[ 460 ]
مخيفا للظالمين مؤمنا للمؤمنين لا يأمن الفاسقين ولا يأمنونه بل يطلبهم ويطلبونه قد باينهم وباينوه وناصبهم وناصبوه فهم له خائفون وعلى هلاكه جاهدون يبغيهم الغوايل ويدعو إلى جهادهم القبائل متشردا عنهم خائفا منهم لا تردعه ولا تهوله الاخواف ولا يمنعه عن الاجتهاد عليهم كثرة الارجاف شمري مشمر، مجتهد غير مقصر فمن كان كذلك من ذرية السبطين الحسن والحسين عليهما السلام فهو الامام المفترضة طاعته الواجبة على الامة نصرته ومن قصر عن ذلك ولم ينصب نفسه ويشهر سيفه ويباين الظالمين ويباينوه ويبين أمره ويرفع رايته لتكمل الحجة لربه على جميع خلقه بما يظهر لهم من حسن سيرته وظاهر ما يبدو لهم من سريرته فيجب بذلك على الامة الماجرة إليه والمصابرة معه ولديه فمن فعل ذلك من الامة من بعدما ابان لهم صاحبهم نفسه وقصد ربه وشهر سيفه وكشف بالمباينة للظالمين رأسه فقد أدى إلى الله فرضه ومن قصر في ذلك كانت الحجة لله عليه قائمة ساطعة منيرة بينة قاطعة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم.
باب القول فيما ثتبت به الامامة للامام
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تثبت الامامة للامام وتجب له على جميع الانام بتثبيت الله لها فيه وجعله إياها له وذلك فإنما يكون من الله إليه إذا كانت الشروط المتقدمة التي ذكرناها فيه فمن كان من أولئك كذلك فقد حكم اله له بذلك رضي بذلك الخلق أم سخطوا قال: وليس تثبت الامامة بالناس للامام كما يقول أهل الجهل من الانام إن الامامة بزعمهم إنما تثبت للامام برضى بعضهم وهذا فأحول المحال وأسمج ما يقال به من المقال بل الامامة تثبت بتثبيت الرحمن لمن ثبتها فيه وحكم بها له من الانسان رضي المخلوقون أم سخطوا شاءوا ذلك
---(2/460)
[ 461 ]
وأرادوه أم كرهوا، فمن ثبت الله له الامامة وجبت له على الامة الطاعة، ومن لم يثبت الله له ولاية على المسلمين كان مأثوما معاقبا ومن اتبعه على ذلك من العالمين لانه اتبع من لم يجعل الله له حقا وعقد لمن لم يعقد الله له عقدا، والامر والاختيار فمردود في ذلك إلى الرحمن وليس من الاختيار في ذلك شئ إلى الانسان كما قال الله سبحانه: * (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) * (1) ويقول سبحانه: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (2) صدق الله سبحانه لقد ضل من اختار سوى خيرته وقضى بخلاف قضائه وحكم بضد حكمه فالحكم لله سبحانه فمن رضي رضيناه ومن ولى علينا سبحانه أطعناه، ومن نحاو عنا جل جلاله نحيناه وقد بين لنا سبحانه من حكم له بالتولية على الامة ومن صرفه عن الامر والنهي عن الرعية فجعل خلفاءه الراشدين وأمناءه المؤمنين من كان من أهل صفوته وخيرته (3) المؤتمنين على ما ذكرنا ووصفنا من الصفة التي بينا ووصفنا بها الامام وشرحنا وأخبرنا أن من كان على خلاف ذلك منهم فإنه لا يكون بحكم الله إماما عليهم. وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون) * (4) فنهاهم عن الحكم لمن قصر عن الهداية إلى الحق بالولاية العظمى وحكم بها سبحانه لمن كان من عباده هاديا إلى الحق والتقى من صفوته وموضع خيرته الذين أختارهم بعلمه وفضلهم على
---
ص 461..
(1) القصص 68. \ \ \ (3) في نسخة وخيرته أجمعين.
(2) الاحزاب 36. \ \ \ (4) يونس 35.
---(2/461)
[ 462 ]
جميع خلقه وجعلهم الورثة للكتاب المبين الحكام فيه بحكم رب العالمين ختم بهم الرسل وجعل ملتهم خير الملل فهم آل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبناؤه وثمرة قلبه وأحباؤه وخلفاء الله وأولياؤه وفي ذلك ما يقول جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: * (ثم أورثنا الكتاب لاذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) * (5) فجعل سابقهم هو الآمر فيهم والحاكم عليهم وعلى غيرهم من جميع المسلمين وغيرهم من جميع عباد رب العالمين. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل هل تثبت الامامة للامام بغير رضى من المسلمين وبغير عقد متقدم باثنين ولا أكثر، فقال: أعلم هداك الله أن الامامة إنما تثبت لمن ثبتت له بالله وحده بما جعلها تجب به من كمال الكامل المطيق لها بالعلم غير الجاهل فمن كان في العلم كاملا ولم يكن بما يحتاج فيه إليه من الدين جاهلا فإن على المسلمين العقد له والرضى به لا يجوز لهم غير ذلك ولا يسعهم إلا أن يكونوا كذلك.
