[ 376 ]
وكذلك روي في الاثر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأما الصقر والبازي والشاهين وجميع الجوارح فما قتلت فليس بذكي لانها لا تأتمر إذا أمرت، ولا تأتي إذا دعيت لغير طعم ولا تذهب إذا أمرت، والكلاب تأتي إذا دعيت، وتذهب إذا زجرت، وذلك فهو التكليب بعينه، لان التكليب فهو الائتمار، وما سمينا من جوارح الطير فلا تأتمر وانما يأتي إلى الطعم إذا رآه ويطير إلى صيد إذا أبصره في وقت جوعه وحاجته إلى طعمه طلبا منه لقوته، فإذا شبع لم يطرد إن طرد، ولم يرجع إلى صاحبه إن دعاه وما كان هكذا فهو بعيد ن الائتمار، وما بعد من الائتمار بعد من التكليب. وأما الفهد فإن كان في الحالة كالكلب في ائتماره في إقباله وإدباره وإغرائه وتكليبه في حال شعبه وجوعه فحال صيده كحال صيد الكلب، وان كان مخالفا للكلب في معاني الائتمار والتكليب فالاكل لما قتل غير مصيب. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عما قتل الكلب والصقر، فقال: ما قتل الكلب المعلم فحلال عندي أكله وذكاة ما قتل الكلب المعلم فهو قتله له ويؤكل ما قتل وان كان أكله إلا أقله، ولا أعلم فيما أجبتك به في هذا اختلافا بين أحد من النسا إلا شيئا ذكر فيه من خلاف عن ابن عباس فإنه ذكر عنه أنه كان يقول: لا يؤكل ما أكل الكلب المعلم من صيده فإنه إنما أمسك الصيد إذا أكله على نفسه لا على مرسله، وظننت أن ابن عباس تأول في ذلك قول الله جل ثناؤه: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * (2) فكأنه عند ابن عباس أكله له غير امساك منه على مرسله وهو عندي قد يمسك بالقتل أكبر الامساك، والمذكور المشهور أن عدي بن
---
ص 376..
(2) المائدة 4.
---(2/376)
[ 377 ]
حاتم وأبا ثعلبة الخشني سألا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عن أكل الكلب المعلم يأكل من صيده فأمرهما بأكل فضلة الكلب. وقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إلا ابن عباس وحده من بينهم يؤكل فضل الكلب المعلم وإن لم يبق من الصيد إلا بضعة من اللحم. فأما ما قتل الصقر أو البازي فأعجب ما قيل فيه من القول إلي أنه ليس بذكي لان الله سبحانه يقول (مكلبين) ولم يقل ما علمتم مصقرين، والكلب فهو المغرى وإكلاب الكلب فهو الاغراء، ولا يكون ذلك من المغري للكلاب الا أشلا وأمرا، والصقر لا يؤمر ولا يشلى ولا يغرى فإن كانت حالة الفهود كحالها لاتشلى ولا تؤمر فلا يحل أكل فضول أكلها، وان كانت تؤمر وتشلى وتأتمر فهي كالكلب يؤكل ما أفضلت، وذكي ما قتلت وبهذا فيما بلغنا كان يقول علي عليه السلام وابن عباس، وابن عمر، وذكر ان طاووسا كان يقول: ليس الصقور ولا الفهود ولا النمور من الجوارح اللاتي أحل الله جل ثناؤه أكل ما أكلت من صيدها، وقال غيرهم إن هذه كلها كالكلاب في صيدها وأكلها.
باب القول في صيد كلاب المجوس اليهود والنصارى
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أرسل اليهودي والنصراني والمجوسي كلبه على صيد فقتله فلا نرى أكله، وكذلك لا نرى أكل ذبيحة أحد من هذه الانصاف. قال: فإن كان المرسل لكلب الذمي مسلما فسمى حين أرسله فلا بأس بأكل صيده لان الكلب ليس من صاحبه في شئ إذا كان مرسله غيره.
---(2/377)
[ 378 ]
حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن صيد كلب المجوسي المعلم فقال: لا بأس بأكل صيده إذا كان مرسله مسلما وسمى الله وكان الكلب معلما.
باب القول في الصيد بالليل
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بالصيد ليلا أو نهارا لان الله سبحانه أطلقه إطلاقا وأحله إحلالا ولم يستثن على عباده في ذلك ليلا ولا نهارا، وإنما يكره من صيد الليل ما طرق في وكره، وأخذ من مأمنه فذلك الذي لا يجوز له أخذه ولا نرى تصيده وفي ذلك ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (الطير آمنة بأمان الله في وكورها). حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن الصيد بالليل فقال: إنما يكره من ذلك أن تطرق في وكورها، فأما إن خرج وطار مصحرا فلا بأس بما صيد بالليل والنهار لان الله عزوجل أحل الصيد ولم يوقت له من الليل والنهار وقتا.
