قال أبو العباس رحمه الله: لا يجوز للمسلم أن يوصي إلى ذمي، ويجوز للذمي أن يوصي إلى المسلم، على أصل يحيى عليه السلام. وقال: لا يجوز له أن يوصي إلى عبده، على أصل يحيى عليه السلام. وقال في موضع آخر: إن أوصى إلى عبد لغيره مأذون له، جاز إلا أن يموت مولاه قبل موت الموصي.(1/732)
باب ما تجوز الوصية به وما لا تجوز
لكل موص أن يوصي في ماله إلى الثلث، وليس للورثة رده ولا نقضه، فإن أوصى بأكثر من الثلث فالإختيار فيه إلى الورثة، فإن أجازوا الزائد على الثلث صح ذلك، وإن لم يجيزوا كان مفسوخاً، فإن أوصى بأكثر من الثلث وأجازه بعض الورثة ولم يجزه بعضهم، جاز من ذلك ما يخص حصة من أجازه، فإن استأذن الموصي ورثته في أن يوصي بأكثر من الثلث، فأذنوا له في ذلك، وأجازوا وصيته به في حال حياته، لم يكن لهم الرجوع فيه بعد موته، هذا الذي نص عليه في (الأحكام) ، وقال في (الفنون) : لهم أن يرجعوا فيه بعد موته. قال القاسم عليه السلام - فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة (بعد موته)، من غير أن يعلموا أنه أكثر من الثلث -: فلهم أن يرجعوا فيما زاد عليه.
وإذا مات الرجل بُدئ من تركته بما يحتاج إليه من تكفينه ودفنه، ثم بدينه إن كان عليه دين، ثم بالوصية إن كان أوصى.
ولو أن رجلا أوصى لرجل بشيء، فمات الموصى له قبل الموصي، بطلت الوصية.
قال أبو العباس: فإن أوصى لرجل أو لرجلين فمات بعضهم، أو أبا قبولها بطلت الوصية في نصيب الميت والآبي، وجازت في نصيب الباقي والقابل.
قال أبو العباس: الوصية جائزة للحمل، وجائزة لمافي البطن، على أصل يحيى عليه السلام.
ولو أن رجلاً أوصى لعبده بثلث ماله، صحت الوصية وعتق هو بها، فإن كانت قيمته زائدة على الثلث سعى في الزائد للورثة، وإن كان الموصي لا مال له سواه، سعى في ثلثي قيمته/408/. قال أبو العباس: ولا يشبه هذا أن يوصي له من جملة تركته بشيء معين من دراهم أو دنانير أوغير ذلك، في أن الوصية تبطل.(1/733)
ولو أن رجلاً أوصى بثلث ماله لمساكين معروفين معدودين، وجعل عبده كأحدهم صحت الوصية في جميعهم، وعتق العبد بحصته من الوصية، فإن زادت قيمته على حصته، سعى في الزائد منها. فإن أوصى لمساكين غير معينين ولا معدودين، وجعل عبده كأحدهم بطلت الوصية للعبد، ولم يعتق. ومن أوصى بوصية فله أن ينقضها ويبطلها، وله أن يثبتها ويزيد فيها وينقص منها.
وقال في (المنتخب) : إذا كانت الوصية مبهمة، مثل أن يقول للشهود: اشهدوا أن ثلث مالي لفلان، ولم يقل: إن مت، فهي كالهبة لا يجوز له إذا بريء من علته أن يعود فيها. قال أبو العباس رحمه الله: الوصية التي له تغييرها أو الرجوع عنها - على أصل يحيى عليه السلام - هي التي يحيلها على موته، نحو أن يقول: اعتقوا فلاناً من عبيدي بعد موتي، وأعطوا فلاناً كذا وكذا من مالي. فأما ما لا يحيله على موته، فإنه تجوز وصيتهلأنه يراعى فيه الثلث، كالتدبير والمحاباة في البيع في حال المرض، والهبة في حال شدة العلة، وكذلك ما تفعله الحامل إذا أتى عليها من المدة ما يجوز أن تضع عندها، وهو بعد مضي ستة أشهر، فلا رجوع فيه.
ولو أن رجلاً أوصى بوصية، ثم أوصى بعد ذلك بمدة طويلة أو قصيرة في حال صحته أو مرضه بوصية أخرى، ولم يذكر في الأولى نقضاً ولا إثباتاً، كانت الوصيتان ثابتتين، فإن اختلفتا نظر في الثانية، فإن كان فيها ما يقتضي رجوعاً عن الأولى أو عن بعضها، حكم ببطلان ذلك وأثبتت الثانية.
ولا تصح الوصية للقاتل.
وحكى علي بن العباس عن القاسم عليه السلام وأحمد بن عيسى أن الوصية لأم الولد جائزة.(1/734)
ولو أوصى ذمي بخمر أو خنزير صحت الوصية، على قياس قول يحيى عليه السلام. وإذا أوصى مسلم لذمي بمصحف أو دفتر فيه ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تصح الوصية، على أصل يحيى عليه السلام.(1/735)
باب ذكر ما تثبت به الوصية وما يجوز للوصي فعله وما لا يجوز
الوصية تثبت بقبول الوصي لها، وإذا أوصى رجل إلى رجل آخر، فقبل الوصية كان له أن يخرج منها في حال حياة الموصي، وليس له ذلك بعد موته، فإن أوصى إلى رجل غائب فقبل الوصية حين بلغه ذلك، لم يكن له أن يخرج منها من بعد، فإن لم يقبلها لم تلزمه.
ولو أن رجلاً أوصى إلى رجلين وله أولاد صغار وعليه دين وعنده ودائع، فلا بأس لأحد الوصيين أن يقوم بذلك كله دون الآخر، إذا حضر هو وغاب صاحبه.
ولو أن رجلاً أوصى إلى رجلين أو ثلاثة وهم غُيَّب، فلما بلغتهم الوصية قبلها واحد منهم دون الآخرين، صحت الوصية له، وكان وصياً في جميع المال.
قال أبو العباس: وصي الأب هو الذي يختص بأن يكون له ولاية على الصغار، وهو أولى من الجد الذي هو أب الميت. فأما وصي الأم أو الأخ أو العم، فلا ولاية له على الصغار، وإنما يلي على الصغار مثل ما يليه وصي الأب على الكبار. قال: وإذا لم يكن وصي فالجد أولى بهم من سائر القرابات.
قال رحمه الله: واستيفاء الديون إلى الوصي، فإن استوفى بعض الورثة الكبار نصيبه، وجب أن يشرك فيه سائر الورثة، أو يأخذوا لهم أيضا ممن هو عليه.
قال: فإن إبتاع هذا الذي استوفا نصيبه شيئاً من ذلك، فلسائر الورثة تضمينه لما كان استوفاه من الذهب والفضة، ولا يتبعوا المبتاع فيما ابتاعه بشيء.(1/736)