[ 490 ]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وإن إحتاج الامام إلى صرف الخمس كله في مصالح المسلمين فله أن يصرفه في ذلك ولا يقسمه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم حنين، وكما فعل أمير المؤمنين عليه السلام في حرب صفين أخذ الخمس واستحل منه أهله، وإنما يكون للامام ذلك عند حاجته إليه وضرورته لا في وقت مقدرته وسعته، وإن كان المساكين أولى بذلك كله صرف إليهم، وكذلك أبناء السبيل. ومن الحجة فيما قلنا به في سهم اليتامي والمساكين من الغنيمة التي أفاءها الله على المؤمنين المجاهدين من قولنا إنها من بعد آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لابناء المهاجرين ثم الانصار من بعد استغناء المهاجرين ثم هو من بعد استغناء الانصار عنها لمن جاء بعدهم من المؤمنين والمسلمين عامة قول الله تبارك وتعالى: * (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا تكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهو واتقوا الله إن الله شديد العقاب، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) * (26).
---
ص‍ 490..
(27) الانسان 28.
---(2/490)


[ 491 ]
باب القول فيمن حضر الحرب والغنيمة من النساء والصبيان والمماليك وأهل الذمة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كل من حضر من هؤلاء القتال لم يضرب بسهم كغيره من الرجال ولكن ينبغي للامام أن يرضخ لهم على قدر عنائهم ومنفعتهم وما كان من دفاعهم عن المسلمين واجتهادهم في طاعة رب العالمين.
باب القول في الاسير الذي لا ينبغي أن يقتل
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أسر الاسير وأوثق بوثاق يمنعه من البراح والانفلات بنفسه لم يجز بعد ذلك قتله ووجب حبسه والاستيثاق منه إذا خشي منه أمر أو سبب مما يضر بالمسلمين، فإن بدت من الاسير أمور يباين فيها بعد أسره رب العالمين وكانت الحرب بعد قائمة ولم يكن الاسير صار إلى حبس المسلمين فالامام مخير في قتله كما فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في الاسير الذي أسره عمار حين بدت منه المكيدة لامير المؤمنين والحرب قائمة بين المحاربين. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن الذين لا يجوز قتلهم من الاسرى، قال: هم الذين أثخنهم المحقون بالوثائق والانقياد لهم أسارى، فقلنا له وما الاسر؟ فقال: هو الوثاق والاطر كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لتأخذن على يدي الظالم فلنأطرنه على الحق أطرا) فقيل وما الاطر فقال هو الرباط والعقد كما قال الله سبحانه: * (وشددنا أسرهم) * (27) تأويله أوثقنا عقدهم وأطرهم فجعل سبحانه
---
ص‍ 491..
(27) الانسان 28.
---(2/491)


[ 492 ]
أسرهم توثيق حلقهم وكان ذلك هو المعروف في كلام العرب ولغتهم ومنطقهم فمن أوثق رباطا وإنقاد مذعنا لذلة فهو الاسير الذي نهى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن قتله ولا ينبغي لمؤمن يقدر لاسير كافر أو فاجر ظالم على إيثاق الاجابة صاغرا في أسره من حبل أو غيره في رباط أو وثاق حتى ينتهى به إلى ولي أمر المؤمنين فيمن عليه بعد أو يحبسه ولا يحل للامام ان خاف منه خيانة في الكف عن قتال المحقين أن يخرجه من الحبس ولو ذهبت فيه نفسه، وكيف يصح في حكم الحكيم إرسال من لا يؤمن على قتال أبر المؤمنين وأعظمهم عند الله في العناء عن دين الله منزلة وقدرا وكيف يرسل من يخاف أن يذهب من ساعته وفي فوره فيكون أعون ما كان للظالم في ظلمه وفجوره وهم قد يرون حبس الماجن وإن كان غير محارب على مجونه ويقولون إنه قد يلزم إمام الحق إن يخلده ما كان ماجنا في بعض مجونه ومن يقول إن عليا رحمة الله تعالى عليه أوجب إرساله وهو يخاف على المؤمنين قتله أو قتاله، وأنه أرسله أو خلاه فأطلقه حين حسن به في الكف عن قتال المؤمنين ظنه وفي ترك العودة إليه أمنه. والله عزوجل يقول لرسوله: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) * (28) وقوله سبحانه على سواء فإنما هو على بيان وكيف يرسل أسير الكفرة الظالمين مع الخوف له على مشاقة رب العالمين، ولا يحبس إن ساءت به الظنون وظهرت منه في مشاقة، الله المجون، والله يقول جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: * (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) * (29) ولا يكون من أبدا ولا فداء إلا من بعد الحبس
---
ص‍ 492..
(28) الانفال 58. \ \ \ (29) محمد 4.
---(2/492)


