[ 31 ]
ما دعوا ولا تساموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وأن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم) * (2) قال: وأما قوله سبحانه * (وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه) * (3) فإنما معناها فليتكلم الذي عليه بما عليه لصاحبه حتى يشهد الشهود على ما يسمعون من إقراره على نفسه، وأما قوله عزوجل: * (ولا يبخس منه شيئا) * (4) فهولا ينقص مما عليه لغريمة شقصا ولينطق بما عليه من ذلك طرا، وأما قوله: * (فأن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أولا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) * (5)، فأن السفيه هاهنا هو سفه العقل وقلته، أما بصغر السن وإما بضعف العقل، وأما قوله سبحانه وتعالى (ضعيفا) فأن الضعيف قد يكون ضعف العقل، أو ضعف المرض، أو ضعف العمل، عن الكلام للعلة النازلة، وكذللك قوله عز وجل: * (أولا يستطيع أن يمل هو) * (6) فقد يكون لعيه عن حجته أو لصغر سن ايضا أو لعلة تمنعه من ذلك فأذا كان ذلك كذلك وجب على الولي أن يمل ما يجب على صاحبه وأن يبينه ويشرحه بخضرة من صاحب الدين، واقرار منه به عند الشاهدين، وأما قوله عزوجل: * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) * (7) فإنما يريد أهل دينكم وأهل الثقة من أهل ملتكم ممن
---
ص‍ 31..
(3) البقرة 282 (3) البقرة 282 (4) البقرة 282 (5) البقرة 282 (6) البقرة 282 (7) البقرة 282
---(2/31)


[ 32 ]
ترضون عدالته وأما قوله: * (فأن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) * (8) فان الله سبحانه أقام المرأتين مقام شاهد ثان لضعفهما وقلة معرفتهما بالواجب عليهماء ألا تسمع كيف يقول: * (أن تضل أحداهما فتذكر إحدهما الاخرى) * (9)، يريد بالضلال النسيان أو غير ذلك من الشأن ممن لا يؤمن على ضعقه النسوان، فأراد أن تذكرها الاخرى وتخوفها بربها فيه إن أرادت تعمد الجحدان لشهادتها ثم قال سبحانه، * (ولا يأب الشهداء أذا ما دعوا) * (10) قال: لا يأبوا أن يشهدوا بما قد علموا مما له دعوى حين استشهدوا فأوجب عليهم الشهادة عند الامام بما يعلمون لكي يستخرج بشهادتهم حقوق من له يشهدون، وأما قوله عزوجل: * (ولا تسأموا أن تكتبوه) * (11)، فأنه يقول: لا تملوا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ومدى تأخيره، وأما قوله عزوجل: * (ذللك أدنى ألا ترتابوا) * (12) فمعناه أن لا تشكوا فيه ولا في عدده ولا في وزنه ولا في أجله إذا كان متكوبا بخطوط الشهود ذلك أدنى أن يعلم الشهود ويعرفوا إذا رأوا خطوطهم فيذكروا ويقفوا على ذلك ويعلموا جميع ما عليه شهدوا وأما قوله عزوجل: * (ألا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها) * (13) والحاضرة هاهنا فهي حاضرة معكم في بلدكم حاضر نقدها عندكم فليس عليكم جناح إذا كانت كذا ألا تكتبوها ولا تشهدوا فيها وعليها، ثم قال عزوجل: * (وأشهدوا أذا تبايعتم) * (14) يريد سبحانه وأشهدوا على الرضا من البائع والمبتاع لكيلا
---
ص‍ 32..
(8) البقرة 282 (9) البقرة 282 (10) البقرة 282 (11) البقرة 282 (12) البقرة 282 (13) البقرة 282 (14) البقرة 282
---(2/32)


