وكذلك إن أوقف كلباً أو سبعا أو وضع حية أو عقرباً في طريق المسلمين فجنت، كان الضمان على الواقف والواضع، فإن زال الكلب أو السبع عن مكانه فجنى، أو انسابت الحية أو دبت العقرب عن مكانها إلى مكان آخر فجنتا، لم يكن على صاحبهما ضمان، على أصل القاسم ويحيى عليهما السلام.
ومن ركض دابته في شارع من شوارع المسلمين فصدم بها، ضمن ما عنت بصدمته، فإن ركضها في خلا من الأرض أو في ملكه لم يضمن، وإن جنت دابة على رجل في ملك صاحبها، لم يضمن صاحبها، وكذلك لو جنت وهي في المرعى.
قال أبو العباس رحمه الله: إذا جنت دابة بيدها أو رجلها وقد ركبها راكب يسير بها، فضمان جنايتها على الراكب. قال: فإن كان راكبها واحد وآخر يسوقها وآخر يقودها، فوطئت رجلاً فمات، كانت الدية على عواقلهم أثلاثاً في ثلاث سنين، فإن كان الرجل راكب دابة فنخسها رجل فجنت بيدها أو رجلها، كان الضمان على الناخس، وكذلك لو ألقت الراكب كان الناخس ضامناً، فإن ضرب الرجل الدابة أو كبحها باللجام فجنت لم يضمن الراكب، على أصل يحيى عليه السلام.
ولو أن رجلا كان باب داره إلى شارع من شوارع المسلمين فرشه، فزلق بذلك الرش بعض المجتازين فسقط ومات أو اندق بعض أعضائه، ضمن الراش ديته أو أرشه، وكذلك إن أخرج من حده شيئاً إلى طريق المسلمين، أو حفر بئراً، أو أحدث حدثاً فعنت فيه عانت أو تلف تالف/398/ لزمه ديته، فإن فعل شيئاً من ذلك في ملكه لم يضمن.
ولو أن رجلا دفع رجلاً على ثوب، فانخرق الثوب، كان ضمانه على الدافع دون المدفوع، إلا أن يكون من المدفوع جناية أيضا.(1/717)


ولو أن دابة دخلت زرع قوم وأفسدته، فإن كان ذلك ليلاً ضمن صاحب الدابة لصاحب الزرع ما فسد من زرعه، وإن أفسدته نهاراً لم يضمن. ولو أن صاحب الزرع عدا على الدابة فقتلها أو جرحها أو قطع عضواً منها، ضمن لصاحب الدابة ما فعل من ذلك ليلاً كان فسادها لزرعه أو نهاراً، فإن أخذها وحبسها ليلة فتلفت على أي وجه كان من التلف، لم يضمنها إذا لم يكن تلفها بجناية منه.
قال القاسم عليه السلام: لو أن رجلا أشعل النار في زرع له في أرضه، فتعدت إلى زرع غيره فأحرقته، فلا ضمان عليه.
ولو أن رجلا سقط من سطح أو شبهه على رجل، فمات الرجل المسقوط عليه، وكان الذي سُقِط في مسجد أو شارع أو ما أشبهه، ضمن الساقط ديته، فإن ماتا جميعاً، ضمن الساقط دية من سقط عليه، وبطلت دية الساقط.
ولو أن شيخاً جامع امرأته فلكزته أو ضمته ضماً شديداً أو فعلت ما أشبه ذلك، فمات فعليها الدية.
ولو أن معلماً ضرب صبياً أو أفزعه هو أو غيره، فمات الصبي ضمن ديته.
قال محمد بن يحيى عليه السلام: لو أن رجلاً أدرك رجلاً وقد صعد نخلة ليسرق من ثمرها، فزجره، فسقط السارق ومات، لم يلزمه شيء.
ولو أن رجلا أفزع امرأة حاملاً فألقت ما في بطنها ضمنه المفزع.(1/718)


