[ 465 ]
قال: وليس له إذا عقدت له البيعة أن يخرج مما دخل فيه ولا أن يرفض ما عقد له ما وجد على أمر الله معينين وفي مرضاة الله ساعين ينهضون معه أن نهض ويجاهدون معه إن جاهد ويرحلون معه إن رحل وينزلون معه إن نزل ويبذلون أنفسهم وأموالهم ويقتدون به في كل أحواله فإذا وجد أعوانا كذلك ينال بهم ما يريد ويجري بهم على الظلمة الاحكام ويظهر فيهم دين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئا شيئا يتزيد بهم في كل يوم في البلاد ويناصحون معه في قتال من خالفه من العباد فلا يجوز له الخروج عنهم ولا يحل له التنحي والانفراد منهم ما أقاموا على ذلك وكانوا له كذلك، فة أما إن هو خولف في أمره وعوند في حكمه، ولم يطع على جهاد أعداء الله ودعاهم إلى الجهاد ودعوه إلى الاخلاد ودعاهم إلى النهوض فدعوه إلى القعود وسألهم المواساة لاخوانهم المسلمين وأن يبذلوا بعض أموالهم في المجاهدة في سبيل رب العالمين فبخلوا بها عن الانفاق ولم يضربوا معه في سبيل الله إلى الآفاق وقصرت هممهم وصغرت أنفهسم وساءت طاعتهم ولم يجد من يردهم به إلى الحق ويضربهم به على كلمة الصدق لم يحل له المقام بينهم ولم يجز له عند الله التشاغل عن غيرهم بهم ووجب عليه ما أمر الله به رسوله حين دعا فلم يطع وأمره فلم يتبع أيام مقامه بمكة ومن قبل ما كان منه من الهجرة فأمر الله تبارك وتعالى بالتنحي عن الظالمين والبعد منق رب المخالفين فقال سبحانه: * (فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * (6) فأمره بالتولي عن من عصاه والتنحي عمن أباه وأخبر أنه من بعد الاجتهاد غير ملوم في تركهم ولا بمعاقب في رفضهم ثم أمره بالتذكرة للعالمين والدعاء لجميع المربوبين وأخبره أن
---
ص 465..
(6) الذاريات 54.
---(2/465)
[ 466 ]
ذلك ينفع المؤمنين وكلما ينفع المؤمنين من العظة والتذكرة فهي حجة الله على العصاة الكفرة، فإذا ابتلي بذلك من أتباعه وخافهم على دين ربه فليتنح عنهم إلى غيرهم وليجتهد في الطلب لماله قصد ولله فيه انتدب ولا يفتر ولا يني ولايهن في أمر الله ولا يضعف فان الله يقول سبحانه: * (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) * (7) ويقول سبحانه: * (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) * (8) قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كذلك فعل الحسن ابن علي عليه السلام حين خولف وعصي ولم يجد على الحق متابعا ولا وليا فخرج لما أن أخرج وترك لما أن ترك ثم كان من بعد ذلك متربصا راجيا طامعا بالاعوان المحقين ليقوم بما ألزمه الله من جهاد الظالمين فإذا صار الامام من خذلان الرعية له والرفض لامره وقلة الانصار على حقه إلى ذلك فعل كما فعل الحسن عليه السلام من قبله.
باب القول فيما روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا كان في عصر هذا الانسان إمام قائم زكي تقي علم نقي فلم يعرفه ولم ينصره وتركه وخذله ومات على ذلك مات ميتة جاهلية، فإذا لم يكن إمام ظاهر معروف باسمه مفهوم بقيامه فالامام الرسول والقرآن وأمير المؤمنين، وممن كان على سيرته وفي صفته من ولده فتجب معرفة ما ذكرنا على جميع الانام إذا لم يعلم في الارض في ذلك العصر إمام ويجب عليهم أن يعلموا أن هذا الامر في
---
ص 466..
(7) محمد 7.
(8) الحج 40.
---(2/466)
[ 467 ]
ولد الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاصا دون غيرهم وأنه لا يعدم في كل عصر حجة لله يظهر منهم أمام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإذا علم كلما ذكرنا وكان الامر عنده على ما شرحنا ثم مات فقد نجا من الميتة الجاهلية ومات على الميتة الملية، ومن جهل ذلك ولم يقل به ولم يعتقده فقد خرج من الميتة الملية ومات على الميتة الجاهلية هذا تفسير الحديث ومعناه.
