[ 480 ]
حاجتهم إليه ثم يوشك ما يشخص عنهم، كذلك ينبغي أن لا يكون مقيما مع الظالمين ولا مضيعا لمن معه حتى يجعل الله له من أمره مخرجا.
باب القول فيما ينبغي أن يفعل الامام قبل محاربة العدو
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب على الامام أن يكتب إلى الباغين كتابا قبل مسيره إليهم ويدعوهم فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحياء الحق، وإماتة الباطل، ويعلمهم أنهم إن دخلوا في ذلك وأجابوا إليه كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، لهم مالهم من المكان في كل فضيلة وإحسان وعليهم ما عليهم من حكم محكوم، أو عزم من الله في الامور معزوم، فإن هم قبلوا ذلك وفى لهم بما أعطاهم، وإن هم لم يقبلوا ذلك ولم يجيبوا إلين آذنهم بالحرب ونبذ إليهم على سواء إن الله لا يهدي جهادهم فقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين والحكم والامر لله كما قال سبحانه: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) * (21).
باب القول فيما يفعل إمام الحق إذا زحف إلى جهاد المخالفين وملاقاة الفاسقين
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:: أحب للامام إذا سار إلى لقاء عدوه أن يكتب كتاب دعوة ثانية فيسير رسولا به إمامه حتى يسبق به إلى عدوه يدعوه فيه إلى ما دعاه إليه أولا فإذا نزل الامام في المعسكر
---
ص‍ 480..
(21) الانفال 39.
---(2/480)


[ 481 ]
الذي يلقى فيه عدوه مواجها له بعث إليه رجلا أو رجلين أو ثلاثة من ذوي العلم والفهم والعقل والرأي والدين والرجلة والدهاء والفطنة والتقى إن هو أمنه عليهم، فيصيرون إليه فيدعونه إلى الرحمن، ويزجرونه عن طاعة الشيطان، ويخوفونه بالله وعذابه وعقابه ويذكرونه بالله والدار الآخرة ويسألونه حقن الدماء والدخول فيما دخل فيه المسلمون من الخير والهدى، فإن أجابهم فهو منهم، وإن أبى ذلك عليهم رجعوا بخبره إلى صاحبهم، فإذا أراد الامام تعبئة عسكره وصف أصحابه، فليصفهم صفا من وراء صف كما يصطف الناس للصلاة ويسوى بين مناكبهم ويحكم رصهم فإن الله سبحانه يقول: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * (22) فإذا صفهم صفوقا صفا بعد صف يكون طول صفوفهم على قدر سعة معسكرهم ويجعل في الصف الاول خيارهم وحماتهم ويكون على ميمنته رجل ناصح شجاع وعلى ميسرته رجل كذلك، ويكون هو في القلب أو بين الصفين في حرجة من الخيل والرجال موثوق بهم متكل على دينهم ورجالتهم، وإن أراد أن يكون في غير ذلك المكان كان ويوقف من وراء الصفوف كلها جماعة من الفرسان ترد كل من شذ من العسكر أو انثنى عن العدو ويجعل في الصف الاول جناحين كثيفين على قدر قلة من معه وكثرتهم، ويولي على كل جناج رجلا شجاعا دينا ناصحا يختار له حماة الرجال وأبطالها وفرهة الخيل وعرابها ويأمرهم إذا رأوا فرصة أو غرة من عدوهم أن ينتهزوها ويفترصوها ويأتوا من ورائهم إن أمكنهم فإن أمكنتهم تلك فليأتوا من ورائهم وليحمل الصف الاول عليهم من إمامهم ويتبعه الصفوف شيئا شيئا زحفا زحفا من غير افتراق ولا إختلاط، وإن لم ير الجناحان الحال حال فرصة ولا نهزة ثبتا
---
ص‍ 481..
(22) الصف 40.
---(2/481)


[ 482 ]
على حالهما ولم يبرحا من موقفهما، فإن دهمت الميمنة وغشيت أمدها الجناح الايمن بأدناه إليها وكذلك إن دهمت الميسرة وغشيت أمدها الجناح الايسر بأقربه إليها ولا تيضعضع وكذلك إن غشي القلب وكثر أمدته الميمنة والميسرة ببعض رجالها، ويوصي الامام أصحابه بقلة الكلام والصياح والهرج، فإذا أقام صفوفه ونشر جناحيه وأوقف من يرد شذاذ العسكر من ورائهم وأوقف الناس على راياتهم وولى على الخيل كلها وعلى الرجالة الولاة وأحكم أمر عسكره فليأمر بالمصاحف فلتنشر أو تعلق على الرماح وليبرز بها نفر بين الصفين فينادون يا معشر الناس ندعوكم إلى ما في هذه المصاحف من كتاب الله، فأجيبوا إليه وأطيعوا الله وأدخوا فيما دخل فيه المسلمون من الحق ولا تشقوا عصا المؤمنين وأحقنوإا دماءكم ودماءنا وارجعوا إلى الحق الذي أظهره الله لكم ولنا ولا يستهوينكم الشيطان ولا يخد عنكم هذا الانسان الذي يدعوكم إلى حربنا ويريد التلف بينكم وبيننا. أيها الناس ندعوكم إلى ما دعاكم إليه الله ندعوكم إلى أن نحرم نحن وأنتم ما حرم الله ونحل ما أحل الله ونأخذ الحق ونعطيه، وننفي الظلم والجور، ونشبع الجائع ونكسو العراة ونصلح البلاد وننصف العباد ونجعل الكتاب أمامنا وأمامكم ونتبع حكمه نحن وأنتم فالله الله فينا وفي أنفسكم، فإن أجابوا أو أجاب بعضهم قرب وأكرم وأحسن إليه وعظم، وإن أبوا إلا التمادي في الضلال وإتباع الفسقة الجهال فليقل الجماعة التي تحمل المصاحف بأعلى أصواتهم اللهم إنا نشهدك عليهم ثلاث مرات، ثم لينصرفوا إلى معسكرهم، وإن أمكم الامام أن ينصرف عن حربهم ذلك اليوم ورأى لذلك وجها ولم يخشى على نفسه ولا على أصحابه من أعدائه مكروها ولا مكرا فعل فإذا كان من الغد عبأ عسكره
---(2/482)


