[ 426 ]
باب القول في البرية والخلية والباين والبتة والحرام وحبلك على غاربك
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قد رويت في هذا روايات عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ولم يصح لنا ذلك عنه ولم يثبت عندنا أنما قيل به في ذلك منه (17) وأحسن ما نرى في هذا أن تكون واحدة يملك عليها فيها الرجعة ما دامت في العدة، فان خرجت من عدتها كان خاطبا لها يخطبها كغيره من الخطاب. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن الباين والبتة والبرية والخلية والحرام، وحبلك على غاربك، فقال: قد روي عن علي عليه السلام أنه كان يجعلها ثلاثا، ولم يصح عنه عندنا ذلك، وذلك أنهم وجدوه عنه زعموا في صحيفة (18) وأقل ما في ذلك عندنا واحدة.
باب القول في أمرك بيدك وفي الخيار وفي الطلاق قبل النكاح
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا قال الرجل لامرأته: قد جعلت أمرك إليك فاختاري، جاز أمرها في نفسها إن شاءت أبانت نفسها وإن شاءت أقرتها مع زوجها وأثبتتها، وهذا عندنا من فعله وفعلها فهو على طريق الوكالة كأنه حين قال: أمرك بيدك وكلها بتطليق نفسها إن شاءت التطليق فجاز ذلك منه إليها كما يجوز منه إلى غيرها لو وكله بطلاقها فقال له: إن شئت الطلاق فطلقها جاز ذلك للموكل فيها إذ جعل زوجها إليه أمرها فكذلك، وعلى ذلك يخرج جعل زوجها أمر فراقها إليها فكأنه وكلها بفراقها وأمرها أن تنفذ متى شاءت ما أطلق لها وأمرها به من
---
ص 426 " (17) في نسخة إنما قيل به في ذلك عنه.
(18) في نسخة وأقل ما عندنا في ذلك واحدة.
---(1/426)
[ 427 ]
طلاقها، وكما أنه لو وكلها بفراق زوجة له أخرى، وأمرها أن شاءت الزوجة الاخرى الفراق أن تطلقها فشاءته المرأة فطلقها وأنفذت ما جعل إليها من فراقها كان اخراجه ذلك جايزا عليها إذ جعله إلى هذه ومنه إليها أخرجه، فأجزنا تطليقها لنفسها بأمره كما أجزنا تطليقها لغيرها بأذنه، والنساء في جميع الاشياء من الوكالات وغيرهن من الاحوال يقمن إذا وكلن في الحكم مقام الرجال يجب لهن ما يجب لهم، ويثبت عليهن ما يثبت عليهم، ألا ترى أن رجلا لو قال: لمملوكته قد جعلت أمر عتقك إليك فأعتقي متى شئت نفسك فقد جعلت ذلك في يدك وأجزت فيه قولك فقالت الجارية: فإني قد أعتقت نفسي بأمرك، فأنا حرة لوجه الله جاز ذلك على سيدها، وعتقت بقولها، لا يختلف في ذلك عاقلان، ولا يشك فيه جاهلان، وكذلك لو قال لها: قد جعلت عتق ولدك إليك وأجزت فيهم فعلك وعتقك، فأعتقيهم متى شئت، فقالت: قد أعتقهم بأمرك وحررتهم لوجه الله، جاز ذلك عليه وصاروا أحرارا غير مملوكين وبانوا بإبانتها لهم عتقاء محررين. قال: ولو أن رجلا قال لنسائه: أخترنني أو أنفسكن فاخترنه لم بكن ذلك عندنا بطلاق ولم يلزمه في قوله وقولهن فراق، وإن هن أخترن أنفسهن كانت تطليقة، وفي ذلك ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين خير نسائه بأمر الله له، وذلك قول الله عزوجل: (يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) (19) ففعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أمره الله به من تخييرهن
---
ص 427 " (19) الاحزاب 28.
