قال: وإن كان على الميت دين فقضاه بعض الورثة من التركة، جاز على الجميع، وللوصي أن يبيع ما كان للميت من أصناف تركته لإنفاذ الوصية، فإن كان الورثة كباراً لم يكن له أن يبيع الضياع والعقار من تركة الميت إلا برضاهم وأذنهم، والمراد بذلك أنهم متى بذلوا من عندهم ما يكون وفاء بالوصية فهم أولى بها، وليس للوصي أن يبيع على الأيتام شيئاً من أموالهم إلا عن ضرورة وحاجة على سبيل الغبطة، فإن باع على غير هذا الوجه كان لهم أن ينقضوا البيع إذا بلغوا.
قال أبو العباس: لا يجوز بيع الوصي - على أصل يحيى عليه السلام - شيئاً بأقل من ثمن مثله، إلا بمقدار ما يتغابن الناس بمثله. وقال رحمه الله/410/: لا يجوز إقرار الوصي على الورثة، ويكون هو أحد الشهود - فيما يقر به - عليهم.
وقال: للوصي أن يوصي بما هو موصاً فيه إلى غيره إذا حضرته الوفاة، وليس له أن ينصب معه وصياً آخر عن الميت. وقال: إذا قال الموصي لغيره: أوصيت إليك. كان وصياً على العموم.
قال: ولو أوصى إليه بقضاء الدين واقتضائه كان وصياً في الكل.
قال السيد أبو طالب: فأمَّا ما رواه محمد بن القاسم في (الفرائض والسنن) عن أبيه أنه إذا أوصى إليه بشيء من ذلك كان وصياً فيه دون غيره، فإنه محمول عند أصحابنا على أنه خصه بتلك الوصية، فأوصى إلى غيره.
وإذا خرج رجلان في سفر، فمات أحدهما ولم يكن أوصى إلى الآخر، جاز له أن يكفنه تكفيناً وسطاً، فإن أسرف في ذلك ضمن الزيادة على الوسط.(1/737)
ولو أن رجلاً مات وخلف أولاداً كباراً وصغاراً ولم يوص إلى أحد، فجعل بعض السلاطين أو بعض الظلمة أمر الصغار إلى بعض الكبار، وجعله وصياً عليهم جاز تصرفه، كما يتصرف الوصي إذا لم يتعد الحق في ذلك، ولم يحف في تصرفه، وجميع ما يفعله الحي عن الميت من وجوه البر كالحج والصدقة والعتق فهو للحي الذي يفعله دون الميت، إلا أن يكون الميت أوصى به، فأما الزكاة فإنها واجبة من جميع المال كالدين، أوصى به الميت أو لم يوص، على أصل يحيى عليه السلام.
ولو أن رجلاً أوصى في وجه من الوجوه، فصرف الوصي ما أوصى به إلى وجه غير ذلك الوجه، كان ضامناً. قال السيد أبو طالب رحمه الله: فإن أوصى بأن يحج عنه فلانٌ، فصرفه الوصي إلى غيره، كان ضامناً. وإن أوصى بأن يحج عنه بألف درهم فحجج الوصي بما دونه، كان ضامناً، وإن حج بزائد جاز وكان الوصي متبرعاً بالزيادة.(1/738)
باب الوصايا المختلفة وبيان أحكامها
لو أن رجلا أوصى بثلث ماله في أحسن وجوه البر، وجب صرفه إلى الجهاد، فإن أوصى به في سبيل الله سبحانه، وجب صرفه إلى الجهاد وبناء المساجد وحفر القبور وبناء السقاية وما/411/ أشبه ذلك من الأمور التي يكون موضوعها القُرَبُ، على قياس قول يحيى عليه السلام.
وإن أوصى به للفقراء وكان له أب فقير، جاز أن يعطيه الوصي منه، وكان أحق به، فإن أوصى لفقراء أهل بيته ولم يوجد فيهم فقير، وجب صرفه إلى سائر فقراء المسلمين.
فإن أوصى به لأقاربه صرف إلى أقاربه من قبل أبيه وأمه، ويسوى فيه بين الذكر والأنثى، ويجب أن يعتبر في ذلك أقرباه الذين ينسبون إلى الأب الثالث إلى آخر ما تناسلوا من الموصي، على قياس قول يحيى عليه السلام.
فإن أوصى لقرابته وهم لا يحصون ولم يشترط للفقراء، فالوصية جائزة، على أصل يحيى عليه السلام.
وإذا أوصى بجميع ماله ولا وارث له، صحت الوصية، على أصل يحيى عليه السلام.
وإذا أوصى لرجلين بثلث ماله، فمات أحدهما قبل موت الموصي، بطلت الوصية بنصف الثلث، ورجع إلى ورثة الموصي.