[ 483 ]
كما كان بالامس ثم أخرج الدعاة بين الصفين معهم المصاحف وأمر بالكتاب الذي قرئ بالامس عليهم أن يقرأ اليوم فإن أجابوا وإلا أشهد الله عليهم وملائكته ورسله ثم انصرفوا إلى معسكرهم، فإن أمكن الامام ورأى لذلك وجها أن يدفع ذلك اليوم دفعه فإن ذلك أكمل للحجة فيهم وأقرب إلى نصر الله عليهم، فإذا انصرف فليجعل عليهم الطلائع والجواسيس وليتحصن في نهاره وليلته بخندق إن أمكنه محيط بكل عسكره ويطرح حسيكا إن كان معه، فإن لم يمكنه شئ من ذلك أمر القواد بتعبئة أصحابهم والحذر في ليلهم ونهارهم والمحارس وقلة الغفلة، واستعمال التوقع والمخافة لكيد عدوهم، وأمرهم إن هجم على طائفة منهم إلا يتكلم ولا يصيح خلق من العسكر إلا من كان في تلك الناحية، فإن كان من ذلك شئ أمد موضع الصياح والتكثير بالرجال وأوقد لهم ناحية من رحله على ساحة نارا كثيرة عظيمة يأنسون إليها ويعلمون بتدبير صاحبهم لها، فإذ كان اليوم الثالث برز إلى عدوه وصف عساكره وعبأ جيوشه وخطبهم ووعظهم وأخبرهم بما أعد الله للصابرين، ثم أمر الدعاة فخرجوا فوقفوا بين الصفين كما كانوا يفعلون معهم المصاحف منشورة وعلى الرماح مرفوعة ويأمر بالكتاب الذي فيه الدعوة فيقرأ على العدو ويدعون إلى ما فيه، فان أجابوا قبلوا وان أبوا أشهد الدعاة الله عليهم ثلاثا ثم يرجعون إلى معسكرهم ثم قد بان إن شاء الله خذلانهم ووجب النصر للمؤمنين عليهم، فليزحف عسكر الامام إليهم زحفا زحفا معا معا بالنية والبصيرة والمعرفة والحجة الكريمة بوقار وخشوع وذكر لله، وخضوع يكبرون التكبيرة بعد التكبيرة، فإن خرجت لهم خيل خرجت إليها خيل، وإن برزت رجالة برزت إليها رجالة، وإن لم يخرج من ذلك شئ زحف القوم معا حتى يقعوا في عدوهم ويظهروا
---(2/483)


[ 484 ]
شعارهم ويضعوا في أعداء الله سيوفهم ويسألوا الله النصر والعون عليهم، فإذا نصرهم الله وأيدهم وخذل عدوهم، وأذل مناصبهم فليتحفظوا من أن يدخلهم عجب أو يخامرهم بغي، وليكثروا من ذكر الله وشكره والثناء عليه وحمده، فإن كان لمن حاربهم فئة يرجعون إليها وإمام يحامون عليه ولم يكن معهم وكان ببلد غير معسكرهم يرجعون إليه ويردون عليه اتبع المسلمون مدبرهم، وأجازوا على جريحهم حتى يستقصوا في الطلب عليهم ويقتلوا من لحقوا ويستأسروا من أحبوا حتى يفرقوا بينهم ويشتتوا جماعتهم ويأمنوا رجعتهم، وأن لم يكن لهم فئة يرجعون إليها وهو الرئيس الذي يأوون إليه ويردون بعد هزيمتهم عليه لم يتبع لهم مدبر ولم نجز لهم على جريح ولكن يطردون ويفرقون ويشتتون ولا يجوز في ذلك أن يقتلوا إذا ولوا وانهزموا فإذا هزمهم الله وأخزاهم وعذبهم وأرداهم أمر الامام بجمع غنايمهم وضم كل ما كان في عسكرهم وحض الناس على أداء الامانة فيه وأخبرهم بما أوجب الله عزوجل على من غل شيئا من ذلك، فإذا جمعه واستقصاه أمر بقسمته على أهل العسكر وتفريقه بينهم وضرب السهام فيه لهم. باب لاقول في قسمة الغنيمة بين أهل العسكر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تجمع الغنائم قليلها وكثيرها دقيقها وجليلها فإذا جمعت كلها وضمت بأسرها اصطفى الامام إن أحب منها شيئا واحدا إما فرسا وإما سيفا وإما درعا كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما كان يغنم وكان يسمى ذلك الصفي، وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه أنه كان يقول للامام أن ينتقل ويصطفي من الغنائم لنفهس جزءا أو شيئا معروفا كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النفل فليتنفل من ذلك لنفسه ما أراد
---(2/484)

183 / 198
ع
En
A+
A-