[ 441 ]
ولا أن تتعطر ولا أن تلبس حليا ولا صباغا لزينة ولا فرح، وأوجب عليها إظهار الحزن والجزع على بعلها إعظاما لحق الزوج على الزوجة وتعريفا للخلق بعظيم الحرمة بين الزوج والزوجة فإذا كان ذلك كذلك ثم مات زوجها في أول السنة ولم تعلم وهي دائبة في فعل ما لا يجوز لها من التزين والتعطر سنتها كلها، لم تظهر قط جزعا ولم تمتنع من شئ مما لا يجوز للمتوفى عنها زوجها حتى إذا كان آخر السنة علمت أنه قد مات في أولها فنهضت من ساعتها التي علمت فيها بموت زوجها فتزوجت زوجا آخر ودخلت عليه من بعد أيام فتزينت له وتعطرت فأين الحزن والحداد، وترك ما أوجب الله تركه على مثلها عند من قال باعتدادها من يوم مات زوجها فلا أراه أوجب عليها حزنا، ولا رفض شيئا من الزين ولا اعتزال التزويج إلى مدة ما جعل الله عليها في ذلك من المدة بل أراه قد طرح عنها كل هم وحداد وغم ومنعها الوقوف لنفاد عدتها، وأطلق لها التزويج من ساعتها وهذا خلاف ما أراد الله منها في ترك ما أمرها بتركه من لذيذ العيش عند موت زوجها، ومن أطلق لها ذلك وأجاز أن تعتد من يوم يصح لها موته فقد أبطل المعنى الذي أراده الله من الزوجة عند موت زوجها، ومنعه لها مما منعها، ولو جاز ذلك لها لكان للمتوفى عنها زوجها حالتان في كتاب الله سبحانه والسنة مبينتان حالة تشقى فيها وحالة تنعم معها، فأما حالة الشقاء فإذا علمت بموت زوجها من ساعته، وأما حالة التنعم فحالة علمها بموت زوجها من بعد أربعة أشهر وعشر فلا يجب عليها أن تعتزل شيئا مما يعتزله غيرها، وهذا محال من المقال فاحش من الفعال عند ذوي العقول والالباب فاسد من كل الاسباب.
---(1/441)


[ 442 ]
باب القول فيمن طلق ثلاثا معا ومن طلق على غير طلاق السنة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قد كان سألني بعض أخواننا عمن طلق على غير طلاق السنة فقال: هل يلزمه طلاقه؟ أو يقع على امرأته فراقه؟ وقد قال الله عزوجل: (فطلقوهن لعدتهن) (32) وهذا فقد على غير العدة؟ فأجبته في ذلك بجواب وأنا مثبته في هذه المسألة ومجتز به في هذا الكتاب عن تكرار مثله إن شاء الله تعالى أعلم جعلنا الله وإياك ممن إذا شرع له الحق أتبعه، وإذا تبين له الصدق نفعه، وأعاذنا الله وإياك من سبل الضالين الذين همتهم الترؤس على الجاهلين، والتشبت بما قد عرفوا به من مذهبهم وقولهم، وإن كان مخالفا لاصول دينهم ومقالة علماء أهل بيت نبيهم الذين عليهم الاعتماد وبطاعتهم أمر جميع العباد فهم بخلافهم لمعدن العلم. يبتغون ما سولت لهم أنفسهم ومثلت لهم في صدورهم ظنونهم، فهم مثابرون عليه، خابطون بجهالتهم فيه، غير متهمين لرأيهم، يحسبون أنه لا حق إلا عندهم، قد لبس عليهم الشيطان حقهم ورشدهم، فهم يفتون بالخطاء ويدعون الناس إلى الزلل والهوى، قد حالوا بينهم وبين هداهم (33)، ومنعوهم من سؤال علمائهم، الذين أمروا بسؤالهم من أهل بيت نبيهم، بما يلبسون عليهم من أمورهم ويوهمونهم أن الحق في أقاويلهم، يحلون لهم بجهلهم كل حرام، ويحرمون عليهم ما أحل الله ذو الجلال والاكرام، قد تقلدوا للانام أمورهم وأسبابهم، فباؤا مع وزرهم عند الله
---
ص 442 " (32) الطلاق 1.
(33) في نسخة وبين هداتهم.
---(1/442)


