[ 483 ]
حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الرضاع ما الذي يحرم منه فقال: يحرم من الرضاع قليله وكثيره الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان، وهكذا ذكر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقد روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لا تحرم المصة والمصتان) رواه بن الزبير، وذلك لا يصح عندنا عنه ولا يجوز عليه لانه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقول ما يخالف كتاب الله وهذا ممن رواه فباطل محال.
باب القول في الرضاع بعد الفصال
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا رضاع بعد فطام، والفطام فهو الفصال والفصال فهو بعد الحولين وذلك قول الله عزوجل (والوالدات يرضعن أودهن حولين، لمن أراد أن يتم الرضاعة) (5) فجمعلهما الله عزوجل وقتا للرضاع وجعل تمامها تماما للرضاع، وقال سبحانه: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) فكان أقل الحمل ستة أشهر والباقي من الثلاثين فهو رضاع، والباقي بعد الستة الاشهر فهو حولان، فجعل الله سبحانه وتعالى الحولين مدى للرضاع، فمن رضع فيهما أو أرضع فهو رضاع، وما كان بعدهما وبعد الفصال فليس برضاع يحرم، وكذلك قولنا في رجل لو أنه أرضع ولده بعد فطامه وبعد انقضاء الحولين من أيامه بلبن صبية لم نر أنها تحرم عليه إذا كان رضاعه بعد فطامه: (وبعد انقضاء الحولين)، وأما الحديث الذي يروى من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لسهلة: زوجة أبي
---
ص 483 (5) البقرة 233.
(6) الاحقاف 15.
---(1/483)
[ 484 ]
حذيفة حين ذكرت له ما ترى في زوجة أبي حذيفة من دخول سالم عليها حين أنزل الله في النهي عن التبني ما أنزل، وكانت سهلة قد تبنت سالما، فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرضعي سالما عشر رضاعات ثم ليدخل عليك كما كان يدخل فهذا مما لا يصح عندنا عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نراه وليس ذلك عندنا بشئ، وفي ذلك ما بلغنا أن رجلا أتى عليا عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إن لي زوجة ولي منها ولد وإني أصبت جارية فواريتها عنها فقالت: أئتني بها وأعطتني موثقا ألا تسوأني فيها فأتيتها يوما فقالت: لقد أرويتها من ثديي فما تقول في ذلك؟ فقال له علي عليه السلام: أنطلق فأنل زوجتك عقوبة ما أتت، وخذ بأي رجلي أمتك شئت فإنه لا رضاع إلا ما أنبت لحما أو شد عظما، ولا رضاع بعد فصال. وحدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن الرضاع بعد الفصال فقال: لا رضاع بعد فصال. حدثني أبي عن أبيه أنه قال قليل الرضاع ككثيره إذا كان في الحولين لقول الله سبحانه: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (7) وقوله: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) (8). حدثني أبي عن أبيه أنه قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهكذا يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن أمير المؤمنين رحمة الله عليه.
---
ص 484 (7) الاحقاف 15.
(8) الاحقاف 15.
---(1/484)
[ 485 ]
باب القول في لبن الفحل
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لبن الفحل يحرم لما ذكر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إبنة حمزة بن عبد المطلب حين قال: هي إبنة أخي من الرضاعة، وكذلك ولادة الرحم فلبن المرأة بولادة الرحم كلبن الفحل، ولبن الفحل كولادة الرحم.
باب القول في استرضاع أهل الكتاب
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا ينبغي أن تسترضع كافرة لانها نجس كما قال الله سبحانه وتعالى: (إنما المشركون نجس) (9) ولا شرك أشد من شرك من جحد بآيات الله ورسله وأنبيائه وكتبه ودعا معه آلها غيره، إلا أن يضطر إلى ذلك فيسترضعها إلى أن يجد غيرها، ولا ينبغي له أن يتوانى في إراغة سواها بل يرى له إن لم يخش على ولده تلفا أن يسقيه لبن الغنم يلخيه إياه باللخا، ولا يسترضع مشركة كافرة إلا عند الضرورة كما يأكل الميتة، فإذا استغنى عنها حرمت عليه الميتة، فكذلك القول عندي في استرضاع المشركين لاولاد المسلمين.
باب القول في غلام وجارية أرضعتهما مرضع بلبن ولدين لها مختلفين بينهما في الميلاد سنتان أو أكثر
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو أن مرضعا أرضعت غلاما بلبن ولدها ثم أقامت ثلاث سنين ثم أرضعت جارية بلبن ولداها آخر لم تحل هذه الجارية لذلك الغلام لانهما وإن تفاوت رضاعهما
---
ص 485 (9) التوبة 28.
---(1/485)
[ 486 ]
أخوان بإرضاع لهما لان الاخوة بلبن المرضع كالاخوة بولادة الام. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن غلام وجارية أرضعتهما مرضع بلبن ولدين لها مختلفين بينهما في الرضاع سنتان أو أكثر من سنتين أرضعتهما رضعة رضعة هل يحل للغلام أن يتزوج بالجارية؟ فقال: أعلم رحمك الله أنهما أخوان بلبن الام، كما الاخوة أخوة بولادة الرحم فكلهم ولد وإن أختلف الرضاع كما كلهم بالرحم وإن أختلفوا أولاد، وقليل الرضاع ككثيره إذا كان في الحولين، وقبل انقضاء سنتين، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه (وفصاله في عامين) (10) ويقول سبحانه: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) (11) وفي القليل والكثير إذ ذكر الله المراضعة ما يقول سبحانه: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) (12) فأطلق سبحانه بغير تحديد ذكر الرضاع، والقليل من ذلك والكثير سواء (13) من الرضاع بإجماع الناس وليس في ذلك تحديد بقليل ولا كثير، وقد ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: تحرم الرضعة والرضعتان، والمصة والمصتان. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لم يذكر الله سبحانه الرضاع بقليل ولا بكثير، وإنما ذكر الرضاع مجملا فقال: في تحريم
---
ص 486 (10) لقمان 14.
(11) البقرة 232.
(12) النساء 23.
(13) في نسخة والقليل من ذلك والكثير فرضاع بإجماع الناس.
---(1/486)
[ 487 ]
نكاح المرضع والمراضع: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة فكل من أنتظمه) (14) اسم الرضاع فهو حرام النكاح، واسم الرضاع فقد ينتظم الراضع رضعة ورضعتين وماص المصة والمصتين كما ينتظم راضع الشهر والشهرين والسنة والسنتين لا يمتنع لب عاقل من قبول ذلك، ولا يكون أبدا عند أهل الفهم إلا كذلك.
باب القول في المرأة تسقي زوجها لبنها ولم يعلم
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أي امرأة سقت زوجها لبنها طمعا بأن تحرم نفسها عليه لم تحرم عليه وجاز له أن يؤدبها أدبا جيدا ويلزمها صاغرة.
---
ص 487 (14) النساء 23.
---(1/487)