[ 536 ]
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ليس من أهل الصبر من لم يصبر نفسه عن معاصي الله ويصيرها على طاعة الله، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (أن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا ابتلاه وإذا ابتلاه فصبر كافأه) وفي ذلك ما بلغنا عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (ثلاث من كن حرم الله لحمه على النار وأولجه الجنة من إذا أصابته مصيبة استرجع وإذا أنعم عليه بنعمة حمدالله عليها عند ذكره إياها، وإذا أذنب استغفر الله). وبلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: (أوحى الله إلى موسى بن عمران أتدري لما اصطفيتك على الخلائق وكلمتك تكليما قال لم يا رب؟ فقال لاني أطلعت على قلوب عبادي فلم أجد فيهم أشد تواضعا لي منك.
باب القول في السخاء والعمل لله والبخل
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: السخي قريب من الناس قريب من الله حبيب إلى الله حبيب إلى الناس إذا كان مؤمنا، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إن الله يحب السخي فأحبوه، ويبغض البخيل فابغضوه) وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (السخاء شجرة أصلها في الجنة وأغصانها في الدنيا فمن أخذ بغض منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة، والبخل شجرة ثابتة في النار وأغصانها في الدنيا فمن أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى النار). وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (من
---(2/536)


[ 537 ]
صلى ثماني ركعات في جوف الليل والوتر يداوم عليهن حتى يلقى بهن الله فتح الله له اثني عشر بابا من الجنة يدخل من أيها شاء). وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (صلاة السر تضعف على صلاة العلانية سبعين ضعفا).
باب القول في الرفق
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من استعمل الرفق في إخوانه دامت له مؤدتهم، ومن استعمله في أهل بيته استمال قلوبهم، ومن استعمله في أعداءه قل عنه عداوتهم، ومن استعمله في خدمه استدام نصيحتهم، ومن استعمله في رزقه من غير تقصير بحسبه ولا تصغير بمرؤته استدام نعمة ربه، وإن لمنفق خلقا ولممسك تلفا كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا ينبغي أن ينفق المرء في معاصي الله رزقه الذي رزقه الله، ولا يحبسه عن طاعة الله، والسخاء من الله بمكان. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الرفق يمن والخرق شؤم) وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا دلهم على الرفق). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: رفق المرء بنفسه أقرب إلى الله من رفقه بماله ولم يرفق بنفسه، من لم يقها شحها ويصرف عنها وقوع اللؤم علهيا ويخرج شقى البخل منها وينفي عار اللؤم فإنه متى لم يفعل ذلك بها فلم يقها شحها ومن لم يق النفس الشح من العالمين
---(2/537)


[ 538 ]
لم يكن عند الله من المفلحين ومن لم يكن عند الله من المفلحين فهو عند الله من الهالكين وفي ذلك ما يقول أصدق الصادقين: * (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) * (9).
باب القول في معاونة الظالمين
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من أعان ظالما ولو بخط حرف أو برفع دواة أو وضعها ثم لقي الله عزوجل على ذلك وبه ولم يكن اضطرته إلى ذلك مخافة على نفسه لقي الله يوم القيامة وهو معرض عنه غضبان عليه ومن غصب الله عليه فالنار مأواه والجحيم مثواه أما أني لا أقول إن ذلك في أحد من الظالمين دون أحد بل أقول إنه لا يجوز معاونة الظالم ولا معاضدته ولا منفعته ولا خدمته كائنا من كان من آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو من غيرهم كل ظالم ملعون وكل معين ظالم ملعون. وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من جبا درهما لامام جائر كبه الله في النار على منخريه) وفي ذلك ما يقال إن المعين للظالم كالمعين لفرعون على موسى. وفي ذلك ما بلغنا عن أبي جعفر محمد بن علي رحمة الله عليه أنه كان يروي ويقول: إذا كان يوم القيامة جعل سرادق من نار وجعل فيها أعوان الظالمين ويجعل لهم أظافير من حديد يحكون بها أبدانهم حتى تبدوا أفئدتهم فيقولون ربنا ألم نكن نعبدك فيقال بلى ولكنكم كنتم أعوانا للظالمين. وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من سود علينا فقد شرك في دمائنا).
---
ص‍ 538..
(9) الحشر 9.
---(2/538)


[ 539 ]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: التسويد هاهنا هو التكثير فمن كثر بنفسه أو بقوله أو أعان بماله على محق من آل رسول الله صلى الله عليه وآله جميعا فقد شرك في دمه ووتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ابنه، وأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا سخط بالسخط في ولده، وأرضى بالرضا فيهم من سائر الناس في أولادهم، وأن لهذه الامة الضالة الحاملة ذنب المذنبين من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المحسن المطهر منهم الذي هو أسخط وأكره لفعل ذلك المسئ من سائر الناس لموقفا بين يدي الله يخاصمه فيه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحكم بالحق بينهم الله * (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) * ويح من فعل ذلك من هذه الامة أما يسمع قول الله سبحانه حين يقول في ذلك ومن كان من الخلق كذلك * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (10) ويقول سبحانه: * (وكل إنسان ألزمناه طائرة في عنقه ويخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) * (11) بلى قد سمعوه ووعوه ولكن عاندوا في ذلك الحق وجنبوا عن الصدق ظلما وغشما وعداوة لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وولده وتمردا وظلما كأن لم يسمعوا الله سبحانه كيف أمر نبيه أمرا بأن يفترض على الامة مودتهم فرضا فقال: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (12) بلى قد سمعوا ذلك بآذانهم وفهموا فرض الله فيهم بقلوبهم ثم رفضوه من بعد ذلك رفضا وتركوه عداوة لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وحسدا وكانوا كما قال الرحمن فيما نزل من آي القرآن فيمن كان قبلهم ممن عرف مثل ما عرفوا ثم جحد كما جحدوا فقال الله عزوجل: * (فلما جاءتهم
---
ص‍ 539..
(10) فاطر 18. \ \ \ (11) الاسراء 13. \ \ \ (12) الشورى 23. \ \ \ سورة الكهف 49.
---(2/539)


[ 540 ]
آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) * (13).
باب القول في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء إلى الله
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من دعى إلى الله فأجيب كان له مثل أجر كل من أجابه غير منتقص من أجر المحسنين، والدعاء إلى الله فأكبر الاعمال. وفي ذلك ما يقول ذو الجلال والاكرام: * (أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون) * (14) والذكر لله هاهنا هو الدعاء إلى الله، وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه أنه كان يقول في قول الله سبحانه ولذكر الله أكبر قال: ذكر الله هاهنا هو الدعاء إلى الله. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ويدخل مع ذلك من ذكر الله شغل القلب في التفكر في جلال الله وقدرته وعظمته وسلطانه، والذكر له بما ذكر به نفسه من توحيده وعدله وصدق وعده ووعيده. قال: وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره أو تنتقل). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: يجب هذا الفرض على من أطاق التغيير، ومن لم يطق التغيير وجب عليه الهجرة لذلك الموضع الذي يعصى فيه الرحمان ويطاع فيه الشيطان إلى منكب من مناكب
---
ص‍ 540..
(13) النمل 13.
(14) العنكبوت 45.
---(2/540)

194 / 198
ع
En
A+
A-