باب القول في صيد المجوس والمشركين للسمك
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بأكل ما صادوا من السمك إذا غسل من أو ساخهم، ونظف من مس أيديهم، ونجس لمسهم، لان السمك لا يقع عليه زكاة بذبح ولا في أو داج، وإنما جعله الله حلالا بأخذه لا بذبحه، فلذلك جاز وحل صيدها وما قلنا به من أكلها، وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كرهه وليس ذلك بصحيح عندنا.
---(2/378)
[ 379 ]
حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن صيد المجوسي والمشرك للحيتان فقال: يغسل ما أصابه من مس أيديهم ولا بأس به لانه ذكي في نفسه.
باب القول فيمن رمى بسهم أو خلى عليه كلبا ثم يغيب عن عينيه ثم وجده
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو أن إنسانا رمى صيدا بسهم فأثبته فيه أو أرسل عليه كلبا معلما فأغراه عليه فتوارى عن عينيه ساعة أو ساعتين أو أكثر ثم وجده فوجد فيه سهمه ثابتا ولم ير فيه غير سهمه ووجده قد أصاب له مقتلا يعلم أنه يموت إذا أصابه ولم ير فيه أثرا غير أثر سهمه، وكذلك إذا لم ير فيه غير أثر كلبه وأيقن أن كلبه قتله فلا بأس بأكله إذا فهمه أنه هو قاتله لان الله سبحانه أحل ذلك ولم يقل يغيب ولا لم يغب ولا نزيح اليقين إلا بيقين، فإذا تيقن بأن سهمه أو كلبه قتله حين أرسله عليه فليأكل ذلك الصيد الذي رماه حلالا. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن رجل رمى صيدا فأصباه ثم غاب عنه ليلة أو وراء جبل ثم أصابه ميتا وسهمه فيه، قال: إذا لم ير فيه أثرا سوى أثر سهمه أو أرسل عليه كلبا ولم ير فيه أثرا غير أثر كلبه وعرف ذلك معرفة يقين أكله وكان حلالا أكله نهارا أصابه أو ليلا في سهل كان ذلك أو جبل.
باب القول في ميت الحيتان وما صيد منهما
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ذكاة الحيتان أخذها حية فاما ما كان منها طافيا أو قذف به البحر ميتا فلا خير فيه، وقد جاء النهي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والتحريم له.
---(2/379)
[ 380 ]
قال: ولو أن رجلا حظر حظيرة في جانب الماء فدخلتها الحيتان فسد عليها صاحب الحظيرة فما طفا ميتا فوق ذلك الماء الذي في الحظيرة فهو ميت لا خير فيه لانه طاف فوق الماء وميت فيه، وما بقي فيها حتى ينضب الماء عنه ويبقى في الحظيرة على وجه الارض فلا بأس بأكله، ميتا أخذ أو حيا لانه قد حبسه حتى خرج منه الماء وبقي في حبسه وموضعه الذي يحل به صيده. حدثني أبي عن أبيه: أنه سئل عن الطافي من الحيتان عما قذف به البحر وعما قتل الحيتان بعضه بعضا فقال: هذا كله ميتة فلسنا نحب أكله وقد جاء عن علي عليه السلام النهي عن الطافي وهو الميت من السمك، وكذلك كل ميت من كل ما أحل الله من بهيمة الانعام وصيد البر والبحر.
باب القول في صيد الكلاب ليست بمعلمة واشتراك المعلم وغير المعلم في الصيد
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أرسل المرسل على الصيد كلبا غير معلم فلزم الصيد فلحقه صاحبه ولم يقتله فزكاة فلا بأس بأكله وهو حلال لصاحبه وان لحقه وقد قتله فلا نرى أكله له لانه صيد كلب لم يحل الله أكل ما قتل لانه ليس بمعلم ولا بمكلب. فان أرسل مرسل كلبا معلما على صيد فعارضه كلب غير معلم فاعانه عليه حتى قتله بحبسه له عليه أو أخذه معه فلا يجوز أكله وقد أفسد زكاته معاونة الكلب الذي ليس بمكلب للمكلب عليه، ولو أرسل رجلان كلبين معلمين على صيد فقتله كلبا هما كان اصيد ذكيا إذا سميا وكان الصيد حلالا مهما قتله الكلبان أو أكلا بعضه.
---(2/380)