[ 456 ]
ما لفظ به زوجها فقد أقروا أن الطلاق يقع على كل حال، ويلزم من يلفظ به من الرجال، ولا فرق في وقوع الطلاق ولزوم ما يلزم من الفراق بين التي دخل بها، والتي لم يدخل عليها عند من عرف الحلال والحرام واتبع دين محمد عليه السلام وكان من أهل الايمان والاسلام لان الموطؤة وغير الموطؤة معناهما في الطلاق سواء، وإنما يخاف في ذلك أن تكون حاملا، وليس الحمل مما يدفع عنها ما لفظ به زوجها من طلاقها، ولا يرجع إليه ما أبان من فراقها لان الحامل وغيرها في معنى الطلاق سواء سواء غير أن أجلهن يكون أبعد وأدنى من الثلاثة الاقراء، والثلاثة الاشهر معا، وذلك قول الله العلي الاعلى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (71) فجعل سبحانه أجل ذوات الحمل أن يضعن ما في بطونهن من الثقل، كان وضعهن بعد الطلاق بأيام، أو بأشهر متتابعات توام، ويقال لمن قال: لا يقع الطلاق إلا على وجه طهر من غير جماع ما تقولون فيمن أدخلت عليه امرأته فأرخى الستور وغلق الابواب ثم بدا له بدا فطلق من قبل المجامعة والافضاء، وقد أرخى عليهما الستر ووجب لها عليه المهر، أتقولون له راجعها، أو لا تلزمونه طلاقها إذ لا يقع على مطلق طلاق ولا يلحق به عندكم إلا على وجه طهر فراق فقد يلزمكم ذلك في أصل قولكم، فإن قالوا نعم نقول ذلك ونحكيه، ونرى أنه مخالف لخالقه وباريه، قيل لهم: فأنتم في قولكم وادعائكم إذا أعرف بالله وبكتابه وحلاله وحرامه من رسوله وخاتم أنبيائه إذ تزعمون أن ذلك لا يجوز وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وارتآه، وأجازه عليه السلام وأمضاه، حين أدخلت عليه زوجته أسماء إبنة النعمان بن الاسود بن الحارث الكندي، فلما دخلت عليه وكانت عائشة إبنة أبي
---
ص 456 " (71) الطلاق 4. في نسخة (نعم نقول له ونحيطه).
---(1/456)
[ 457 ]
قد قالت لها إن أردت أن تحظي عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإذا مد يده إليك فقولي: أعوذ بالله منك ففعلت ما أمرتها فصرف وجهه عنها وقال: (أمن من عائذ الله إلحقي بأهلك) وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زوجته جوينة إبنة أبي أسيد وكان أبو أسيد الساعدي قدم بها فتولت عائشة وحفصة مشطها والقيام عليها فقالت: إحداهما لها إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعجبه من المرأة إذا أدخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك فلما دخل عليها وأرخى الستر وغلق الابواب ومد يده إليها قالت: أعوذ بالله منك، فوضع كمه على وجهه واستتر وقال: عذت معاذا ثلاث مرات، ثم خرج فأمر أبا أسيد أن يلحقها بقومها ومتعها بثوبي كتان، فذكر أنها ماتت كمدا رحمها الله تعالى، فإن قالوا يجوز ذلك له ولا بأس أن يطلقها في غير وجه طهر، وقالوا إن ذلك يلزم فاعله (72)، وإن الطلاق يلزم على كل حال قائله أصابوا المعنى ورجعوا إلى قولنا وجانبوا المكابرة والخلاف ودخلوا في الحق والائتلاف، ومما يحتج به من وقوع الطلاق على المطلقة ولزوم الفراق للمفارقة في غير وجه طهر من غير جماع أن رجلا لو جامع امرأة له حاملا بكرة وفارقها عشية لما كان عند ذوي العلم والحجا في ذلك اختلاف ولا امتراء ولكانوا كلهم مجمعين على أن الطلاق لازم له لاحق بها غير ناكل عنه ولاعنها، وإن كان قبل طلاقه بساعة جامعها فكيف يقول من يقول: إن الطلاق لا يلحق ولا يلزم من عزم على الطلاق وبه تكلم إلا على وجه طهر من غير جماع، فنعوذ بالله من البدعة والابتداع ومخالفة الحق والمحقين والتكمه في ضلال الضالين. واعلم هديت أن الطلاق واقع على كل حال بكل امرأة ملكت عقدة نكاحها، إذا لفظ مالكها بطلاقها،
---
ص 457 " (72) في نسخة وأن الطلاق على ذلك الحال يلزم قائله.
---(1/457)
[ 458 ]
وإن كان المظلق قد أخطأ تأديب ربه وزاح عما دله الله عليه من رشده وذلك قول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبي، وقول علي بن أبي طالب عليه السلام جدي، وقول آبائي من قبلي، وقولي أنا في نفسي.
