قال محمد بن يحيى - فيما حكى عنه أبو العباس -: من أكره رجلاً على قتل رجل فقتله خيفة توعده بالقتل، قُتِل المكرِه دون القاتل إذا قدرعلى ما توعده به، إلا أن لايقدر، فيقتل القاتل.
وقال/388/ محمد بن يحيى عليهما السلام: لو أن رجلاً تهدد رجلاً بالقتل، فخاف المتَهَدَّد أن يقتله المتَهَدِّد إن لم يقتله فقتله، من غير أن يكون منه إقدام عليه، لزمه القود، على أصل يحيى عليه السلام.
ولو أن ذمياً قتل مسلماً ثم أسلم، كان عليه القود، على أصل يحيى عليه السلام.
وإذا اشترك رجل وصبي في قتل رجل عمداً، فعلى الرجل القود، وعلى الصبي الدية تلزم عاقلته. قال أبو العباس رحمه الله: يعني: نصف الدية؛ لأن جنايته تقتضي نصف الأرش لحال الإشتراك.
ولو أن رجلا فقأ من ثلاثة أنفس ثلاثة أعين، فاجتمعوا على فقئ عينه، فقؤا منه عيناً واحدة وأخذوا منه دية عينين، يقتسمونها بينهم أثلاثاً.
وإذا قطع رجل يد رجل، فسرىإلى النفس، قطعت يده، ثم يقتل إن لم يمت من القطع، على ظاهر نص يحيى عليه السلام.(1/702)


باب ما يوجب سقوط القصاص
إذا قتل المسلمُ كافراً ذمياً أو غير ذمي فلا قود عليه، وإذا قتل الحر مملوكاً فلا قود عليه. وقول يحيى عليه السلام: إلا أن يقتله على وجه التمرد. محمولٌ على من يجعل قتل العبيد عادة يقصد به الفساد في الأرض، ويكون في حكم المحاربين فيلزمه القتل على وجه الحد، لا على سبيل القود.
وإذا قتل الأب ابنه فلا قود عليه، وتلزمه الدية لسائر الورثة، ولم يرث هو منها شيئاً، ولا من إرثه، فإن قتل الابن أباه قُتل به. وحكا على بن العباس إجماع أهل البيت عليهم السلام على أن الأم بمنزلة الأب في ذلك، فلا تقتل بولدها، وأن الجد أب الأب بمنزلة الأب، وأن الجدة أم الأم بمنزلة الأم.
ولو أن جماعة قتلوا رجلاً عمداً فعفى ولي الدم عن بعضهم، سقط القود عنهم، ولم يكن له أن يقتل الباقين، وله أن يأخذ من كل واحد منهم دية كاملة، وإن قتل بعضهم ثم عفى عن الباقين صح العفو.
ولو أن أولياء قتيل ادعوا على رجل أنه قتله خطأ، وقال المدعى عليه بل قتلته عمداً فلا قود عليه ولا دية، إلا أن يصدقوه فيلزمه القود، أو يقر بالخطأ فتلزمه الدية.
ولو أن رجلاً قتل رجلاً عمدا أو/389/ خطأ، ثم علم أنه كان قتل أباه أو أخاه، فلا قود عليه ولا دية.
ولا قصاص في المنقلة، ولا في الهاشمة، ولا في الآمة، ولا في الجائفة، ولا في قطع الرجل أو كسرها من الساق، ولا في قطع اليد أو كسرها من العضد، ولا في كسر شيء من العظم، ولا قود في شيء من الخطأ، ولا قود على الصبي والمجنون في شيء من فعلهما، وعمدهما خطأ.
ومن اقتُصَّ منه فيما دون النفس فمات، فلا شيء على المقتص له.(1/703)