[ 33 ]
يكون في ذلك رجوع من أحدهما، ولا نزاع وأما قوله سبحانه: * (ولا يضار كاتب ولا شهيد) * (15) فهو نهي من الله عزوجل للكتاب أن يمتنعوا من الكتاب كما علمهم الله، وللشهود يمتنعوا أن من أداء الشهادة على الحق أذا دعواكما أمرهم الله، ثم أخبرهم أنه من فعل ذلك فإنه اثم قلبه، وأما قوله سبحانه: * (وأقوم للشهادة) * (16) فإنه أعدل وأثبت إذا كان في الكتاب وكانت على الغريم الشهود به والبينة، فحينئذ لا يستطيع الغريم أن يدفع غريمه ولا أن ينتقص حقه، وأما قوله عزوجل: * (وأن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * (17) فإنه يقول: إن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا، أو ما يكون به الكتاب من الدواة والقرطاس فليكن رهان مقبوضة بدلا من الشهود والكتاب، والرهان المقبوضة فهو الرهن المسلم إلى صاحب السلعة، وأما قوله عزوجل: * (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) * (18) فهو نهي منه للشهود أن يكتموا ما يعلمون من شهادتهم والكتمان فقد يكون بمعان وأسباب فمنها الجحدان للشهادة ومنها التعلل من الشاهد على المستشهد له بعلة ليست له عند الله بعلة، أو بالتشاغل عن اقامة شهادته بأمر لا يكون له فيه عند خالقه حجة، وأما قوله عزوجل: * (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤ تمن أمانته وليتق الله ربه) * (19) فهذه آية منسوخة نسخها قول الله سبحانه: * (يا أيا الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل) * (20).
---
ص‍ 33..
(15) البقرة 282. - (19) البقرة 283.
(16) البقرة 282. - (20) البقرة 282.
(17) البقرة 283.
(18) البقرة 283.
---(2/33)


[ 34 ]
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وليس نسخها تحريما لما ذكر فيها، كغيرها من المنسوخات اللواتي نسخ ما أمر به فيهن بما أثبت من الحكم وبدل في غيرهن، لان الائتمان من بعض المسلمين لبعض على مالهم وعليهم أنظار وإحسان، والاحسان فغير مسخوط عند الواحد الرحمن ولكنه سبحانه نسخ ذلك بالدلالة لهم على الافضل والاحوط بينهم ولهم، والابعد من كل فساد، فدلهم على المكاتبة والاشهاد نظرا منه سبحانه لجميع العباد، ومن أنظر وأتبع المعروف كان عند الله إن شاء الله مأجورا غير معاقب ولا مأزور. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ينبغي لمن أراد التجارة أن يتفقه في الدين، وينظر في الحلال والحرام من كتاب الله [ رب العالمين ] حتى يأمن على نفسه الزلل والخطأ في المضاربة والبيع والشراء وفي ذلك ما بلغنا عن أمير المؤمنين [ علي بن أبي طالب ] رحمة الله عليه: أن رجلا أتاه فقال: يا أمير المؤمنين إني أريد التجارة فادع الله لي فقال له أمير المؤمنين: أوفقهت في دين الله؟ قال أو يكون بعض ذلك؟ فقال: ويحك الفقه ثم المتجر، إن من باع واشترى ثم لم يسأل عن حلال ولا حرام أرتطم في الربا ثم ارتطم، ثم ارتطهم، قال وبلغنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله سبحانه يحب العبد يكون سهل البيع سهل الشراء سهل القضا سهل الاقتضاء) وبلغنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إني لعنت الامام يتجر في رعيته).
---(2/34)


[ 35 ]
باب القول في المكاسب والتجارات والتشديد في الربا
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس أن يتجر المسلم ليغني أهله وعياله عن ذل المسألة واستكانة الحاجة وتكون تجارته في أقل الاشياء لمنافع الظالمين الجورة الفاسقين، وفي أقلها ضررا عن المسلمين، ولا يجوز ولا يحل له أن يتجر في دهره هذا في شئ من السلاح ولا الكراع ولا العبيد ولا الاماء فان ذلك أكثر منافع للظالمين وأقوى قوة للفاسقين وليتجر في غير ذلك من الاشياء أقلها منفعة لهم وأبعدها من مرافقهم، ويستحب له إن أتجر في شي فاحتاج مما سمينا محتاج إلى شئ مما عنده أن يدفعه بعلة يتعلل بها عليه من إغلاء ثمن عليه أو غيره مما يدفعه به عن المبايعة له ولا يفعل ما يفعله فجرة التجار والخونة الاشرار من العمل لمنافعهم والايثار بذلك لهم دون غيرهم والتعمد لشراء ما يصلح لهم يطلبون بذلك ازديادا في الربح يسيرا ويستوجبون به من الله عذابا كبيرا. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: إني لاعرف تجارة لله درها من تجارة يربح تاجرها ويسر طالبها، ويوفق مشتريها، وينعم صاحبها، ويتملك من دخل فيها ويؤسر من آثرها، تجارة تنجي من عذاب أليم ولكن لا طالب لها فأذكرها، ولا راغب فيها فأشرحها، ولا مؤثر لها فأفسرها، وبلى وعسى فإن مع العسر يسرا أن مع العسر يسرا عسى الله أن يرتاح لدينه فيعز أولياؤه ويذل أعداؤه فإنه يقول عزوجل: * (عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) * (21) وفي ذلك ما يقول رسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى
---
ص‍ 35..
(21) المائدة 52.
---(2/35)

97 / 198
ع
En
A+
A-