---(1/427)
[ 428 ]
فخيرهن فأخترنه، فلم يكن ذلك عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم طلاقا. قال: ولو أن رجلا طلق قبل أن يملك عقدة النكاح لم يكن ذلك عندنا طلاقا فإن سمى المرأة بعينها فقال يوم أتزوج فلانة فهي طالق لم يلزمه طلاقها، لانه لم يملك عقدة نكاحها وكذلك روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: لاطلاق ولا عتاق إلا ما ملكت عقدته. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق ومتى تزوجت امرأة فهي طالق أو يقول إن تزوجت إلى كذا وكذا فهي طالق، قال: قد ذكر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتاق إلا بعد ملك، وإن سماها بإسمها. ويروى أن رجلا من الانصار لاحى إبن أخيه ونازعه فحلف إبن أخيه بالطلاق ألا يتزوج إبنته فإن تزوجها فهي طالق فسأل الاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأمره بإنكاحه إياها ولم يلزمه طلاقها قبل ملكها. حدثني أبي عن أبيه في رجل خير امرأته تختاره أو تختار نفسها، قال: قد خير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسائه فلم يعد تخييره لهن طلاقا. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن رجل قال: لامرأته أمرك بيدك فقال: قد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: إذا جعل أمرها بيدها فقد أخرج من يده ماكان له ووقعت تطليقه واحدة. وأمرك بيدك أوكد من اختاري. وليسا عندنا سواء لان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد خير نسائه فلم يعد ذلك
---(1/428)
[ 429 ]
طلاقا، وهذا من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: وكان أعلم بما يقول. قال يحيى بن الحسين عليه السلام: ولو أن رجلا قال: لامرأته أمرك في يدك تبن أمرها ولم تذكر قبولها لما جعل إليها حتى تفرقا لم يكن أمرها بعد ذلك إليها، لانها قد تركت القبول، ولم تقبل حتى افترقا وجاز أمرها وانقضى، فإن قبلت أمرها وأنفذت ما جعل إليها من فراقها وجب ذلك عليه وعليها، ولزمه ولزمها، فإن فارقت بأمره نفسها ثلاثا فقولنا في هذه كقولنا في الثلاث إنها ترجع إلى واحدة في قولنا واختيارنا ورأينا، ويكون له عليها الرجعة في عدتها.
باب القول في الظهار
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كل من ظاهر من امرأته فلا يحل له من بعد ذلك مداناتها إلا من بعد أن يكفر بما أوجب الله عليه في ذلك من الكفارة فيعتق رقبة من قبل أن يمسها فإن لم يجد صام شهرين متتابعين من قبل أن يدنو منها، أو يكون منه جماع إليها، فمن لم يستطع الصيام جاز لله عند ذلك الاطعام فليطعم ستين مسكينا أحرارا مسلمين محتاجين مضطرين، ثم تحل له امرأته من بعد ذلك، وفي ذلك ما يقول الله تبارك وتعالى، حين أنزل على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أنزل في ظهار أوس بن الصامت الانصاري من زوجته خولة إبنة ثعلبة، وذلك أنه نظر إليها وهي تصلي فأعجبته، فأمرها أن تنصرف إليه فأبت، وتمت على صلاتها، فغضب وقال: أنت على كظهر أمي، وكان طلاق الجاهلية هو الظهار، فندم وندمت، فأتت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكرت له ذلك فقالت: أنظر هل ترى له من توبة؟ فقال: ما أرى له من توبة في مراجعتك فرفعت يديها إلى الله فقالت:
---(1/429)
[ 430 ]
أللهم إن أوسا طلقني حين كبرت سني، وضعف بدني، ودق عظمي، وذهبت حاجة الرجال مني، فرحمها الله عزوجل فأنزل الكفارة فدعاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له: أعتق رقبة فقال: لا أجدها فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صم شهرين متتابعين فقال: يا رسول الله إن لم آكل كل يوم ثلاث مرات لم أصبر فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فأطعم ستين مسكينا، فقال: ما عندي ما أتصدق به إلا أن يعينني الله ورسوله، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعرق من تمر، و " العرق فهو المكتل الكبير فيه ثلاثون صاعا من تمر الصدقة " فقال يا رسول الله: والذي بعثك بالحق نبيا ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنطلق فكله أنت وأهلك وقع على امرأتك، فأنزل الله في هذين الانصاريين ما أنزل وذلك قوله عزوجل: (والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) (20) وقد قال غيرنا: إن الرقبة التي تعتق في الظهار تجزى وإن كانت كافرة وزعموا أن حجتهم في ذلك أنه لم يقل في هذه الآية مؤمنة كما قال: في غيرها مؤمنة، ومعاذ الله أن يكونوا في ذلك من القول مصيبين ولا فيه للحق والرشد مقاربين ونبرأ إلى الله أن نكون بذلك من القائلين وكيف يجوز أن يفك بالعتق رقاب أهل الكفر من المشركين، وتصرف كفارات عثرات المؤمنين في أهل الجحدان من الكافرين ويستنقذ من ريق الرق أهل
---
ص 430 " (20) المجادلة 3.
---(1/430)