[ 505 ]
ويشبع بنا البطون الجائعة، ويسكون بنا الظهور العارية ونرد المظالم على المظلومين ويقوى في الحق جميع العالمين ونذل المبطلين ونعز المحقين ونسير بسيرة ملائكة رب العالمين وأنبيائه المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ونذكر بسيرتنا أفاضل من مضى من آبائنا ونكبت أعداء الحق، ونظر كلمه الصدق ونرضي الرحمن ونسخط الشيطان، لسقيت أخرها في أثر أولها ولرددت وجوه أولها على آخرها وخليت قليلها الباقي يلحق بأوله الماضي حتى يعلم الجهال وأهل الشك من الضلال إن دنياهم عندي أمرها أيسير وأهون على يحيى بن الحسين من انقير، ولكن يحجب عن ذلك ويمنعنا عن أن يكون كذلك ما وصفنا وقلنا وذكرنا مما فيه رغبتنا من كرامة ذي الجلال والسلطان والرغبة في مرافقة الصالحين في الجنان ورحمة المسلمين ونصر الحق والدين والاقتداء بأولى العزم من النبيين فنسأل الله الخيرة في كل الامور والدفع لكل مخوف على الدين أو محذور وان يبلغنا في ذلك ما أملنا به من طاعة ربنا وسيدنا والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الحق المبين وحسبنا الله العلي الكريم عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطيبين.
باب القول في فضل الامام العادل
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من حكم بحكم الله وعدل في العباد وأصلح البلاد من أهل بيت النبي المصطفى فهو خليفة الله العلي الاعلى إذا كانت فيه شروط الامامة وعلاماتها وحدودها وصفاتها، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله [ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ]
---(2/505)


[ 506 ]
وبلغنا عنه عليه السلام أنه قال: (الوالي العادل المتواضع في ظل الله ورحمته فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله حشره الله في وفده يوم لاظل إلا ظله، ومن غشه في نفسه وفي عباد الله خذله الله يوم القيامة) قال: (ويرفع للوالي العادل المتواضع في كل يوم وليلة كعمل ستين صديقا كلهم عامل مجتهد في نفسه) قال: وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (يقال للامام العادل يوم القيامة في قبره أبشر فإنك رفيق محمد). قال: وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت من بعدي فله أجر من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه أثم من عمل بها لا ينقص ذلك من إثم الناس شيئا، وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ثلاث من كن فيه استكمل خصال الايمان: الذي إذا قدر لم يتعاط ما ليس له وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غصبه من الحق).
باب القول في السيرة في أهل البغي
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب قتال من بغى من المؤمنين على طائفة من المؤمنين أو على إمام حق من المحقين فيجب جهادهم إذا امتنعوا من الحكم ولم يرضوا بالحق كما قال الله سبحانه: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) * (36) فأوجب
---
ص‍ 506..
(36) الحجرات 9.
---(2/506)


[ 507 ]
قتال من بغى من المسلمين على طائفة من المؤمنين فكيف بقتال من بغى على رب العالمين وخالف حكم المحقين، ولم يطع من أمره الله بطاعته من الائمة الهادين، فمن امتنع من ذلك وخالف الرحمان وأبدى المجاهرة لله والعصيان وجب على المسلمين قتاله أبدا حتى يفئ إلى أمر الله ويحكم بحكم الله ويسلم الامر لاولياء الله حتى يكون الدين لله خالصا كما قال عزوجل فيما نزل من كتابه وفرقانه: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) * (37) فيجب على من قاتل الظالمين الباغين أن يحتج عليهم من قبل قتالهم ويدعوهم إلى كتاب ربهم فإن أجابوا حرم عليهم قتلهم وقتالهم وأموالهم وإن امتنعوا من الحق حل للمسلمين قتلهم وقتالهم ويغنم ما أجلبوا به في عساكرهم ولم يجز سبيهم ولم يحل ذلك فيهم. كذلك فعل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام بالبصرة يوم الجمل قتل من قاتله وأخذ ما في العسكر ولم يتبع من المنهزمين مدبرا ولم يجز على جريح ولم يجز لاحد سبيا فتكلم بعض أصحابه في ذلك وقالوا أحللت لنا دماءهم وأموالهم وحرمت علينا سبيهم، فقال: ذلك حكم الله فيهم وعليهم وفي غيرهم من سواهم ممن يفعل كفعلهم، فلما إن اكثروا عليه في ذلك قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قال: أيها الناس إنكم قد أكثرتهم من القيل وألقال والكلام في مالا يجوز من المحال فأيكم يأخذ عايشة في سهمة، فقالوا كلهم لا أينا، فقال فكيف ذلك وهي أعظم الناس جرما. فلما أن قال ذلك لهم استفاقوا من جهلهم
---
ص‍ 507..
(37) الانفال 39.
---(2/507)


