإمام في مدينة، جاز أن يحرقها عليهم، وأن يرموا بالمجانيق، وأن يرسل على مدينتهم الماء، وأن يفعل بهم غير ذلك من الألوان التي تؤدي إلى استئصالهم والضرر بهم، وإن كان فيهم شيخ فان ونساء وصبيان.
قال السيد أبو طالب رحمه الله: فإن كان فيما بينهم مسلمون أسرى أو تجار أو غيرهم لم يفعل بهم ذلك، على أصل يحيى عليه السلام؛ إلا أن تدعو الضرورة إلى ذلك.
وإن تترس المشركون بمسلمين، لم يجز رميهم إلا عن عذر وضرورة، على أصل يحيى عليه السلام، فإن رموا عن عذر فأصاب مسلماً، وجب فيه الدية والكفارة، على أصله/450/.
قال محمد بن عبدالله: إن استأمن قوم من المسلمين إلى دار الحرب، فأراد قوم آخرون من أهل دار الحرب أن يغيروا على تلك الدار التي فيها المستأمنون من المسلمين، لم يجز أن يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على أنفسهم منهم.
قال أبو العباس: على المسلم أن يجتنب قتل أبيه المشرك في الحرب.(1/806)