باب القول في طلاق المكره
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا خاف على نفسه من سلطان جائر غاشم أو عدو معتد ظالم فاستحلفه العدو بالطلاق على أمر من الامور التي التجوز للظالم ولا يحل لهذا أن يصدقه فيها، لم يكن استحلافه إياه مما يوجب عليه طلاقا، إذا كان له في ذلك مكرها، وكذلك لو قال له طلق امرأتك وإلا فعلت بك أمرا يخاف على نفسه منه فيه الاذى والعنت من ضرب أو قتل أو حبس فطلق لم يكن ذلك طلاقا، ولم نلزمه به فراقا، وكذاك لو استحلفه سلطان غاشم على نصرته وألزمه بذلك الدخول في مبايعته فحلف له بطلاق أهله لم يلزمه في ذلك حنث ولا بيعة وكان عليه أن لا يعقد (73) له في رقبته طاعة. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن استحلاف هؤلاء الظلمة بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك فقال: كلما أكره عليه صاحبه إكراها، واضطر إليه إضطرارا فلا يلزمه، وما أعطاه من ذلك طوعا غير مكره فيلزمه، وهذا فلا اختلاف فيه عند علماء آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. باب القول فيمن قال لامرأته أعتدي قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا قال لها اعتدي دين وسئل عن نيته في ذلك فما نوى كان كما نواه، إن نوى طلاقا كانت
---
ص 458 " (73) في نسخة وكان عليه أن لا يعتقد له.
---(1/458)
[ 459 ]
واحدة يملك عليها فيها الرجعة، وإن قال نويت دراهم أو جوزا لم يلزمه الطلاق، وإن أتهم استحلف ما نوى غير ما قال ولا نوى طلاقا.
باب القول في الرجل يقول لامرأته لست لي بإمرأة أو يقول لها أنت سايبة أو أنت حرة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا قال الرجل شيئا من ذلك لامرأته يريد بذلك الطلاق فهي تطليقة، فإن لم ينو طلاقا ولا فراقا وأدعى شيئا نواه غير ذلك فليصدق أو يستحلف أن أتهم، ولو قال: رجل لامرأته لست لي بامرأة سئل عن نيته فإن نوى طلاقا طلقت، وإن لم ينو طلاقا كانت كذبة كذبها لا ينبغي له أن يعود لمثلها.
باب القول في الاستثناء في الطلاق
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا قال لامرأته أنت طالق إلا أن يشاء أبوك حبسك فقال: أبوها قد شئت أن تحبسها ولا تطلقها، فإذا قال: ذلك لم يلرمها طلاق وإذا قال: أبوها قد شئت طلاقها لزمها الطلاق (74). ولو قال: رجل لامرأته أنت طالق واحدة إلا واحدة فهي طالق واحدة. ولو قال لها: أنت طالق واحدة إلا أن يشاء أبوك ثلاثا سئل عن نيته، فإن قال: أردت إنه إذا أراد ثلاثا لم يلزمها شئ فشاء الاب ثلاثا لم تطلق المرأة وإن شاء الاب واحدة ولم يشأ الثلاث طلقت بواحدة، فإن قال: الزوج أردت بنيتي إن شاء الاب ثلاثا فهي ثلاث كما شاء وجب عليه في قول: أهل الثلاث أن تطلق الثلاث، وفي قول من رد الثلاث إلى واحدة أن تطلق واحدة، لان هذا ليس بأوكد من قول
---
ص 459 " (74) في نسخة قال: ولو أن رجلا قال لامرأته.
---(1/459)
[ 460 ]
الزوج لها أنت طالق ثلاثا، وردها إلى واحدة أصوب القولينن عندي لما به احتججت في أول هذا الجزء في ذلك.
باب القول في المتابعة بين الطلاق
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو أن الرجل قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أنت طالق لم يلزمها من ذلك إلا الواحدة الاولة لانه ساعة قال أنت طالق طلقت منه ثم أوقع التطليقة الثانية والثالثة على إمرأة لا يملكها، ولا يقع عليه فراقها في قولنا، وأما أهل الثلاث فيرون أن الطلاق لازم لها لاحق بها ما كانت في عدتها ولسنا نأخذ بذلك ولا نراه.
باب القول في الرجل إذا دعا بعض نسائه بأسمها فأجابته منهن غيرها فطلقها
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا نادى امرأة من نسائه قد عزم على طلاقها ونوى فراقها فأجابته منهن غيرها، فقال: أنت طالق وهو يتوهم أنها التي كان نادى وعزم على فراقها لم تطلق هذه المجيبة وطلقت التي عزم على طلاقها وتكلم بالطلاق فيها، ولم يلزم التي لم يعزم لها على طلاق طلاق لانه إنما قال: أنت طالق متبعا لفظه للضمير الذي في صدره فكان الكلام تابعا للنية. باب القول فيمن طلق بعض تطليقة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو أن رجلا قال لامرأته أنت طالق عشر تطليقة، أو ثلث تطليقة، أو ربع تطليقة، أو سدس تطليقة، أو ثمن تطليقة، لزمه في ذلك كله تطليقة كاملة لان الطلاق لا ينكسر وكل كسر فيه فهو جبر. وكذلك لو قال لامرأتين له بينكما تطليقة ونصف لزم كل واحدة منهما تطليقة كاملة، ولو قال لهما بينكما تطليقتان
---(1/460)