[ 41 ]
هو أحق الحقائق، فيجريه في القصاص والنكاح والمواريث والاحكام مجرى غيره من أحرار أهل الملة والاسلام فيخالف في ذلك حكم الرحمن ويواجه فيما أخرجه الله منه في كل شأن ويورثه أموال أحرار المسلمين وهو عند الله فعبد مسترق من المملوكين غير وارث في حكم الله لاحد من الموروثين ويجعله إن عهر فزنى من المقتولين وهو بحكم الله ليس من المرجومين فيشرك في دمه بل يتولى جميع ما كان من أمره ويبوء في ذل بوزره وإثمه، فلذلك قلنا إن من ألزم نفسه الشك وعمل به وبما يعارضه الشيطان منه آثم، والذي يدخل عليه من قبول الشك أعظم مما يخافه في دفعه عنه، ولقد أبان الله من الفرق بين الشك واليقين فيما فرق بينهما من الاسمين، وحكم به عليهما في المعنيين وإذا اختلف في التميز الحكمان اختلف عليهما في كل شئ بأبين البيان عند كل من كان ذا عقل وعرفان، وفي تمييز بين كل أمرين كانا في المعنى والقياس مختلفين، ولو لزم بالشك ما يلزم باليقين لكان الشك واليقين مثلين، ولما كانا في الاسم والمعنى مختلفين، ولكان من شك في فعله في الحكم كمن أيقن بأمره والشك فهو التحير والظن من الانسان، والايقين فهو الثبات والحق والصدق والبيان وفي التمييز بين الشك والاظانين، وبين الحق والصدق والتبيين واليقين ما يقول جل جلاله رب العالمين * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوإا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * (24). ويقول سبحانه * (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) * (25) فأمر بالتثبت وهو طلب اليقين، عندما يكون من أقوال الفاسقين وأمر باجتناب الظن
---
ص 41..
(24) الحجرات 6.
(25) الحجرات 12.
---(2/41)
[ 42 ]
وأخبر أن بعض الظن إثم، والظن فهو الشك، وإذا كان الظن والشك مذمومين فالحق واليقين ممدوحان لان الشك واليقين ضدان لم يزالا متاضدين وفي ذلك ما يقول الرحمن فيما نزل من النور والبرهان: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (26) ولو كان حكم الظن والشك واليقين والحق سواء في المعنى لما اختلفا في شئ من الاشياء ولو لم يختلفا لكان أحدهما مغنيا فيما أغنى عنه صاحبه ولكان ذلك كذلك لكان ذلك خلافا لقول الله لانه يقول: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (27) فلما اختلف فعل الحق والظن اختلف حكم الشك واليقين، عند جميع العالمين فلذلك قلنا إن الواجب على من داخله من الشك شئ أن ينفيه ويطرحه ويبعده عن نفسه ولا يعمل به في شئ من أمره، واطراح الشك والمضي عنه، وترك العمل به أحوط وأسلم، لمن ابتلي بوساوسه وأمكن الشيطان من قلبه ونفسه، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (ان الله تجاوز لامتي ما حدثت به أنفسهما وهمت به ما لم تعمل به أو تكلم به). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو تكلم به يريد الشئ الذي يتكلم به في جميع الكلام. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن رجل كثير الشك والامتراء في الصلاة وغيرها من الاشياء فهو يظن أنه قد حلف ويظن أنه لم يحلف، ويظن أنه لم يصل بعض صلاته وان كان قد صلى ويظن أنه قد قال فأكثر، وان لم يكن قال قولا، فقال: هذه كلها شكوك وظنون لا يحكم
---
ص 42..
(26) النجم 28.
(27) النجم 28.
---(2/42)
[ 43 ]
بها ولا عليها ولا يلتفت في حكم الحق البرئ من الظن إليها وليس يحل لاحد أن يحكم بعتق ولا غيره في الدين الا بما لا مرية فيه ولا شك من التثبت واليقين، وليس يسوي ذووا العلم والالباب في حكم أمر بين اليقين والشك والارتياب ومن أجهل الجهل في الحكم وأبعد القول في كل علم أن يحكم على أحد بشك في عتق أو إمتراء بما يحكم به عليه في يقين لا يشك فيه ولا يمتري، وكيف تحكم فيما شككت فيه وامتريت بمثل الحكم فيما ايقنت ودريت، لا كيف عند من يعلم ويعقل بل عند كثير ممن يجهل، واختلاف الشك واليقين يدلك على اختلاف حكمهما في الدين، ولو كان يلزم أحدا العتق بالشك فيما ملكه الله من ملك، لما كان بين اليقين والشك إذا من فرق وقد فرق الله بين الشك والظن واليقين في حكم الحق فقال سبحانه: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (28) ولو كان يحكم به لكان إذا مغنيا، فمن ملكه الله عبدا أو غيره فلا يزول ملكه عنه بيمين ولا غير يمين الا بما يزيل به ما ملكه الله إياه من حقائق اليقين، وهذا من الشيطان ووسواسه، وفي هذا الباب وفي الصلاة وغيرها فإنما هو تشكيك وارتياب حتى يخرجهم فيما كان من ذلك إلى غير مخرج ويوهمهم انما هم عليه من الخطأ فيه من الاحتفاظ والتحرج وفي هذا من الاثم والزور مالا يعلم علمه إلا الله. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (ان الشيطان ليأتي أحدكم فيقول له من خلق السماء فيقول الله فيقول من خلق الارض فيقول الله فيقول من خلق الله، فإذا وجد أحدكم ذلك فيقول آمنت بالله ورسوله). وبلغنا عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن رجلا أتاه فقال يا رسول الله
---
ص 43..
