[ 485 ]
أن يتنفل، ويجوز له مع اجتهاد الرأي فيه ما يفعل لانه إنما يأخذ ويعطي ويحكم بما يرى من الغنائم قبل قسمها وما حكم الله به من ذلك في حكمها فيما هو لله ولرسوله خالصا وما جاء به حكم آية الانفال خاصا وقد ذكر أنما كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لنفسه كان يدعى الصفي وهذا الاسم دليل على أنه إنما كان يصطفى ويؤخذ من جميع الغنائم، والبرهان فيه بين لانه لو كان الصفي إنما هو عن مقاسمة معتدلة متساوية لكانت أقسامها إذا عدل فيها مشتبهة متكافئة ولم يجز أن يقال صفي ولا مصطفى وهي كلها مشتبهة أكفاء. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه وللامام أن ينفل من جميع الغنائم قبل قسمتها من أحب أن ينفله لان الله تبارك وتعالى قد جعل أمر الانفال إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وما كان من الحق والحكم في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو للائمة المحقين من أهل بيته التابعين الذين هم به مقتدون وبسيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم سائرون وبحكمه وسنته حاكمون. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: إذ جمعت الغنائم جاز للامام أن ينفل من رأى تنفيله، وأن يفعل في ذلك بما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فينفل من جملته إن رأى في ذلك على قدر ما يرى ويفرق منه شيئا على من أبلى وأعنى في عدو الله ونكا، فإذا فعل ذلك فقد قام عندي حينئذ بما يجب عليه لاهل الاجتهاد في القتال وبما ذكر الله سبحانه في حكمه في سورة الانفال إذ يقول سبحانه: * (يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) * (23) فلو لم يكن الانفال
---
ص 485..
(23) الانفال 1.
---(2/485)
[ 486 ]
في جميع المغنم لما كان عنها ولا فيها من مسألة ولا متكلم فلما سأل المؤمنون عنها وتكلموا فيما فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها أخبر الله لا شريك له أنها له ولرسوله معه، فله تعالى ولرسوله من الامر فيها والحكم والقضاء في أمرها وعليها ما ليس لمؤمن بعده فيه عليه كلام ولا لاحد مع خلاف الله فيه دين ولا إسلام وما جعل الله لرسوله من ذلك فهو للامام العادل المحق من بعده. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: إذا اجتمعت الغنائم ثم اصطفى الامام لنفسه ما شاء ونفل من أحب من أهل الاجتهاد والعنا إن رأى لذلك وجها فليأمر بالغنائم من بعد ذلك فليقسم على خمسة اسهم فيعزل من الخمسة لاسهم سهما وهو خمس الغنائم لمن سماه الله وجعله له. ثم يأمر الامام بقسم الاربعة الاخماس الباقية من الغنائم فليقسم بين أهل العسكر الذين قاتلوا وحضروا فيقسم للفارس سهمان وللراجل سهم ولا سهم إلا لفرس واحدة وقد قال غيرنا انه يسهم لاثنين ولسنا نرى ذلك في الغنائم ويسهم للبراذين مثل سهام الخيل العراب، ولا يسهم للبغال ولا للحمير ولا للابل فإذا قسمت أربعة أخماس الغنيمة على من حضرها من المقاتلة الاحرار البالغين المسلمين، أمر الامام بالخمس الذي كان عزله فيقسم على ستة أجزاء ثم فرق على من جعله الله له من أهله الذين حكم به لهم.
باب القول في قسم خمس الغنيمة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يؤمر بالخمس فيقسم على ستة أجزاء فجزء لله تعالى، وجزء لرسوله، وجزء لقربي رسوله، وجزء لليتامى، وجزء لابن السبيل، وجزء للمساكين، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: * (واعلموا انما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول
---(2/486)
[ 487 ]
ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) * (24) فأما السهم الذي لله فيصرفه الامام في أمور الله وما يقرب إليه مما يصلح عباده من اصلاح طرقهم وحفر بيارهم ومؤونة قبلتهم وما خرب من مساجدهم وإحياء ما مات من مصالحهم وغير ذلك مما يجتهد فيه برأيه مما يوفقه الله فيه لمالا يوفق له غيره وأما السهم الذي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو لامام الحق ينفق منه على عياله وعلى خيله وعلى غلمانه ويصرفه فيما ينفع المسلمين ويوفر أموالهم. وأما سهم قربى آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو لمن جعله الله فيهم وهم الذين حرم الله عليهم الصدقات وعوضهم إياه بدلا منها، وهم أربعة بطون: وهم آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، ويقسم بينهم ذلك قسما سواءا الذكر فيه والانثى لا يزول عنهم أبدا لان الله سبحانه إنما أعطاهم ذلك لقرباهم من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومجاهدتهم معه واجتهادهم له، ولا يزول عنهم حتى تزول القرابة، والقرابة فلا تزول عنهم أبدا ولا تخرج إلى غيرهم منهم، وهذه الاربعة البطون فهم الذين قسم عليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخمس، وقد روي لنا أنه أعطى في الخمس بني المطلب، فبلغنا عن جبير ابن مطعم قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب اتيته أنا وعثمان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت اخواننا من بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو
---
ص 487..