باب القول في الرجلين من آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشتبهان في حال أو حالين أو في كل حال
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن إشتبه رجلان في العلم وأختلفا في الورع فالامامة لاورعهما وإن إشتبها في الورع والعلم فالامامة لازهدهما في الدنيا، وإن إشتبها في ذلك كله فالامامة
---
ص 462..
(5) فاطر 32.
---(2/462)
[ 463 ]
لاسخاهما، فان اشتبها في ذلك كله فالامامة لا شجعهما، فإن إشتبها في ذلك كله فالامامة لارحمهما وأرأفعما بالرعية، فإن إشتبها في ذلك كله فالامامة لاشدهما تواضعا، فإن إشتبها في ذلك كله فالامامة لاحلمهما وأحسنهما خلقا، فإن اشتبها في ذلك كله وفي غيره مما ذكرنا من شروط الامامة ولن يشتبه في ذلك اثنان طول الابد، ولو جهد في ذلك كل أحد ولا يكونان في شئ من ذلك متفقين ولا بد أن يكونا في بعض شروط الامام مختلفين ولكن لابد أن نقول في ذلك ونتكلم فيه للاحتياط لكي يتبين ذلك ويبعد منه الريب والاختلاط فنقول أنهما إن إشتبها في ذلك كله كانت الامامة لاسنهما، فإن استويا في السن فالامامة لاحسنهما وجها، فإن استويا في حسن الوجه فالامامة لافطنهما، فإن استويا في الفطنة فالامامة لاحسنهما تعبيرا وأجودهما تبيينا، فإن استويا في جميع ذلك كله فالامامة لمن عقدت له أولا، وليس لاحد إذا كانا مستويين في جميع الامور التي ذكرنا وشرحنا وكان قد عقد لاحدهما أولا أن يتخير من بعد العقد لاحدهما ولا أن يتقدم عليه من بعد العقد له المتأخر منهما. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: إذا إشبته رجلان في الكمال وكانا سواء في كل حال من الاحوال فالعقد لمن بدئ بالعقد له منهما وليس بأحد إذا كملا جميعا أن يتخير فيهما من بعد العقد لاحدهما إلا أن يتفاوت بهما حال في الكمال أو يتفاصلا في الكفاءة، فأما إذا استوت حالاتهما وكانت واحدة فليس لاحد فيهما اختيار ولا نظر وأيهما قدم في العقد وجبت له الامامة ولو لم يكن العاقد له إلا واحد لان العقد إنما يجب له بسبقه وكماله وما وصفنا من حاله فإذا تمت حاله ورضيت أفعاله فعلى كل أحد التسليم له والرضى به. فإن قال قائل لم أوجبت للمبتدئ بعقده من الامامة ما لم توجبه للآخر وحالهما مستوية؟ قلنا له: للتقدم في العقد
---(2/463)
[ 464 ]
والابتداء، ولانه ليس لصاحبه نقض إمامة المعقود له بعد استحقاقه للعقد بكماله أولا.
باب القول فيما يزيل إمامة الامام
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تزول إمامة الامامة أن يأتي بكبيرة من الكباير والعصيان فيقيم عليهم ولا ينتقل بالتوبة عنها، فإذا كان كذلك وأقام على ذلك زالت إمامته وبطلت عدالته ولم تلزم الامة بيعته، وكان عند الله من المخذولين المعلونين المسخوط عليهم الفاسقين الذين تجب عداوتهم وتحرم موالاتهم. حدثني أبي عن أبيه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يقول الله لجبريل عليه السلام يا جبريل إرفع النصر عنه وعنهم فإني لا أرضى هذا الفعل في زرع هذا النبي). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: هذا القول والحديث إنما هو فيمن قام من ولد الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعمل بغير الحق فأما من عمل منهم بالحق فهو عند الله رضي مرضي هاد معتد مقبول منصور.
باب القول فيما يجوز للامام العمل به في رعيته ومتى يجوز له الخروج من أمرهم والتنحي عن قربهم
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجوز للامام ما جوز الله له من الفعل ويحرم عليه ما حرم الله في كتابه من العمل.
---(2/464)