[ 446 ]
في شهر رمضان كله، واجتنبوا فيه الجماع لم يكونوا فيه بمخالفين عند جميع المسلمين، ولا لله في ذلك عاصين، وكذلك لو لم يأكلوا ويشربوا لم يكونوا في ذلك بمذمومين، ومثل ذلك قوله في الصيام: (فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (42) فلو صبر المريض والمسافر وصاما وطلبا ما في ذلك من الثواب واحتسبا لم يكونا (43) بمسيئين ولا لربهما في ذلك مشاقين، ومن ذلك قوله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما دله عليه من فضل النوافل: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (44) فلو لم يصل هو ولا غيره ممن هو على ملته نافلة أبدا وأداوا ما فرض الله من الصلوات عليهم لم يكونوا بمعاقبين على أن لا يكونوا بالصلاة من المتنفلين، ومن ذلك قوله في الصلاة صلاة الجمعة: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله) (45) فلو لم ينتشروا وأقاموا في ذلك اليوم ولم يبرحوا من المسجد لم يكونوا بإجماع الامة في ذلك عليهم حرج ولا عقاب بل كان لهم في ذلك عند الله أجر وثواب، إذ كانوا له في ذلك ذاكرين وللصلاة الثانية منتظرين، وفي ذلك ما روي عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه سئل عنه؟ فقال: (ذلكم الرباط ذلكم الرباط) ومثل ذلك قوله عزوجل في البدن: (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) (46) فلو لم يأكلوا من ذلك شيئا وتصدقوا بها جميعا لما كان عليهم في ذلك عند الله إثم، ولم يكونوا فعلوا من ذلك ما يعاقبون عليه، ويؤاخذون في الآخرة فيه، ومثل ذلك قوله في
---
ص 446 " (42) البقرة 185.
(43) في نسخة لم يكونا في ذلك بمسيئين.
(44) الاسراء 79.
(45) الجمعة 10.
(46) الحج 26.
---(1/446)


[ 447 ]
المطلقات ذوات الحمل: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأئتمروا بينكم بالمعروف) والمعروف فهو الفضل والتفضيل، والبر لهن بما قل أو كثر، من بعد الجعل والاجر المعروف الذي عليه الناس من ذوي الجدة والافلاس، فلو أنه لم يهب ولم يتفضل وأعطاها جعلها وما يجب في ذلك لها لم يكن بمعاقب، ولا ظالم فاجر مجتر على الله عاص له كافر، ومثل ذلك قوله سبحانه وجل جلاله: عن أن يحويه قول أو يناله، في تزويج النساء: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) (47) فلو أن رجلا لم ينكح وتعفف وصبر على ذلك وتكفف وترك نكاح المحصنات اللواتي أجيز له منهن المثنى والثلاث والرباع وامتنع من اتخاذ الزوجات والاماء غاية الامتناع، لما كان الله في ذلك عاصيا ولا على نفسه بفعله متعديا باغيا فهذا ومثله فكثير يوجد في الكتاب مما هو شبه ومثل لقول الله سبحانه: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) (48) مما أراد به الدلالة لعباده (49) على الخير والصلاح لهم لا أنه أبطل عنهم ما فعلوا من غير ذلك، فتوهمت الامامية بجهلها بالكتاب أنه من الله كغيره مما لا خلاف فيه عند جميع الامة من الامر الحاضر لما سواه، مثل قوله عزوجل: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) (50) فلو أن رجلا حلق رأسه من غير أحصار بغير منى لم يجز ذلك له بإجماع الامة وتوهموا أنه مثل قول الله سبحانه: (ثم أفيضوا من حيث أفاض
---
ص 447 " (47) النساء 3.
(48) الطلاق 1.
(49) في نسخة مما أراد الله الدلالة على الخير لعباده.
(50) البقرة 196.
---(1/447)


[ 448 ]
الناس) (51) فحظر على جميع الخلق الافاضة من مزدلفة وأمرهم بالوقوف والافاضة من عرفة، ومثل قوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (52) فأوجب بذلك الوضوء للصلاة إيجابا لا اختلاف فيه، أو مثل قوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) (53) فأوجب على من لم يجد الماء التيمم بالصعيد الطيب وأوجب ذلك إيجابا على كل العبيد، أو مثل قوله للمسافرين: (فإذا أطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (54) فأمرهم بإتمام الصلاة إذا قاموا واطمأنوا ومثل قوله فيما أمر به من طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (55) ومثل قوله: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) (56) ومثل قوله: في النساء وما أمر به من تسليم مهورهن إليهن فقال: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) (57) فكان ذلك منه أمرا (58) جزما لاداء ما كان من مهورهن إليهن، ولو وهبن ذلك لمن أردن الهبة له من بعولتهن لجاز ذلك لا اختلاف في ذلك عند جميع الامة فلما أن
---
ص 448 " (51) البقرة 196.
(52) المائدة 6.
(53) المائدة 6.
(54) النساء 23.
(55) النساء 59.
(56) التوبة 123.
(57) النساء 4.
(58) في نسخة فكان ذلك منه أمرا حازما.
---(1/448)