[ 443 ]
بأوزارهم، فهم كما قال الله رب العالمين فيهم وفي إخوانهم الاولين: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) (34) ولا يقصدون فيما اشتبه عليهم من أمروا بقصدهم، وافترض عليهم سؤالهم، وأمروا بطلبهم، والالتجاء إليهم في كل أمورهم، من أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك قوله الله سبحانه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (35) وأهل الذكر فهم آل محمد عليه السلام الذين أورثوا الكتاب ونزلت عليهم الاحكام وجعلوا مبينين لما اشتبه على الانام من جميع ما كان من حلال أو حرام فهم المترجمون لما غمض من الكتاب الموفقون لما أختار الله من الصواب لا يضل عن أفهامهم، ولا يجوز أن لا يوجد عند علمائهم (36)، فصل كل نور وخطاب وتبيان كل ما يحتاج إليه من الاسباب، إذ هم أمناء الله في خلقه وخلفاؤه في أرضه وبلاده، والمسترعون جميع خلقه وعباده، الذين أورثهم الله كتابه المبين، وجعلهم أولاد خاتم النبيين، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) (37) ففيهم إذ كانوا بشرا ما في غيرهم من الظالم لنفسه، والمقتصد في قوله وفعله والمبرز السابق إلى ربه الذي لا يتعلق به المتعلقون ولا يدانيه في سبقه السابقون. واعلم أن جميع الخلق من أهل الباطل والحق قد اجتمعوا وبغير شك إئتلفوا على أن من طلق امرأته فقد حرمت عليه إلا من بعد مراجعة، فلم يختلفوا كلهم أجمعون ولم يفترقوا
---
ص 443 " (34) العنكبوت 13.
(35) النحل 13.
(36) في نسخة ولا يجوز أن يوجد إلا عند علمائهم.
(37) فاطر 32.
---(1/443)


[ 444 ]
والحمد لله اكتعون في أن الطلاق نفسه واقع بالمطلقة. ثم اختلفوا في معنى الطلاق وكيفيته فقالت: شرذمة مخالفة للحق في كل المعاني من الكتاب والسنة وهي هذه الامامية الرافضة: من طلق زوجته على غير طهر من غير جماع، أو طلق ثلاثا معا لم يكن ذلك طلاقا وكانت زوجته على حالها، ولو طلقها في كل سنة تطليقتين أو ثلاثا حتى يطلقها ثلاثين تطليقة في عشر سنين لم يلزمه ولا إياها ذلك الطلاق الذي لفظ لها به، حتى يطلقها في طهر من غير جماع وخالفهم في ذلك جميع علماء ال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتبعهم على خلافهم في ذلك جميع علماء المسلمين فقالوا: ينبغي لمن طلق، أن يطلق طلاق السنة في طهر من غير جماع، فيطلقها للعدة كما دله الله وعلمه وهداه إلى رشده فيه وفهمه وإن هو طلق على غير ذلك أوجبنا عليه ما أوجب على نفسه وإن كان قد خالف تأديب ربه فيه، فنظرنا في أمرهم واختلافهم فإذا بالامامية لا حجة معهم ولا أثر في أيديهم عن الرسول ولا سبب تقف عليه العقول غير ما ذهبوا إليه من تأويل الآية من قول الله سبحانه: (فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) (38) ثم نظرنا في قول من خالفهم في تفسير الآية فإذا معهم حجة من المعقول، وذلك أنه لو بطل اللفظ بالطلاق مرة واحدة لبطل مرارا كثيرة متواصلة ولو كان ذلك كذلك لكان الطلاق عبثا ولعبا ولم يعرف لذلك عدد، ولو بطل لفظه عدده ولو بطل عدده لبطل ماحد الله عزوجل منه وفرضه من قوله: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (39) موجبا لمعنى الثالثة في اللغة والبيان، وإذا لهم أيضا حجة من الاثر والسنة والاجماع على ما روي عن
---
ص 444 " (38) الطلاق 1.
(39) البقرة 239.
---(1/444)


[ 445 ]
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابن عمر: أنه طلق امرأته حايضا فأتى عمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يارسول الله إن عبد الله بن عمر طلق إمرأته حايضا فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مره فليرتجعها فإذا طهرت فليفارقها على طهر من غير جماع) فلما أن قال: مره فليرتجعها علمنا وعلم كل ذي عقل وتمييز أن المراجعة والارتجاع لا تكون إلا لمن قد بان كما لا يكون الطلاق إلا لما يملك من النسوان ووجدنا حجة من كتاب رب العالمين تقوي تأويلهم في الآية التي تأولتها الامامية عليهم من قول الله سبحانه وجل عن كل شأن شأنه فطلقونهن لعدتهن، وثبت ما قال غير الامامية من أن معنى هذه الآية من الله سبحانه، على معنى الدلالة والتأديب والتعريف لما هو أصلح للعباد لا على طريق الحظر والابطال لما كان سواه، وإن هذا من قول الله كغيره من قوله في مواضع كثيرة مما يدل به على الفصل والبيان، وينبه به على الصلاح والرشد والاحسان مما أمر به أمرا وذكره في كتابه ذكر الا يضيق على من فعل غيره فعله ولا يبطل على فاعله في ذلك عمله ولا يكون بذلك عند الله مخالفا عاصيا ولا مذموما غاويا خازيا، من ذلك قول الله سبحانه في الصيد: (وإذا حللتم فاصطادوا) (40) فلو لم يصطادوا من بعد الاحلال لم يكونوا مخالفين ولا لله في ذلك معاند ين، ومثل ذلك قوله في النساء والاكل والشرب في الصوم: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (41). ولو أنهم لم يباشروا
---
ص 445 " (40) المائدة 2.
(41) البقرة 187.
---(1/445)

82 / 198
ع
En
A+
A-