[ 508 ]
وأبصروا من عماهم واستيقظوا من نومتهم وصوبره في قوله واتبعوه في أمره وعلموا أن قد أصاب وجانب الشك والارتياب. قال يحيى بن الحسين عليه السلام: فكل من شاق الحق وعانده وجب قتاله وحل دمه، ومن حل بالمحاربة دمه كان غنيمة للمسلمين عسكره، وحرم سباؤه ملم يجز ذلك فيه.
باب القول في الجاسوس والسيرة في محاربة أهل دار الحرب
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن صح على الجاسوس أنه قتل بجساسته أحد من المسلمين قتل وإلا حبس. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لا يجوز عندنا قتال أهل دار الحرب إلا مع إمام حق عادل يجوز معه سفك دمائهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم فأما بغير إمام مستحق لذلك فلا. قال: وينبغي أن يدعو إلى الاسلام والى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فإن أجابوا إلى ذلك فهم مسلمون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم لا يجوز بعد ذلك قتلهم ولا أخذ أموالهم ولا سبيهم، فإن أبوا ذلك عرض عليهم أن يكونوا أهل ذمة ويؤدوا إلى المسلمين الجزية وتجري عليهم أحكام المسلمين ويولا ولاة المسلمين على بلادهم ويتركوا على دينهم كما يترك أهل الذمة، فإن أجابوا إلى ذلك وضعت عليهم الجزية كما وضعت على غيرهم فتؤخذ من مياسيرهم وملوكهم ثمانية وأربعون درهما، قله ومن أوساطهم وتجارهم أربعة وعشرون درهما ومن سفلتهم وفقرائهم اثنا عشر درهما فان أبوا ذلك حوربوا واستعين بالله عليهم.
---(2/508)


[ 509 ]
فإذا انهزموا وضع السيف فيهم وقتلوا مقبلين ومدبرين وأسروا وسبوا واستبيحت بلادهم من بعد أن يثخن بالقتل رجالهم، ثم تجمع غنايمهم فتقسم على خمسة أجزاء فيخرج منها خمس لمن سمى الله عز وجل من أهل الخمس وتقسم الاربعة الاخماس الباقية بين الذين حضروا الوقعة على مقاسم الخيل والرجالة للفارس سهمان، وللراجل سهم ثم يقسم الخمس على من جعله الله له على ما شرحنا وذكرنا في أول كتابنا هذا، وللمشركين من الوفاء والامان بالعهد ما للباغين غير أنه ينبغي للامام إن لا يترك منهم أحدا ممن يدخل إليه بأمان إلا أعلمه وأخبره أنه لا يجوز له أن يقيم في بلاد المسلمين أكثر من سنة وإنه إن وجده في دار الاسلام من بعد السنة لم يتركه أن يخرج منها فجعل عليه الجزية وكان ذميا فإن وجده حكم فيه بذلك.
باب القول في وضع الخراج على ما افتتح من الارضين فترك ولم يقسم كما فعل بالسواد وغيرها من أرض السام ومصر وغير ذلك
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا افتتحت الارض فرأى الامام أن يتركها ولا يقسمها ويعامل عليها أهلها الذين كانت لهم أولا أو غيرهم بالنصف أو أقل أو أكثر فله أن يراضيهم من ذلك على شئ يكون معروفا. فأما أرض السواد فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه لما أن ولي بعث رجلا من الانصار على أربعة رساتيق من رساتيق (38) المداين وعلى البهقنات ونهر شير ونهر الملك ونهر
---
ص‍ 509..
(38) الرساتيق هي النواحي.
---(2/509)

188 / 198
ع
En
A+
A-