ولو أن رجلا استحفر بئراً رجلاً في ملكه، فحفر له فعطب فيها عاطب، فلا ضمان على المستحفر ولا على الحافر، فإن استحفره في شيء من طرق المسلمين فعنت فيه عانت، ضمنه الحافر دون المستحفر، إذا علم الحافر ذلك، فإن كان الحافر عبداً للمستحفر كانت جنايته في رقبته، فإن شاء مولاه فداهبها وإن شاء سلمه، وإن كان عبداً لغيره وكان مأذونا له في أن يؤجر نفسه، كانت جنايته في رقبته أيضا، وليس لسيده أن يرجع على المستحفر/399/ بما لزمه، فإن كان غير مأذون له رجع على المستحفر بما لزمه، مالم يتجاوز رقبته، فإن تجاوزها لم يرجع في الزيادة.
ولو أن رجلاً استعان بصبي أو مملوك، بغير إذن ولي الصبي أو مولى المملوك، فعطب منه الصبي أو المملوك، ضمنه المستعين.
ولو أن سفينتين تصادمتا فغرقتا، ضمن أصحاب كل واحدة منهما ما تلف في الأخرى، وإن كانت إحداهما هي الصادمة للأخرى، ضمن أصحابها المصدومة. قال القاسم عليه السلام - فيما حكاه عنه علي بن العباس -: إذا اصطدم فارسان فقتل كل واحد منهما صاحبه، فدية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه، فإن مات احدهما دون الآخر، فدية الميت على عاقلة الحي، فإن كان أحدهما حراً والآخر عبداً فمات، فقيمة العبد على عاقلة الحر، ثم يأخذها ورثة الحر، ولا شيء لمولاه، على أصل يحيى عليه السلام.
وحكا علي بن العباس إجماع أهل البيت عليهم السلام على أن من قال لغيره: اقتلني، أو اقتل ابني، أو اقطع يدي. لزمه القصاص، ولا حكم لهذا الأذن.(1/719)


قال يحيى في (المنتخب) في الصبي إذا افتض مرأة، أن على عاقلته عقرها، فإن كانت جارية مملوكة كان عليه عقرها، وهو عشر قيمتها ويلزم ذلك عاقلته، فإن لم يكن له عاقلة، ففي ماله، فإن لم يكن له مال ففي بيت مال المسلمين.
قال محمد بن يحيى رضي الله عنه في (مسائل العوقي) : لو أن رجلا تزوج امرأة بكراً، فافتضها فهلكت من أجل ذلك، إن كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها وهو يظن أن ذلك جائز، كان ذلك خطأ وعليه الدية.
وقال في (مسائل مهدي) : لو أن طبيباً أعطا إنسانا دواء غير ما سأله، فشربه الرجل فهلك، إن كان هذا الدواء يقتل مثله، فإن كان تعمد فعليه القود، وإن كان خطأ فعليه الدية.
وقال في هذه المسائل: لو أن صبياناً أوقدوا ناراً يلعبون بها، ثم ذهبوا أو تخلف أحدهم لغير حاجة، فاحترق بالنار، فليس على آباء الصبيان شيء.
وقال أيضا في هذه المسائل: لو دفع رجل ابنا له صغيراً في داره إلى ولد أكبر منه ليحفظه، واشتغل الأب بالمعاش، وغفل الصبي عن أخيه فتلف/400/، لم يلزمه للأب شيء.
وقال فيها: لو أن امرأة كان في حجرها ولدها فوضعته في بيتها، وكان قريبا منه كانونفيه نار، فخرجت المرأة في حاجة ووقع الصبي في النار، لم يكن عليها شيء إذا لم تعرضه للتلف.
ولو أن رجلا أخرج جناحاً من داره إلى طريق، ثم باع الدار فأصاب الجناح رجلاً فقتله، فالضمان على البائع، على أصل يحيى عليه السلام، وكذلك الميزاب إذا أخرجه.(1/720)


باب مقادير الدية وكيفية أخذها
الدية أصناف: إبل، وبقر، وشاء، وذهب، وفضة، ويؤخذ كل صنف منها من أصحاب ذلك الصنف.
والإبل مائة تؤخذ من أصحابها. والبقر مائتان تؤخذ من أصحابها. والشاء ألفان تؤخذ من أصحابها. والفضة عشرة آلاف درهم، تؤخذ من أصحابها.
والدية في النفس وما دونها تؤخذ أرباعاً، فربع جذاع وربع حقاق وربع بنات لبون وربع بنات مخاض.
ودية الرجل والمرأة في ذلك سواء، وكذلك تؤخذ دية الموضحة - فصاعداً - أرباعاً، كما نص عليه في (الأحكام) ، وفي رواية (المنتخب) قال: في الموضحة وفي السن خمس من الإبل، جذعة وحقة وابنة لبون وابنة مخاض وابن مخاض، وفي الأصبع عشر من الإبل، جذعتان وحقتان وابنتا لبون وابنتا مخاض وابنا مخاض.
والقتل عمد وخطأ، وشبه العمد لا معنى له، ولا لتغليظ الدية لأجله.
والدية الكاملة تؤخذ في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها، ونصف الدية تؤخذ في سنتين، وثلثا الدية في سنتين، وكذلك ثلاثة أرباعها، وثلث الدية تؤخذ في سنة واحدة، وكذلك ما ينقص عن ثلث الدية يؤخذ في سنة واحدة. ومن لزمته ديات عدة أخذها كلها في ثلاث سنين، وسواء كانت الدية مأخوذة من العاقلة أو من مال الجاني، فإنها يجب أن تؤخذ في ثلاث سنين.(1/721)

144 / 168
ع
En
A+
A-