ولو أن رجلاً أوصى لرجل بثلث ماله كله من ناض وعرض وعقار، كان الموصَى له شريكاً للورثة في ذلك، يضرب معهم بسهمه في جميعه، وليس للورثة أن يعطوه عوضاً عن شيء منه إلا برضاه، فإن أوصى له بمال معلوم، لم يشاركهم في سائر أصناف الأموال، ولزمهم أن يبيعوا من التركة بما يكون وفاء بما أوصى له ويعطوه.(1/739)
ولو أن رجلاً أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصفه، فإن أجازه الورثة جاز، وإن امتنعوا من إجازته كان الثلث بينهما على خمسة أسهم، لصاحب النصف ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهمان.
قال أبو العباس رحمه الله: وإن أوصى بكل ماله، وبنصفه، وثلثه، فإن أجازوا أخذتَ مالاً له نصف وثلث، وذلك ستة أسهم، فتقسم على أحد عشر سهماً - على أصل يحيى عليه السلام -، فيكون لصاحب الكل ستة أسهم، ولصاحب النصف ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهمان، فإن لم يجيزوا، فالثلث بينهم على أحد عشر سهماً كما وصفنا.
قال رحمه الله: وإن أوصى بكله وبثلثيه وبنصفه وثلثه، قسم ماله إن أجازوا - على أصل الهادي عليه السلام - على خمسة عشر سهماً، لصاحب الكل ستة، ولصاحب الثلثين أربعة، ولصاحب النصف/412/ ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان، فإن أبوا فالثلث على هذا.
وقال: وفإن أوصى بنصفه وثلثه وربعه، فإن أجازوا ، كان المال مقسوماً بينهم - أو الثلث منه إن لميجيزوا - على ثلاثة عشر سهماً، على أصل يحيى عليه السلام.
وقال أبو العباس رحمه الله: إذا أوصى رجل لرجل بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد، فإن المال بين الابن والموصى له نصفان إذا أجاز. فإن كان له ابنان وأوصى بمثل نصيب أحدهما، كان له ثلث المال، وعلى هذا إن كثر الأولاد أو قلوا، يكون للموصى له مثل نصيب أحدهم، ولو ترك بنين وبنات، وأوصى لرجل بمثل نصيب إحداهن وزيادة شيء، أو مثل نصيب أحدهم إلا شيئاً، إن كانت الوصية أكثر من الثلث، كان الأمر فيه إلى الورثة، فإن أجازوها جازت، وإن ردوها ردت إلى الثلث، فيقسم على الموصى لهم على قدر ما أوصى لهم به.(1/740)
قال أبو العباس: ولو أوصى بضعفي أو ضعف نصيب أحد بنيه أو بناته، فهو مثل ما يوصي بمثلي نصيبه، على أصل الهادي عليه السلام.
ولو أوصى بأضعاف نصيب أحدهم كان للموصى له ثلاثة أمثال نصيبه، فإن قال: أضعاف نصيبه مضاعفة فستة أضعاف، فإن قال أضعاف الأنصبا، كان له تسعة أمثال نصيبهم، فإن قال: أضعاف الأنصبا مضاعفة، كان ثمانية عشر مِثلاً.
وقال رحمه الله: إذا كان له ابنان، فأوصى بمثل نصيب أحدهما لواحد، ولآخر بثلث المال، فإن لم يجيزوا جعل الثلث بينهما، على أصل الهادي عليه السلام على خمسة أسهم، للموصى له بمثل نصيب أحدهما سهمان، وللموصى له بثلث المال ثلاثة أسهم.
قال زيد بن علي عليه السلام في (مجموع الفقه) : لو أن رجلا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بربعه، يؤخذ مال له ثلث وربع، وهو اثنا عشر، فالثلث منه أربعة، والربع ثلاثة، فيكون ثلثه بينهما على سبعة.
وقال أبو العباس: إن أوصى لرجل بغلة بستانه، فله ما فيه من الغلة، على أصل يحيى عليه السلام، فإن لم يكن له فيه غلة لم يكن له ما يَحدث من غلة، إلا أن يقول: أبداً، أو يقول: ما يحدث من غلة/413/، وكذلك خدمة العبد وغلة الدار، وكذلك إن أوصى بما تحمل به هذه الأمة، أو هذه الدابة.
قال رحمه الله: ولو أوصى له بشيء من ماله، أو قال: اعطوه مالاً من مالي. فالورثة يعطونه ما شاؤا، على أصل يحيى عليه السلام.
وقال: فإن أوصى له بمال كثير حُمل على مال الزكاة، على أصل يحيى عليه السلام.(1/741)