[ 431 ]
الانكار لرسول رب العالمين ويترك أن يصرف ذلك لارقاء المسلمين ويعتق من كملت معرفته برب العالمين ويحسن بذلك إلى المقربين بالرسول الامين، بل نقول: إنه لا يجوز ذلك لمن فعله ولا يحل عتق الكافرين لمن أعتقهم لان العتق من المعتق لا يكون إلى المعتق إلا أثرة ومحاباة وصنيعة، والصنيعة فهي أثرة، والاثرة فهي رحمة، والرحمة فهي مودة ورقة، وقد أمر الله بغير ذلك في الكافرين والمنافقين فقال: فيما نزل من الكتاب المبين وأمر به محمدا خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) (21) فأمر الله بالغلظة على من كفر بالكتاب وجحد رسول رب الارباب، وليس من الغلظة على من أشرك بالرحمن وعاند ما أنزل من النور والبرهان أن يحسن إليه إذا عتا ويفك من الرق إذا طغى وأشرك بالله العلي الاعلى، بل الواجب عليه في أولئك ومن كان من الخلق كذلك، أن يظهر لهم الاستخفاف بهم، والتبخيس والابعاد لهم، والتضييق في كثير مما يجوز التضييق فيه عليهم، والابانة لارقاء المسلمين بالاحسان إليهم منهم، ليعرفوا فضل الاسلام وأهله، فيرغبوا في دين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وملته مع أنه للمسلمين وفيهم دون غيرهم من أهل الكفر والبغي عليهم، ولن تخلو أرض الاسلام من رقبة مسلمة تباع فمن عسر عليه ولن يعسر شراء رقبة مسلمة، ولم يجدها فيما قرب منه من البلاد، ولم يجدها عند أحد من العباد رأينا له أن لا يعتدى المسلمين ولا يعتق أحدا من المشركين فإن عجل إلى أهله رأينا له أن يصوم، فإن لم يطق الصوم أطعم لانه إذا لم يجد من
---
ص 431 " (21) التوبة 73.
---(1/431)
[ 432 ]
الرقاب ما يجوز عتقه وإن كان قد تهيأ عنده ثمنه غير واجد بذلك له كما أنه إذا وجد الرقبة ولم يجد الثمن كان غير واجد لها لعدمه لثمنها وكذلك هو إذا وجد ثمنها وعدمها هي في نفسها فهو عندي غير واجد لها، ولا يكون عندي واجدا لها حتى يجدها في نفسها، ويجد ثمنها فحينئذ، يكون واجدا لها ويجب عليه ما أوجب الله عليه من عتقها وهذا هو عندي كالمسافر سواء سواء، ألا ترى أن من وجد الماء ولم يجد ثمنه فهو غير واجد له وأن التيمم واجب عليه، وأنه إن وجد ثمنه ولم يجد الماء القراح نفسه فإنه غير واجد له بوجود ثمنه وأن عليه التيمم بالصعيد الذي أمر به، وأما ما يقولون به من عتق الكافر إذا لم يوجد مسلم أو وجد فلا أرى ذلك، وما مثل ذلك عندي وعند من أنصف عقله وترك مكابرة لبه إلا كمثل رجل كان معه فضل من المال ثم بغى الماء فلم يجده ووجد لبنا أو خلا، أو عسلا، أو جلابا (22) أو سكنجبينا، فإن جاز له أن يشتري من هذا شيئا فيتوضأ به لصلاته إذا لم يجد الماء جاز له أن يشتري الكافر ويعتقه إذا لم يجد مسلما بل عتق الكافر عندي منكر عظيم وجرم جسيم لانه لا يؤمن بوائقه إن أفلت من الرق وفارقه رقه، ونجت من حبائل الرق نفسه، بل يتركه مملوكا أقرب إلى الرحمن، وأشبه بالبر والاحسان. وكذلك سمعنا من أهل العلم من الكراهية لعتق أهل الفسق من المسلمين فكل علماء آل الرسول صلى الله عليه وعليهم أجمعين لا يرون أن يعتق من المسلمين إلا من تؤمن بوائقه في الدين، فكيف لا يكره عتق أعلاج المشركين المخالفين لله في كل الاسباب، المعطلين لما نزل الله على نبيه من الكتاب، الذين لا يألون الاسلام والمسلمين خبالا بل يكسبونهم
---
ص 432 " (22) الجلاب هو ماء الورد.
---(1/432)
[ 433 ]
إن قدروا معرة ووبالا، والظهار فهو أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي أو كبطنها أو كفخذها أو كرجلها أو كساقها أو كفرجها أو كيدها أو كشئ منها ينوي به الظهار وإن قال ذلك ينوي به الطلاق ولا ينوي به الظهار فهي طالق يجوز له مراجعتها ما كانت في عدتها، ولا يجب عليه كفارة وإن قال: لم أنو طلاقها ولا ظهارا وإنما نويت يمينا فقد قال غيرنا إنه مولي يجب عليه الكفارة ولسنا نرى ذلك لان الملي لابد له من الكفارة والكفارة فلا تجب إلا على من أقسم بالله. وإن قال رجل لزوجته: أنت علي كمثل أمي أو كأمي سئل عن نيته فإن كان نوى طلاقا لزمه الطلاق، وإن نوى ظهارا لزمه الظهار، وإن قال: لم أنو ذلك ولاذا (23) كانت كذبة لانها لا تكون كأمه ولا مثل أمه أبدا، قال: ولا يكون من ظاهر بأمه من الرضاعة ولا أخته من الرضاعة أو بنته من الرضاعة أو بإمرأة بسبب من أسباب الرضاعة مظاهرا ولا يكون الظهار إلا بالام لا بغيرها كما قال الله سبحانه.
