وقد ذكر يحيى عليه السلام مثالا آخر، وهو: أن يقدر أن أحد الأخوين - وهو الأكبر - ترك بنتين وخلَّف ثلاثة دنانير، والآخر وهو الأصغر، ترك ابنتين وخلف ثلاثة دراهم، ثم يقدر أن الأكبر مات أولاً، فلبنتيه ديناران، ولأخيه - وهو الأصغر - دينار واحد، ثم يقدر أن الأصغر مات أولاً، فلبنتيه درهمان، ولأخيه - وهو الأكبر - درهم واحد. ثم يقدر أنهما ماتا جميعاً فإذا ورثت ورثة كل واحد منهما ما كان حصل أولاً في يده من مال الأب الذي ورثه عنه، وما رثه هو من أخيه حصل لابنتي صاحب الدنانير - وهو الأكبر - ديناران بحق الإرث من مال أبيهما في الأصل ودرهم مما ورثه أبوهما عن أخيه، (وحصل لابنتي صاحب الدراهم - وهو الأخ الأصغر - درهمان بحق الإرث من مال أبيها الأصل، ودينار مما ورثه أبوهما عن أخيه). فإن كان هناك عصبة فثلث كل ما حصل لبنتي كل واحد منهما للعصبة.
ومثال آخر وهو مولى - هو المعتِق - ومولاه - وهو العبد المعتَق - ماتا جميعاً غرقاً ولم يدر أيهما مات أولاً وترك كل واحد منهما بنتين، فإنك تميت المعتَق أولاً، فلبنتيه الثلثان، ولمولاه المعتِق الثلث. ثم تميتهما جميعاً فلبنتي المعتِق الثلثان من مال أبيهما، والثلثان من الثلث الذي كان ورثه أبوهما عن عبده المعتَق، والباقي للعصبة إن كان عصبة، فإن لم يكن عصبة رد عليهما، ولبنتي العبد المعتق الثلثان من مال أبيهما.(1/777)
باب ميراث الخناثى
يعتبر حكم الخناثا بالمبال فإن سبق بوله من الذكر فهو ذكر، وإن سبق من القبل فهو أنثى، وإن سبق منهما جميعا فهو خنثى لُبسة.
وإذا كان ممن يحكم له بحكم الذكور فله من الإرث نصيب الذكور، وإن كان محكوماً له بحكم الإناث فله نصيب الإناث، وإن كان مشكلاً لم يحكم له بحكم الذكور ولا بحكم الإناث، فله نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى، سواء كان معه غيره أو لم يكن؛ إلا في مسئلة يستوي فيها الذكور والإناث، فإنه يكون له نصيب المفروض.
فإن كان الخنثى في موضع يَسْقُط فيه الذكر، فله نصف نصيب الأنثى، وإن كان في موضع تَسْقُط فيه الأنثى فله نصف نصيب الذكر، والمسئلة الأولى صورتها ما يذهب إليه في المشتركة، وهي أن تترك امرأة زوجاً وأماً وأخاً لأب وأم واختين لأم، فهاهنا يَسقط الذكر وهو الأخ لأب وأم؛ لأنه يأخذ بالتعصيب ولم يبق شيء تأخذه العصبة، ولو كان بدل هذا الذكر الذي يَسقط أنثى حتى يكون زوج وأم وأخت لأب وأم وأختان لأم، لكان للأخت للأب والأم النصف، وكانت الفريضة تعول بثلاثة أسهم، وإذا كان بدلها الخنثى يكون له نصف نصيب الأنثى وهو الربع، فتعول بسهم ونصف؛ لأنه لو كان ذكراً لكان نصف المال لسائر الورثة دونه، ولو كان أنثى لكان لها النصف فجعلناه بينهم وبينه.(1/778)
والمسألة الثانية أن يترك رجل ابن عم ومعه أخ له خنثى، فإنه يكون له نصف نصيب الذكر؛ (لأنه لو كان أنثى لم يستحق شياً، ولو كان ذكراً لكان له نصف جميع المال، فجعلنا له نصف نصيب الذكر )من حيث يستحقه من وجه، ولا يستحقه من وجه، فإن مات رجل وترك ولداً خنثى فله ثلاثة أرباع المال، والباقي للعصبة، والفريضة من اثني عشر سهماً. فإن ترك خنثى وبنتا فللخنثى النصف، وللبنت الثلث، والباقي للعصبة. فإن كان مع الخنثى أباً فللأب ثلث المال، وللخنثى الثلثان، على أصل يحيى عليه السلام؛ لأن للأب نصف المال في حال، وهو أن يكون الخنثى أنثى، وسدس في حال، وهو أن يكون الخنثى ذكرًا، والفريضة من ستة وله منها في حالٍ النصف وفي حالٍ السدس، وذلك أربعة فيكون له نصف ذلك، وهو اثنان من ستة، فيكون له ثلث المال/436/، وأما الخنثى، فإن كان ذكراً فله خمسة أسهم من ستة أسهم، وإن كان انثى، فلها النصف من المال، فإذا جمع بينهما يكون ثمانية، فيكون له نصفها، وذلك أربعة، وهي ثلثا المال. فإن ترك بنتاً وأختا لأبيه وأمه خنثى، فللبنت النصف والباقي للخنثى لأب وأم؛ لأن في هذا الموضع يستوي الذكر والأنثى في استحقاق الباقي من النصيب. وكذلك إن ترك أخاً لأمه وخنثى من أمه، فللخنثى مثل ما لأخيه؛ لأن في هذا الموضع يستوي الذكر والأنثى.(1/779)
فإن ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وأخاً لأبيها وأمها خنثى وأختين لأم، فللخنثى الربع، وتعول الفريضة بسهم ونصف؛ لأن الذكر يسقط في هذه المسألة على قولنا في المشتركة، وهو الأخ لأب وأم، فإن كان بدله خنثى، كان له نصف نصيب الأنثى لو كانت، وهي الأخت من الأب والأم، وهو نصف المال، فيجب أن يكون للخنثى الربع.
فإن مات رجل وترك ابن عمه، وأخاه خنثى، كان للخنثى ربع المال؛ لأن في هذا الموضع يسقط الأنثى، فيجعل له نصف نصيب الذكر؛ لأن الأنثى إذا كانت بنت عم سقطت، ولو كان له أخ سليم لكان له نصف المال، فجعلنا للخنثى نصف نصيبه وهو ربع المال.(1/780)
باب حكم المفقود فيما يورث منه و ما يرث
المفقود لا تتزوج امرأته حتى يصح موته، ولا يقسم ميراثه ولا يحكم بموته إلا بخبر يوجب العلم، أو بشهادة شهود، فإن اقتسم الورثة بخبر وَرَدَ عليهم، ثم انكشف أنه كان كذباً، رد كل واحد منهم ما أخذ، فإن كان حصل لواحد منهم عبد له في القسمة فأعتقه رد في الرق، وإن مات للمفقود من يرثه عزل نصيبه إلى أن يتبين أمره، فإن كان حياً استحقه وإن كان مات قبل ذلك لم يكن له وقسم بين ورثة الميت، فإن صح موته ولم يعلم أن موته تقدم على من يرثه أو تأخر عنه، كان الحكم في ذلك حكم الغرقى.(1/781)