ولو أن رجلا جرح رجلاً فأشهد المجروح على نفسه أنه لم يجرحه، ثم مات، فلا شيء على الجارح، وإن أقيمت البينة عليه بالجناية لم تسمع، على أصل يحيى عليه السلام.
قال القاسم عليه السلام - فيما حكا عنه علي بن العباس -: من قطع رأس ميت فلا شيء عليه. يعني بقوله أنه لا شيء عليه من قود أو دية.
وقال القاسم عليه السلام: لو أن رجلاً راود امرأة على الفجور بها، ولم تتمكن الإمرأة من دفعه عن نفسها إلا بقتله، فقتلته، فلا قود عليها ولا دية.
وإذا أمسك رجل رجلاً حتى ذبحه آخر، فالقود على الذابح، على ظاهر إطلاق يحيى عليه السلام.
ولو أن رجلاً عض على يد رجل ظالماً، فانتزع المعضوض يده من فيه فقلع سناً من أسنانه، فلا قصاص عليه ولا دية.
ولو أن رجلاً ضرب رجلاً بالسيف فعفى عنه المضروب قبل أن يموت، ثم مات، سقط القود عن الجاني، ويكون عفوه وصية، فإن كان له مال تخرج ديته من ثلثه فلا شيء على الجاني، وإن لم يبلغ ثلث ماله كمال الدية سقط من ديته قدر الثلث.(1/704)


باب كيفية استيفاء القصاص
لو أن رجلا قتل رجلاً عمداً بسهم رماه به أو جرحه جرحاً أو ضربه، لم يكن لأولياء المقتول أن يفعلوا به مثل ما فعله.
وإذا قُتل الرجل وله أولياء غير بالغين انتظر بلوغهم، فإذا بلغوا إن شاؤا قتلوا أو أخذوا الدية، وإن صولحوا على شيء دون الدية جاز، فإن كان في الورثة كبار وصغار لم يكن للبالغين منهم أن يقتصوا من القاتل حتى يبلغ الصغار، فيختاروا القود أو الدية، على أصل يحيى عليه السلام. فإن قتله البالغ فلا قود/390/ عليه على أصله وتلزمه الدية سوى قسطه منها.
ولو أن رجلاً قتل رجلاً عمداً وعفى عنه بعض أولياء الدم، سقط القود عنه وعليه الدية، فإن كان مَن عفى عنه من القتل أسقط نصيبه من الدية سقط ذلك عنه، وكان للباقين أن يطالبوه بحصصهم من الدية.
ومن وجب عليه القصاص أو حد من الحدود قبل أن يجري عليه حكم الإمام و يملك موضعه، ثم رفع إلى الإمام، فإنه يستوجب عليه القصاص ولا يقيم عليه الحد.
ولو أن رجلاً جنى على رجل جناية توجب القصاص في النفس أو دونها، ثم مات الجاني قبل استيفاء القصاص أو قتل، وجبت الدية في مالهوتؤخذ من ورثته، على أصل يحيى عليه السلام.
ولو أن رجلاً شاهد رجلاً يقتل من هو ولي دمه كالأب أو غيره، ولا وارث له غيره فقتله، فلا شيء عليه، وكذلك إذا أقر بأنه قتله، فإن شهد شاهدان بأنه قتله لم يجز له أن يقتله حتى يحكم به الحاكم، على أصل يحيى عليه السلام.(1/705)


قال أبو العباس: من أصاب من جوارح الغير جارحة فيها قصاص، فإنه لا يجوز أن يقتص مما يخالفها، نحو من قطع من الغير رجله اليمنى أو يده اليمنى، فإنه لا يجوز أن يقطع منه اليسرى، وكذلك لا تؤخذ العين اليمنى بالعين اليسرى، ولا اليسرى باليمنى. فإن قطع رجل كف رجل من المفصل من يده اليمنى ثم قطع من آخر اليد اليمنى من المرفق، واجتمعا على طلب القصاص، قطعت كفه من المفصل للأول، ويخير الثاني بين أن يقطع ما بقي إلى المرفق، وبين الدية، وكذلك لو قطع أصبع رجل من يمناه ثم قطع يمين آخر، قطعت أصبعه وخير صاحب اليد بين قطع يمناه وبين الدية، على أصل يحيى عليه السلام.
قال محمد بن يحيى رضي الله عنه: لو أن رجلاً قتل قوماً عمداً ثم أراد الإقادة من نفسه، فإن كانوا أولياء المقتولين في بلد واحد جمعهم وأقادهم من نفسه، فإن عفوا جاز، وإن عفى بعضهم وقتل بعضهم جاز، وإن كانوا غيباً كتب إلى جماعتهم.
ولا يقتص من الجراح إلا بعد البرؤ، وينتظر ذلك، فإن كان دم العمد بين اثنين فشهد أحدهما على الآخر بأنه قد عفى عن القاتل، وأنكر المشهود عليه ذلك، سقط القود عن القاتل، وللشاهد والمشهود/391/ عليه الدية، على أصل يحيى عليه السلام.(1/706)

141 / 168
ع
En
A+
A-