[ 475 ]
باب القول فيما يجب للامام العادل على الرعية وما يجب عليه لها
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب للامام على رعيته أن يسمعوا له، وأن يطيعوا وأن ينفذوا ما أمرهم بإنفاذه، وأن يتركوا ما أمرهم بتركه، وأن ينهضوا إذا استنهضهم، وأن يقعدوا إذا أقعدهم، وأن يقاتلوا إذا أمرهم، وأن يسالموا من سالم ويعادوا من عادى، وأن ينصحوا له في السر والعلانية، وأن يتوالوا ويتوادوا على مودته ويتحابوا على محبته ويبغضوا من أبغضه ولا يكتموه شيئا يحتاج إلى علمه ولا يمالوا عدوا في شئ من مكروهه وأن يؤدوا إليه ما يجب لله عليهم، وأن يكونوا له من ورائه في حفظ الغيب كهم في وجهه وأن يعينوه على أنفسهم وعلى غيرهم ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم وأموالهم، وأن ينصروه في السر والعلانية والشدة والرخاء والاواء وأن يوفوا له بما عاهدوه فيه وبايعوه عليه فإذا فعلوا ذلك وكانوا له كذلك فقد أدوا ما أوجب الله عليهم وحكم به من ذلك فيهم وكانوا عند الله من المؤمنين الاتقياء الطاهرين النجباء الذين لا خوف عليهم في يوم الدين ولا سوء يلقونه يوم حشر العالمين بل يكونون في ذلك كما قال أكرم الاكرمين: * (إخوانا على سرر متقابلنى لا يحرزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكن الذي كنتم توعدون إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس استبرق متقابلين كذلك وزوجناهم يحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفور العظيم) * (15)
---
ص 475..
(15) الحجر 47.
---(2/475)
[ 476 ]
قال: ويجب للرعيه على الامام أن يهديهم إلى الحق، وينهاهم عن الفسق، ويأمرهم بالمعروف الاكبر، وينهاهم عن التظالم والمنكر، ويحكم بحكم الله فيهم ويمضي أحكام الله عليهم، ويعدل بينهم في حكمه، ويساوي بينهم في قسم فيئهم، ويحملهم على كتاب ربهم، ويفقههم في الدين، ويقربهم من رب العالمين، ويوفر أموال الاغنياء، ويغني في أموال ربهم الفقراء ويشبع منهم البطون الجائعة، ويكسو منهم الظهور العارية، ويقضي ديونهم، وينكح من لا يجد إلى النكاح طولا منهم، على قدر السعة والوجود، ويقربهم ولا يبعدهم، ويكرمهم ولا يهينهم، ويظهر لهم ولا يحتجب عنهم، ويعنى بهم ولا يرفض أمرهم، ويتفقد منهم الخلة، ويسبغ عليهم النعمة ويكون بهم رؤوفا رحيما وعنهم ذا صفح حليما شديدا على من خالف منهم الرحمن حتى يرده إلى الخير والاحسان ويردعه عن الظلم والعصيان لا يستأثر عليهم بأموال ربهم ولا يصرفها في غى شأنهم، بل يرد أموال الله حيث أمره بردها إليه ويصرفها فيما جعلها الله تصرف فيه من أحوج وجوه أمور المسلمين إليها وأردها نفعا وخيرا وصلاحا على الامة وفيها، وأن لا يتجبر عليهم ولا يرفع نفسه فوق ما يجب له عليهم وأن يكون للابناء خيرا من الآباء وللآباء خيرا من الابناء متحننا شفيقا متفقدا رفيقا متأنيا حليما فإذا فعل ذلك فقد أدى إلى الله أمانته ونصح رعيته وأظهر عدله وفك من الاغلال رقبته ووكد لله حجته وشابه بفعله جده الذي كان كما ذكر الله عنه حين يقول: * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) * (16) ووجبت على الامة طاعته ونصرته ومكاتفته ومعاوته وموادته، وحرم عليها خذلانه وتركه ولم يجز لها
---
ص 476..
(16) التوبة 128.
---(2/476)
[ 477 ]
عند الله سبحانه رفضه ولا التخلف عن جماعته ولا الامتناع من بيعته وكان من إجترأ على الله بشئ من ذلك فيه من الفاسقين المستوجبين للعذاب المهين الذين قال الله سبحانه فيهم: * (ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل بعذبكم عذابا أليما) * (17). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه لله علينا إن هم صاروا لنا إلى ذلك أن نكون لهم بجهدنا كذلك.