[ 449 ]
وجدناهم كلهم مجمعين على أن الطلاق واقع لازم لمن طلق ولم نجد في ذلك بينهم إختلافا، وإنما وجدنا الاختلاف في معنى الطلاق وكيفيته ووقته وفي تفسير هذه الآية لا غيرها، ثم وجدناه لمن خالف الامامية من الحجج ما ذكرنا وقلنا وشرحنا، علمنا أن الآية على ما وجدنا عليه غيرها مما هو مثلها من الآيات، وإن الامامية أخطأت في تأويلها، ولو كانت الآية على ما يقولون لم يكن بين الامة في معناها اختلاف كما لم يكن في غيرها من الآيات، فأبطلت لذلك طلاق من طلق على غير (طلاق) السنة ولم تلزمه إذ قد أساء ما ألزم نفسه، وأبطلت طلاق من طلق ثلاثا معا على طهر أو غير طهر وخالفت كل الامة وتكلمت في ذلك (59) بالعمية والظن والهوى. حدثني أبي وعماي محمد والحسن بنو القاسم بن ابراهيم عن أبيهم القاسم بن ابراهيم رضوان الله عليه وعليهم أنه سئل عمن طلق حايضا فقال: أخطأ حظه ولزمه ما ألزم نفسه، وحدثني أبي وعماي عن أبيهم صلوات الله عليهم أنه قال: في المرأة تطلق وهي حايض هل تعتد بتلك الحيضة فقال: يلزمها طلاقها ويرتجعها حتى يفارقها فراق السنة في طهر منها بغير مسيس ولا مداناة. وحدثني (60) أبي وعماي عمن يثقون به عن أحمد بن عيسى بن زيد أنه سئل: عمن طلق امرأته ثلاثا معا، فقال: بانت منه بواحدة ولا نقول فيها بقول الرافضة، أراد أنهم يبطلون ذلك. وحدثوني أيضا عمن يثقون به عن موسى بن عبد الله أنه سئل: عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة، فقال: فارق امرأته وخالف تأديب ربه. وحدثوني أيضا
---
ص 449 " (59) في نسخة وتكلمت في ذلك بالعمه.
(60) في نسخة وحدثوني أيضا.
---(1/449)


[ 450 ]
عمن يثقون به عن محمد بن راشد عن نصر بن مزاحم عن أبي خالد الواسطي قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عمن طلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة فقال: هي واحدة. وحدثوني (61) هم عن أبيهم القاسم بن ابراهيم صلوات الله عليهم عن رجل يثق به عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: فيمن طلق ثلاثا في كلمة واحدة أنه يلزمه تطليقة واحدة وتكون له على زوجته الرجعة ما لم تنقض العدة قال أبو محمد القاسم بن ابراهيم عليه السلام وهو قول بين القولين، بين قول: من أبطل أن يقع بذلك شئ من الطلاق وبين قول من قال: إنه يقع بذلك الثلاث كلها، وقال: هذا قولي وقد روي (62) ذلك عن زيد بن علي وعن جعفر بن محمد رحمة الله عليهم أجمعين من جهات كثيرة أن من طلق ثلاثا معا في كلمة واحدة فهي واحدة. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: والحجة عندي لمن رد الثلاث إلى واحدة فحجة قوية نيرة قاصدة وذلك قول الله الواحد الرحمن: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (63) فعلمنا أن ذلك ثلاثا حفا، ولا يكون ثلاثا عددا وفقا إلا ولهن أول، ووسط، وآخر، ولن تقع الثانية من الطلاق على المفارقة إلا من بعد مراجعة، وكذلك لا تقع الثالثة على المطلقة بتطليقتين إلا من بعد ارتجاعتين ألا ترى كيف فرق بينهن الرحمن فيما نزل من واضح الفرقان من بعد ما ذكر التطليقتين حين يقول: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (64) فدل بذلك على أن من بعد التطليقتين إرتجاعة، يكون
---
ص 450 " (61) في نسخة وحدثوني عمن يثقون به.
(62) في نسخة وقد روي ذلك عن الامام أبي الحسين زيد بن علي.
(63) البقرة 229.
(64) البقرة 229.
---(1/450)

83 / 198
ع
En
A+
A-