باب الحكم بشاهد ويمين، والحكم بالنكول، وطلب المدَّعى عليه يمين المدعي، وذكر سائر ما تجب فيه اليمين
يُقْضى للمدعي بشاهد واحد ويمين في الأموال والحقوق، ولا يقضي بهما في الحدود والقصاص، على أصل يحيى عليه السلام.
وإذا لم يكن للمدعي بينة وطلب يمين المدَّعى عليه، فنكل عن اليمين، حُكم عليه بما ادعاه بالنكول، فإن طلب المدعى عليه يمين المدعي كان ذلك حقاً له، ويلزم المدعي أن يحلف له، وإذا طلب المدعى عليه يمين المدعي بعد إقامة البينة على ما ادعاه أنه حق واجب له يلزمه أن يحلف، على أصل يحيى عليه السلام.
فإن حلف الناكل بعد النكول سمعت يمينه، وسقط عنه الحق الذي ادعي عليه، وإذا ادعى رجل على غيره حقاً وأنكره المدعى عليه وحلف، ثم أتى المدعي بالبينة سمعت بينته وحكم بها. وقول يحيى عليه السلام: إن كان قال للحاكم: حلفه لي على أني أبريه مما أدعيه. فحلفه الحاكم على ذلك، ثم أتى المدعي بالبينة لم تقبل تلك البينة، ولم يحكم له بها. فإنه محمول/341/ على وجه بينته في (الشرح) .
وإذا ادعى رجل على ورثة رجل أنه كان له أو لأبيه حق على أبيهم، أو ادعى وصية أو غيرها، وأتى بشاهد واحد على ذلك وحلف، استحق ما ادعاه، على أصل يحيى عليه السلام.
ولو ادعى رجل على رجل أنه سرق من حرز ما يجب فيه القطع، وأقام عليه شاهداً واحداً وحلف مع الشاهد، استحق المال، ولم يجب القطع، على أصل يحيى عليه السلام.(1/622)
وإذا ادعى رجلان شيئاً ولم يكن لواحد منهما بينة ولا مدعي له سواهما، قسم بينهما نصفين، سواء كان في أيديهما أو في يد غيرهما ممن لا يدعيه، فإن طلب كل واحد منهما من صاحبه يميناً حلف كل واحد منهما.
وإذا ادعى رجلان داراً وادعى كل واحد منهما أنه اشتراها من مالكها وهو فلان بثمن معلوم ونقده الثمن، وأقام البينة على ذلك، وكانت البينة متضمنة للتأقيت وأحد الوقتين متقدم على الآخر، فالبينة بينة من يشهد له بالوقت الأول ويحكم له بالدار، ويرجع الآخر بما وزنه من الثمن على البائع، على أصل يحيى عليه السلام.(1/623)
باب ما تلزم فيه اليمين وما لا تلزم وذكر كيفية اليمين
إذا كانت الدعوى في الحقوق يحلف فيها المدعى عليه، وإن كانت في الزنا والسرقة أو شرب الخمر؛ فإنه لا يحلف فيها المدعى عليه، ويحلف في غيرها من الدعاوى، ولو أن مدعياً من رجل أو امرأة ادعى منرجل نسباً يوجب النفقة، فإن جاء ببينة ثبت النسب ووجبت النفقة، وإن لم يكن له بينة حلف المدعى عليه وبرئ، وإن نكل عن اليمين لزمته النفقة ولم يثبت النسب.
ومن ادعي عليه حق يخصه ولايتعلق بغيره فأنكره، فعليه اليمين على القطع، ومن ادُّعي عليه حق من جهة غيره، نحو أن يُدَّعى عليه أنه كان على مورِّثه - من أب أو غيره - دين أو حق من الحقوق، يلزمه الخروج منه إليه، فعليه اليمين على علمه لا على القطع.
وإذا كانت الدعوى في حقٍ واحد ففيها يمين واحدة، سواء كان المدعون جماعة أو واحد. وإذا كانت الدعوى في حقوق مختلفة لزم المدعى عليه أن يحلف على كل دعوى يميناً إذا أنكر.
وإذا ادعى/342/ مملوك على سيده أنه أعتقه أو دبره أو كاتبه كانت عليه البينة، فإن لم يكن له بينة فعلى سيده اليمين، فإن نكل السيد عن اليمين كان للعبد ما ادعاه، واليمين التي يحلف بها - من يتوجه عليه في الحكم اليمين - هي أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو. فإن قال: والله. أجزاه.
قال أبو العباس: وإذا ادعى رجل داراً في يد رجل، فأقر مَنْ في يده الدار أنها لفلان هذا وهو حاضر وقبل الإقرار، لم يكن على المقر يمين، على أصل يحيى عليه السلام. وعلى هذا لو أقر لولده الصغير بشيء فلا يمين عليه، وإن كان تسمع البينة على الأب؛ لأن قبوله عنه وله صحيح.(1/624)
قال رحمه اللّه: وإذا ادعى المشتري إنْظار البائع له بالثمن فعليه البينة، وعلى البائع اليمين.(1/625)
باب ذكر من يصح اقراره ومن لا يصح وذكر أنواع الإقرار
كل بالغ عاقل حر أقر بحق عليه مختاراً غير مكره صح إقراره ولزمه ما أقر به، (ومن لايكون بالغاً أو كان مجنوناً أو مكرهاً فلا يصح إقراره، وإن كان سكراناً مغلوباً على عقله لم يصح، وإن كان يعقل ما يقوله صح إقراره)، والصبي المأذون له في التجارة يجوز إقراره فيما يتصل بالتجارة من بيع أو شراء، على أصل يحيى عليه السلام.
ولا يصح إقرار الهازل الذي يُعلم أنه غير قاصد إلى معناه، ومن أقر بشيء وعُلم أنه كاذب فيه، فإن إقراره لا يصح، نحو أن يقر بقتل رجل قد عُلم أنه قتل قبل مولده، أو إتلاف مال قد علم أنه أتلف قبل مولده، أو يقر لمن يقارنه في السن أنه أبوه أو ابنه، أو يقر بذلك لمشهور النسب من غيره، على أصل يحيى عليه السلام.
والإقرار يتنوع نوعين: إقرار بحق اللّه، وإقرار بحق الآدميين. والإقرار بحق الآدميين ينقسم، فمنه: إقرار بالمال، ومنه إقرار بغيره، كالنسب والنكاح والطلاق. فمن أقر بحق من حقوق اللّه يلزمه ما أقر به، نحو أن يقر بالزنا أو السرقة أو شرب الخمر، إلا أنه إذا رجع عن إقراره بذلك قُبِل رجوعه ودُرِئ عنه الحد، وفي الزنا يثبت الحد بأن يقر أربع مرات، وفي السرقة يثبت بأن يقر مرتين. وإذا أقر بحق من حقوق الآدميين لم يُقبل فيه الرجوع.
قال أبو العباس: إذا كان من عليه الحق عاجزاً عن الإقرار لعَيِّه أو ضعفه فأقر وليُّه عنهجاز إقراره/343/ على سبيل التوكيل.(1/626)