باب القول فيما يجب على الامام لله من الغضب في أمره والقيام بحجته والاجتهاد في طاعته
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب لله على الامام أن يقوم بأمره ويأمر به وينهى عن نهيه ويقيم حدوده على كل من وجبت عليه من شريف أو دني قريب الرحم أو بعيدها وأن يأخذ أموال الله من كل من وجبت عليه ويسلمها إلى من أمر بتسليمها إليه ويشتد غضبه على كل من عصى الرحمن ولو كان أباه أو أخاه أو عمه أو ابنه لا يحيف ولا يحابي ولا يقصر في أمر الله ولا ينثني مبعدا للعاصين شديا عليهم، مقربا للمؤمنين سهلا لديهم شديا على المنافق قريبا من الموافق كما قال الله عزوجل في محمل صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه حين يقول: * (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) * (9) إلى آخر السورة. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ويجب على الامام أن يكون غصبه لله من فوق غضبه لنفسه.
---
ص 467..
(9) الفتح 29.
---(2/467)
[ 468 ]
باب القول فيما ذكر عن المهدي عليه السلام
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: نرجو أن يكون الله قد قرب ذلك وأدناه، وذلك أنا نرى المنكر قد ظهر والحق قد درس وغير وقد قال الله سبحانه: * (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) * (10) وقال: * (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) * (11) وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (اشتدي أزمة تنفرجي، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لان أكون في شدة انتظر رخاء أحب إلى من أن أكون في رخاء أنتظر شدة). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الفرق ما بين الآخرة والدنيا زوال ما في الدنيا وتنقله وفناؤه ودوام ما في الآخرة وثباته وبقاؤه فكل ما في الدنيا فزائل وما في الآخرة فدائم، وكأني بالفرج قد أقبل وبالنعيم قد أطل وبالنصر قد نزل فقد تراكمت الفتن وجل ما نحن فيه من تعطيل الكتاب والسنن وظهور السفاح وخمول النكاح وظهور الروبيضة من الناس وشرب الخمور وارتكاب الشرور، وأكل الربا وقبول الرشى والجري في ميادين الهوى، وجور السلطان ونهج الشيطان، وترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قد نرى وننظر ذلك كله في دهرنا هذا الذي قد أخرنا له وأبقينا إليه، فكأني بيعسوب الدين قد ضرب بدينه وجأر إلى ربه فأجاب الله دعوته ورحم فاقته وكشف غمته أنزل نصرته وأظهر حكمه وانتعشه بعد هلاكه وأحياه بعد وفاته وقواه بعد ضعفه برجل من
---
ص 468..
(10) الشرح 5.
(11) يوسف 110.
---(2/468)
[ 469 ]
أهل بيت نبيه فيظهره في بعض أرضه ويقيم به عمود الدين ويعز به المؤمنين ويقل الكافرين ويذل الفاسقين ويحكم بكتاب رب العالمين يمكن الله له في أرضه وطأته ويظهر كلمته ويعز دعوته ويشبع به البطون الجائعة، ويكسو به الظهور العارية، ويقوى به ضعف المستضعفين ويزيل به ظلم الظالمين ويرد به الظلامات وينفي به الفاحشات ويطفي ء به نار الفسق ويعلي به نور الحق، ويؤيده بالنصر وينصره بالرعب، ويعز أولياءه ويذل أعدائه، فكل ما ملك من الارض بلدا دعاه الغضب لربه إلى طلب غيره حتى يملك البلاد كلها ويطأ الامم بأسرها بعون الله وتوفيقه ونصره وتأييده فيملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما لا تأخذه في الله لومة لائم يجتمع إليه أعوانه ويلتئم إليه أنصاره من مناكب الارض كلها كما يجتمع قزع الخريف في السماء، هاه هاه كأني به يقدم الالوف ويجدع من أعدائه الانوف ويخوض الختوف يفض الصفوف بعساكر كبيرة الغوايل فيها حماة الليوث القواتل تطير بالضرب ذوات الانامل ويفري بالبيض شهب المحافل حتى إذا تنازل الفرسن وظهرت دعوة الرحمن ودعي إلى الحق كل إنسان وتناوش الاقران وأختضب المران وحمي الطعان وطاح الهام واختلط الاقوام وقهر الاسلام وظهرت دعوة محمد عليه السلام ونصر هنالك المؤمنون وخذل الكافرون ومن بغي عليه لينصرنه الله إن الله لقوي عزيز فحينئذ يتم نصر الله لمحقين ويصح خذلانه وهلاكه للفاسقين، ويحبتث الله أصل أئمة الجور الضالين، ويحيى الله ببركة الطاهر المهدي دعو الحق ويعلن كلمة الصدق ويمن بذلك ويتفضل به عليه ويحسن تأييده وتوفيقه فيه.
---(2/469)