باب القول في الايلاء
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الايلاء عندنا فهو أن يحلف الرجل بالله ألا يدنو من إمرأته أربعة أشهر سواء، وما زاد من الشهور فوقها، فأما من حلف فيما دون الاربعة الاشهر من جمعة أو جمعتين أو شهر وشهرين فليس بمول، وإذا آلى الرجل ثم تم على إيلائه ولم يعد إلى امرأته ويكفر ما حلف به من يمينه فإنا نرى أن يوقفه الامام فيقول له: ف ء إلى امرأتك فإن فاء كفر يمينه، ورجع إلى إمرأته وأن أبى أن يفئ فرق الامام بينهما، وتفريقه بينهما أن يأمره بفراقها ويجبره على طلاقها ولا نرى أن يوقفه الامام إلا عند انسلاخ الاربعة أشهر، فأما قبلها
---
ص 433 " (23) في نسخة ولاذاك.
---(1/433)
[ 434 ]
فلا نرى أن يوقفه، ولكن يتربص به، ويتركه ينظر في أمره، فإن رجع إلى ما ينبغي وإلا أوقف عند انقضاء ما جعل الله له من المدة والمدى، فإن لم يقرب إلى الامام ولم يوقفه حتى مضت له سنة أو سنتان فإنه يوقف بعد ذلك ولا تطلق عليه امرأته حتى يوقفه الامام ومتى أوقفه فإن فاء وإلا فرق الامام بينهما، وكذلك كان قول أمير المؤمنين: (علي بن أبي طالب عليه السلام) أنه كان يوقفه بعد سنتين، وفي الايلاء ما يقول رب العالمين: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) (24). قال يحيى بن الحسين عليه السلام: يوقفه الامام إذا رفع إليه أمره فيقول أمسك عليك زوجتك وكفر يمينك وف ء إليها وإلا فطلقها فإن فاء ورجع وإلا عزم عليه الامام فطلق، فإن أبى أن يطلق وأبى أن يفئ حبسه الامام وضيق عليه أبدا حتى يفئ أو يطلق. حدثني أبي عن أبيه: في المولي يوقف بعد أربعة أشهر أم لا؟ فقال: أحسن ما سمعناه فيه أن يوقف وهو قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقول علماء أهل البيت. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا إيلاء لمول دون أربعة أشهر فأكثر، ومن حلف على دون أربعة أشهر فليس بمول. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن الايلاء كيف هو؟ فقال: الايلاء أن يحلف على إمرأته ألا يكون بينه وبينها جماع ولا مداناة قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: الفئ هو الجماع نفسه، فمن لم يقدر عليه فاء بلسانه ويشهد على إيفائه، ولو أن رجلا آلى من
---
ص 434 " (24) البقرة 276.
---(1/434)
[ 435 ]
امرأته ثم أراد الفئ إليها قبل مضي الاربعة الاشهر وكان عليلا لا يطيق الجماع جاز له أن يفئ إليها بلسانه فيقول اشهدوا أني قد رجعت عن يميني وفئت إلى زوجتي، فإن صح وأطاق الجماع وجب عليه ساعة يطيقة ويقدر عليه أن يدنو منها، ولا يجوز له أن يخلف ذلك بعد الاستطاعة له، لان إيلاءه ويمينه إنما وقعت على الجماع والمداناة، فإن آلى من امرأته ثم أراد الفئ بعد أن مضت الاربعة الاشهر وكان عليلا لا يقدر على الجماع فإنه يجزيه أن يفئ بلسانه ويشهد على ذلك فإن صح بعد ذلك وأطاق الجماع فلا بأس عليه إن خلف الجماع من بعد الاستطاعة يوما أو يومين أو أكثر لان الاشهر التي حلف عليها وفيها قد خرجت. قال: وكذلك لو حلف على عشرة أشهر كان الامر فيها كالامر في الاربعة الاشهر، قال: فإن آلى أن لا يقربها أربعة أشهر ثم طلقها من بعد إيلائه بأيام فقد لزمها الطلاق، وهي طالق واحدة، أنقضت عدتها بعد الاربعة الاشهر أو قبلها سواء ذلك عندنا لانا لا نرى أنه يلزمه طلاقها بإيلائه عند خروج الاربعة أشهر دون إيقافه، ولو مضت له سنة أو أكثر، فلذلك قلنا إن ذهاب الاشهر لا يلزمه به طلاق كان خروجها وذهابها قبل إنقضاء العدة أو بعدها، ولسنا نقول: في ذلك كما قال غيرنا: فيوقع بإنقضاء الاربعة أشهر أولا قبل العدة تطليقة ثم يوقع بإنقضاء العدة تطليقة ثانية، هذا عندنا باطل لا نراه، ولا نقول به ولا نشاءه. قال: ولو أن رجلا آلى ثم طلق (25) امرأته قبل أن يفئ، ثم راجع قبل انقضاء العدة ولم يف ء وثبت على إيلائه وإمساكه عنها حتى تخرج الاربعة الاشهر رأينا أن يوقف لها بعد انقضاء الاربعة الاشهر فإن فاء فذاك، وإن لم يف ء أجبر على أن
---
ص 435 " (25) في نسخة قال فإن آلى الرجل ثم طلق.
---(1/435)