(24) الانفال 41.
---(2/487)
[ 488 ]
المطلب كهاتين ثم شبك بين أصابعه، فلذلك قلنا إنه لا يجوز أن يقسم على غير هؤلاء الاربعة البطون، لان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكر أنه قسم لغيرهم إلا أن يكون بني المطلب فقد يمكن أن يكون قسم لبني المطلب عطاء منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم وهبة وشكرا على ما كان من قديم فعلهم وصبرهم معه واجتهادهم لا على أنه سهم لهم فيه، والامام في ذلك موفق ينظر فيه بنور الله وتسديده. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وإنما يجب ما ذكر الله من سدس خمس الغنيمة لمن سماه الله من قربى آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم هؤلاء الاربعة البطون الذين سمينا إذا كانوا كلهم للحق تابعين ولامام المسلمين ناصرين سامعين مطيعين مواسين صابرين موالين للحق والمحقين معادين للباطل والمبطلين، فاما من كان من هؤلاء كلهم غير متبع ولا مجتهد وكان عاندا عن الصدق منحرفا عن إمام الحق فلا حق له في ذلك ولا نصيب له مع أولئك إلا أن يتوب إلى الله من خطيئة ويظهر للامام ما أحث من توبته فيكون له إن كان منه ذلك أسوة غيره من الرجال في حكم الله سبحانه، وفي المال. وأما سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن السبيل فإن يتامى آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومساكينهم وابن سبيلهم أولى بذلك من غيرهم، فإذا لم يكن في آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتيم ولا مسكين ولا ابن سبيل رد ذلك على أقرب أبناء المهاجرين إلى رسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكلما استغنى قوم أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوم رد في قوم سواهم ممن هو أقرب إلى الرسول، فإذا استغنى أبناء المهاجرين من الاقرب فالاقرب من رسول رب العالمين رد ذلك في الانصار على قدر ما كان من منازل
---(2/488)
[ 489 ]
أوليهم واجتهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبدأ منهم بأكثرهم اجتهادا في الجهاد والنصيحة لله وللاسلام، فإذا استغنى من ذلك الانصار رجع في سائر المسلمين من العرب وغيرهم، فكان ليتاماهم ومساكينهم وابن سبيلهم. ومن عند من أبناء المهاجرين والانصار وسائر المسلمين عن الحق والمحقين فناصب أو خالف أو خذل امام المؤمنين لم يكن له في شئ من ذلك حق كما لم يكن لمخالفي آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك حق ولا في غيره حق. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وإنما قلنا إن يتامى آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومساكينهم وأبناء سبيلهم أولى بما جعل الله لليتامي والمساكين وابن السبيل في الخمس من غيرهم لان يتامى غيرهم ومساكينهم وابن سبيلهم يأخذون ما يجبى من الاعشار والصدقات وهم لا يأخذون وينالون من ذلك مالا ينالون فلذلك جعلناهم بسهام الخمس أولى من غيرهم ما كانوا إليه محتاجين وكان فيهم من ذكر الله من اليتامى والمساكين وابن السبيل، وفي ذكل ما بلغنا عن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام أنه كان يقول في قول الله تبارك وتعالى: * (واعلموا أنما غنمتم نم شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) * (25) هم يتامانا ومساكيننا وابن سبيلنا وقلنا إنهم إذا استغنوا عن ذلك رجع إلى الاقرب فالاقرب من أبناء المهاجرين تفضيلا لمن فضل الله من قربى رسوله المجاهدين، وكذلك جعلنا ذلك من بعد أولئك للانصار لقدر إجتهادهم وصبرهم، وكذلك يجب على إمام المسلمين أن يعرف لذوي العناء في الاسلام موضع عنائهم، فإن ذلك أنفع للدين وأرجع على المسلمين.
---
ص 489..
(25) الانفال 41.
---(2/489)