(28) النجم 28.
---(2/43)
[ 44 ]
اني لاجد في نفسي شيئا لان تضرب عنفي أحب إلى من أن أتكلم به فقال: (ذلك صريح الايمان).
(قال أبو الحسن ولما كان هذا الباب يشتمل على أمور ابن آدم من صلاة وعتق وطلاق وتجارة وغير ذلك أقررناه في مكانه وبالله التوفيق).
باب القول في بيع الخيار
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: البيعان بالخيار ما لم يفترقا كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: والافتراق عندي فهو افتراق التراضي من البائع والمشتري ووقوع الصفقة بينهما وشهادة الشهود بذلك عليهما، فإذا كان ذلك كذلك فقد لزمت السلعة المشتري، ولزم البيع البائع وصار المشتري أولى بها منه، إلا أن يستقيله فيقيله بالاحسان منه إليه والتفضل بذلك عليه، وقد قال قوم ان الافتراق هو فرقة الابدان ولو كان كما يقولون ثم باع محبوس محبوسا معه في الحبس في بيت واحد شيئا لم يلزمه البيع ولم يجب الشراء عليه للمشتري، وكذلك لو كان اثنان في جلبة صغيرة (29) مجتمعين فيها ثم تبايعا لم يصح بينهما البيع، ولم ينقطع بينهما الامر وكان البائع بالخيار على المشتري والمشتري بالخيار على البائع أبدا إلى أن يخرجا من الحبس أو من الجلبة بأبدانهما وفي ذلك مالا يخفى على عاقل من تلف السلعة وهلاكها إن كانت حيوانا أو غيره، فإن مات أو تلف أو هلك هذا الشئ الذي قد تبايعاه بينهما من قبل افتراق أبدانهما فعلى من الضمان، وعلى من يجب غرم ثمن تلك السلعة، فلا بد أن يلزمهم في قياسهم ويلزم من قال مقالتهم أن المشتري برئ من ذلك، وإن كان قد
---
ص 44..
(29) الجلبة: البقعة.
---(2/44)
[ 45 ]
اشترى وانقطع الامر بينهما وانقضى وهذا فما لا يقبله عقل عاقل ولا يقول به من الناس إلا كهام (30) الذهن غافل بطئ الفطنة مختلف القياس واهل.
(31) حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله البيعان البخيار ما لم يفترقا فقال هما بالخيار ما لم يفترقا عن رضى ومقاطعة في السلعة، فإذا تقاطعا فالسلعة لمشتريها إلا أن يستقيل هو، أو البائع فيقيله الآخر. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه عليه فأما يما يجلب من الابل والغنم إذا اشتري على لبنه فصاحبه بالخيار إلى أن يثور لبنها في يومه وليلته فإن رضي لزمها، وإن لم يرض ردها ورد معها عوضا من لبنها، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: من اشترى مصراة فهو فيها بالخيار، فإن رضيها جاز فيها عليه البيع وإن لم يرضها ردها ورد معها صاعا من تمر، والمصراة فهي التي قد صريت وحبس لبنها في ضرعها ولم تحلب فيما كانت تحلب فيه من أوقاتها فحقن في ضرعها واجتمع فيه درها فاغتر إلى ذلك مبصرها وطمع أن تكون غير مصراة طالبها ومن الخيار أيضا ما اشترط فيه الخيار من كل ما بيع واشتري، إذا اشترط ذلك المشتري فقال: أنا بالخيار فيما اشترى يوما أو يومين أو ثلاثة أيام على قدر شرطه فإذا تشارطا على ذلك فهما على شرطهما إلى أن ينتهي آخر مداهما.
---
ص 45..
(30) قال في الصحاح السيف الكهام: الكليل الحد واللسان الكهام: البطئ.
(31) الواهل: الواهم.
---(2/45)