باب القول فيمن نكث بيعة محق
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من نكث بيعة محق فهو عند الله من الفاجرين وفي حكم الله من المعذبين وفي ذلك ما يقول رب العالمين: * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا عظيما) * (18). وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل بايع إماما عادلا فإن أعطاه شيئا من الدنيا وفي له وإن لم يعطه لم يف له. ورجل له ماء على ظهر الطريق يمنعه سابلة الطريق. ورجل حلف بعد العصر لقد أعطى سلعته كذا وكذا فيأخذها الآخر مصدقا لقوله وهو كاذب). وبلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا معشر الرجال من
---
ص 477..
(17) الفتح 16.
(18) الفتح 10.
---(2/477)
[ 478 ]
بايعني منكم على ما بايعت عليه النساء فوفى فله الجنة، ومن أصاب شيئا ممنهي عنه فأقيم عليه فيه الحد فهو كفارته، ومن أصاب شيئا مما نهي عنه فستر عليه فذلك إلى الله إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه). قال يحيى بن الحسين عليه السلام: معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأقيم عليه فيه الحد فهو كفارته يريد أنه كفارة له من بعد التوبة والاقلاح عن المعصية والرجوع إلى الطاعة.
باب القول في مكاتبة الظالمين واخافة الجابرين
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا تحل مكاتبة الظالمين ولا تحل مؤانستهم بكتاب ولا غيره للمؤمنين لان في المكاتبة لهم تطمينا وتحننا إليهم وما تدعو المودة بينهم وقد قال الله سبحانه: * (لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) * (19) إلى آخر السورة. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ألا أن يضطر مؤمن إلى مكاتبة ظالم لضرورة يخاف فيها أن ترك مكاتبته تلف نفسه فيكاتبه عند وقت الضرورة ويقطع مكاتبته عند الفسخة ويعتذر إلى الله عزوجل في ذلك بما قد علمه له سبحانه من العلة ويتحرز في مكاتبته إليه مما لا يجوز له من اللفظ أن يلفظ به لمثله ولا يركن إليه بمكاتبته في شئ من أمره فإن الله يقول: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالك من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) * (20).
---
ص 478..
(19) المجادلة 22.
(20) هود 133.
---(2/478)
[ 479 ]
وحدثني أبي عن أبيه أنه قال: سأل المأمون رجلا من بعض آل أبي طالب ممن كان كبيرا عند المأمون أن يواصل بينه وبين القاسم بن ابراهيم رحمة الله عليه بكتاب ويجعل له من المال كذا وكذا أمرا جسيما غليظا عظيما، قال: فأتاه ذلك الرجل فكلمه في أن يكتب إلى المأمون كتابا أو يضمن له أن كتب إليه المأمون كتابا أن يرد على جوابا فقال القاسم ابن ابراهيم رضي الله عنه للرجل: لا والله لا يراني الله أفعل ذلك أبدا. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: من أخاف ظالما جائرا غاشما في دنياه أمنه الله يوم الروع في آخرته قال: والذي نفس يحيى بن الحسين بيده ما يسرني أني أمنت الظالمين وأمنوني ليلة واحدة وأن لي ما طلعت عليه الشمس، لان ذلك لو كان مني كان ركونا إليهم وموالاة لهم وقد حرم الله ذلك على المؤمنين قال: وبلغنا عن بعض السلف أنه قال: من بات منهم خائفا وباتوا منه خايفين وجبت له الجنة.
باب القول فيما يجب على المؤمنين الذين لا يستطيعون التغيير لما يرون من أفعال الظالمين
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب على المؤمنين إنكار المنكر على الظالمين بأيديهم إن استطاعوا ذلك فإن لم يستطيعوه وجب عليهم إنكاره بالسنتهم، فإن لم يمكنهم ذلك وجبت عليهم الهجرة عنهم والانكار والمعاداة للظالمين بقلوبهم وترك المقام بينهم والمجاورة لهم فمن لم يستطع ذلك من المؤمنين لكثرة عياله وحاجتهم إليه ولم يكن يستطيع أن يشخص بهم معه فليقم عندهم فينة من دهره حتى يكتب لهم ما يجزيهم فينة من دهرهم ثم يشخص مهاجرا في أرض الله عن قرب الظالمين حتى إذا خاف الضيعة على عياله عاد عند
---(2/479)