[ 493 ]
والوثاق غير ما شك، وبذلك جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم إذ بيتوا ليلة بدر في الرباط والوثاق فكان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعمه في تلك الليلة من القلق والارق ما قال له عمر فيما يقال ويذكر مالي أراك يا رسول الله منذ الليلة أرقا وفي ليلتك هذه كلها ساهرا قلقا؟ فقال ه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ومالي لا أقلق وأنا أسمع منذ الليلة أنين عمي في الاسرى فلو كان الحق عنده غير حبس الاسير بعد الاسر لامر بتخلية عمه أمرا فلو لم يجز حبس الاسير إذا لم يؤمن سنة تامه لما جاز حبسه ليلة كلها بل ساعة واحدة، وليس ينبغي للمؤمنين أن يأسروهم حتى يخزوهم ويثخنوهم بالقتل منهم وفيهم بالظهور البين عليهم، فإذا قتلوا وطروا وغلبوا وقهروا ارتبطوا حينئذ وأسروا، فإن استسلم الظالمون للحكم ودخلوا بعد المصافة في السلم باقبال منهم إلى الحق وإقرار وتولي بغير غلبة عن المحقين أو فرار لا يتحيزون فيه إلى فئة أو رجال ولا ينحرفون به لمنازلة أو قتال كف في هذه الحال وازدجر عن مدبرهم. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وأيما أسير قامت عليه البينة بأنه قتل من المسلمين قتيلا قتل به، وإن جرح أقيد منه. قال: وإن لم يكن قتل ولا جرح وتاب وظهرت توبته وجب على الامام إن يخليه إلا أن يخافه فيحبسه، وكذلك لو خاف غيره من جميع الناس وجب له حبسه.
باب القول في قتال أهل القبلة في مدنهم
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا ينبغي أن يبيت أهل القبلة في مدنهم ولا يوضع عليهم المنجنيقات يرمى بها في داخل الحصن ولا يمنعوا من ميرة ولا شراب ولا يفتح عليهم بحر ليغرق مدنهم ولا
---(2/493)


[ 494 ]
يضرب مدينتهم بنار خشية أن يصاب من ذلك من لا تحب إصابته من النساء والولدان وغيرهم من المؤمنين الذين لا يعلمون، وأبناء السبيل المستخفين في بدلهم وغيره ممن ليس على دينهم ممن تؤديه المدن والقرى وفي ذلك ما يقول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة الحديبية حين يقول: * (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) * (30).
باب القول في البيات
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يجوز أن تبيت العساكر الكبار التي لا يؤمن أن يكون فيها بعض المتوصلين بها من أبناء السبيل أو التجار أو النساء أو الصبيان، كذلك لا يجوز بيات القرى ولا المدن. فأما ما كان من السرايا والعساكر التي قد أمن أن يكون فيها أو معها أحد ممن لا يجوز قتله فلا بأس أن يبيتوا ويقتلوا كثروا أم قلوا إذا كانت الدعوة قبل ذلك قد شملتهم وصارت إليهم وبلغتهم فأبوا قبولها ورفضوها، فإن بيت من ذلك شئ فغنيمة ذلك لمن بيته وفيه الخمس.
باب القول في الفئ وتفسيره
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الفئ كل أرض فتحت بالسيف أو صلحا أو أخذت وتركت على حالها كسواد العراق وغيره، ومن ذلك ما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية فذلك فئ يقسم على صغير المسلمين من الاحرار وكبيرهم الشريف فيه وغيره سواء إلا أن يحتاج الامام أن يصرف ذلك أو بعضه في مصالح المسلمين وأمورهم فيكون ذلك له لانه الناظر لهم وعليه فرض من الله الاجتهاد في جميع أمورهم، ويرزق
---
ص‍ 494..
(30) الفتح 25.
---(2/494)

185 / 198
ع
En
A+
A-