[ 415 ]
كتاب الطلاق
---(1/415)
[ 417 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ أبواب الطلاق وتفسير ما أمر الله به فيه ودل عليه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الطلاق ثلاث تطليقات كما قال الله تبارك وتعالى، والثلاث التطليقات لا تكون إلا واحدة بعد واحدة وثالثة بعد ثانية وذلك قول الله تبارك وتعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (1) يريد عزوجل بقوله فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان الثالثة يقول: إذا طلقها تطليقين ثم ارتجعها فليس إلا الامساك بمعروف أبدا، أو التسريح بإحسان لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره.
باب القول في طلاق السنة وهو طلاق العدة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله تبارك وتعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) (2) فدل سبحانه عباده على أرشد أمورهم،
---
ص 417 " (1) البقرة 239.
(2) الطلاق 1.
---(1/417)
[ 418 ]
وأمرهم بأصوب فعالهم (3)، وبما يستدركون به خطأ إن كان منهم، ثم أمرهم بأحصاء العدة، والعدة فهي الاقراء وما جعل الله من العدة للنساء، ثم نهاهم عن إخراجهن من بيوتهن حتى يستوفين ما عليهن من عدتهن ثم قال سبحانه: (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) (4) يقول: حكم الله بأن لا يخرجن من بيوتهن، وحكمه فهو أمره، وأمره فهو حدوده التي لا ينبغي أن تتعدى فيخالف الله في إخراجهن ويعصى، ثم قال عزوجل: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) (5) يريد لعل الله يحدث للرجل رغبة فيها بعد ما كان عزم عليه من طلاقها فيرتجعها، وبعد الطلاق والمخالفة، فقد تكون المودة والموالفة، فينبغي للمطلق إذا أراد أن يطلق طلق السنة الذي دله الله عليه وأختاره له، وألا يتعداه، فإن تعداه فقد أخطأ حظه ولزمه في ذلك ما ألزم نفسه من الطلاق على غير ما أمر به، وطلاق السنة أن يترك امرأته إذا أراد طلاقها حتى تطهر من حيضها وتخرج من طمئها، وتغتسل من قرؤها، ثم يقول لها: في وجه طهر من غير جماع أنت طالق، أو أعتدي ينوي بذلك الطلاق، ثم يتركها تمضي في عدتها حتى تحيض ثلاث حيض فإن بدى له أن يراجعها في الثالثة من حيضها فهو أولى بها من نفسها ووليها، مادامت في عدتها قبل أن تطهر فإذا أراد ذلك أشهد شاهدين على أنه قد راجعها ثم قد ملكها، وإن هو أمهلها حتى تخرج من الثلاثة الاقراء وتغتسل من الثالث بالماء فهي أملك منه بنفسها وهو خاطب من خطابها إن شاءت تزوجته وإن شاءت تزوجت غيره، فإن أراد
---
ص 418 " (3) في نسخة وأمرهم بأصوب أعمالهم.
(4) الطلاق 1.
(5) الطلاق 1.
---(1/418)
[ 419 ]
ارتجاعها راجعها بتزويج من وليها وبمهر جديد وشاهدين وتكون معه بثنتين، فإن عزم على طلاقها مرة أخرى من بعد ما كان من التطليقة الاولى طلقها أيضا كما طلقها أولا في وجه طهر من غير جماع يقول لها: أنت طالق أو اعتدي ينوي بذلك الطلاق، ثم يتركها في عدة من هذه التطليقة الثانية، فإن بدا له فيها بداء قبل أن تنقضي عدتها هذه الثلاثة الاقراء فهو أولى بها من نفسها ومن وليها فليشهد شاهدين على ارتجاعها ثم هو قد ملكها وبقيت معه على تطلليقة واحدة، وإن هو أمهلها حتى تخرج من عدة هذه التطليقة الثانية فهو خاطب أيضا من الخطاب إن شاءت راحعته وإن شاءت تركته، فإن راجعته وراجعها بولي وشاهدين ومهر جديد ثم هي معه على واحدة لم يبق له عليها غيرها لانه قد طلقها تطليقين وارتجعها أيضا ارتجاعتين وهذه فهي الثالثة التي قال الله سبحانه: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (6) فإن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ولا ينبغي لها أن تنكح زوجا غيره حتى تحيض ثلاث حيض وتطهر من الدم الثالث وإن نكحت في شئ من عدتها كان نكاحها باطلا لا يتم لها. قال: وينبغي له في كل تطليقه كان طلقها إذا كانت تعتد في منزله ومنزلها أن يتحرز من النظر إلى شعرها أو جسدها أو شئ من عوراتها وإن يؤذنها عند دخوله بالتنحنح والصوت وبالكلام لتتحرز وتجمع عليها ثيابها، ولا يجوز له أن يقطع نفقته عنها ولا عن خادمها، وإن احتاجت إلى كسوة من عري كساها، وينبغي له أن يشهد على طلاقها إن شاء عند ما يلفظ به في أول مرة، وإن شاء عند انقضاء عدتها وخروجها من
---
ص 419 " (6) البقرة 229.
---(1/419)
[ 420 ]
منزله فليشهد على ذلك شاهدين عدلين فهذا طلاق العدة ومعناه في المرأة. وإذا أراد أن يطلق امرأة قد يئست من المحيض أو امرأة صغيرة لم تحض فإنا نستحب له أن يكف عن جماعها حتى يمضي لها شهر لم يجامعها فيه، ثم يقول لها عند رأس الشهر أنت طالق أو اعتدي ينوي بذلك الطلاق وإن طلقها من قبل مضي الشهر لم يضق ذلك عليه لانه غير منتظر منها لحيض يفارقها في وجه طهرها منه ثم يدعها تمضي في عدتها، وعدتها ثلاثة أشهر كما قال الله سبحانه: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) (7) فجعل الله سبحانه عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر فإن أراد مراجعتها قبل مضي الثلاثة الاشهر فهو أولى بها من نفسها ووليها، فليشهد شاهدين على ارتجاعها ثم قد ملكها، وإن أمهلها حتى تخرج من الثلاثة الاشهر فهي أولى بنفسها وهو خاطب من خطابها إن شاءت تزوجته وإن شاءت تزوجت غيره وهي في كل أمرها كالاولى منا فيها كالقول في الاولى. ومن أراد أن يطلق امرأته وهي حامل طلاق السنة فليمهلها ويدعها من الجماع حتى يمضي لها شهر ثم ليطلقها، وإن طلقها أيضا قبل ذلك جاز له والحيطة أن يدعها شهرا وله أن يطلقها متى شاء قبل ذلك لانه لا ينتظر منها حيضا وهي حامل تطلق في وجه الطهر منه، فإذا وضعت ما في بطنها فهي أولى بنفسها منه كما قال الله سبحانه: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) فإن وضعت حملها من الغد فقد ملكت أمرها وصارت أولى بنفسها من زوجها وإن أراد مراجعتها كان
---
ص 420 " (7) الطلاق 4.
(8) الطلاق 4.
---(1/420)