[ 284 ]
يعبد من لم يفعل ذلك الشئ الذي أنكره والله سبحانه هو الذي صنعه فقد صح أن من أنكر فعل الله فقد أنكر الله ومن لم يقر بصنعه فقد كفر به. والوجه الثاني فهو كفر النعم بالعصيان للواحد ذي الكرم والاحسان، ومن كفر نعم الله فهو فاسق في دين الله بكفرانه لنعم الله ومن كانت حاله كذلك كان بعيدا من اسم الايمان قريبا داخلا مستحقا لاسم الفجور والفسوق والعصيان إلا تسمع كيف ميز الله سبحانه بين المؤمنين والفاسقين فلم يجمع بينهم بالفعل ولا في الاسم أحكم الحاكمين بل أخبر أنهما شيئان مختلفان واسمان متضادان متباينان في المعنى والجزاء فنسب المؤمن إلى ما حكم به من الثواب ونسب الفاسق إلى ما أعد له من أليم العقاب فقال فيما نزل من الكتاب: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) * (11) وفي ذلك ما يقول الله تبارك وتعالى: * (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) * (12) يقول سبحانه تأذن ربكم يريد حكم ربكم لئن شكرتموني فعملتم بطاعتي واتبعتم مرضاتي لازيدنكم من فضلي ولاضاعفن لكم ثوابي، ولئن كفرتم نعمتي وعصيتم أمري وعندتم عن طاعتي لاعذبكم عذابا شديدا.
---
ص‍ 284..
(11) السجدة 18.
(12) ابراهيم 7.
---(2/284)


[ 285 ]
باب القول فيما ذكر الله سبحانه من القصاص
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: حكم الله تبارك وتعالى على بني اسرائيل بالقصاص ولم يكن أطلق لهم الدية فقال سبحانه: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) * (13) فبين سبحانه بقوله في آخر الآية فمن تصدق به فهو كفارة له على ما قنا من أنه لم تكن بينهم دية ولم يكن الا القصاص أو الهبة، وحكم سبحانه عليهم بأن تكون نفس الرجل بنفس المرأة وعين الرجل بعين المرأة وأنف الرجل بأنف المرأة وجعل كل شئ من جراح الرجال كجراح النساء ولم يجعل بينهم تفاضلا في شئ من الاشياء كما قال سبحانه: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * (14) ثم قال في آخرها والجروح قصاص، ومعنى قوله كتبنا عليهم فيها يريد التوارة وجعل أحكام عبيدهم في ذلك كله كأحكامهم. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ثم خفف الله وعفى تباركت أسماؤه وجل ثناؤه عن أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فميز أحكامهم، وفرق بين دياتهم على قدر مراتبهم رحمة منه لهم وعايدة بالفضل عليهم فقال فيما نزل من الاحكام في القصاص بين أهل الاسلام على نبيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: * (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد، والانثى بالانثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك
---
ص‍ 285..
(13) المائدة 45. \ \ \ في نسخة فغير. تمت.
(14) المائدة 45.
---(2/285)


[ 286 ]
تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) * (15) فحكم الله تعالى أن الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فحظر بما حكم به من ذلك أن يقتل ذكر بأنثى، أو حر بعبد فرقا منه سبحانه بين المسلمين وبين الاسرائيليين إلا أن يكون القاتل من الرجال قتل من قتل من النساء والعبيد فسادا في الارض وطغيانا وميلا وكفرانا، فينظر في ذلك إمام المسلمين فإن شاء قتله على عظيم جرمه وإن شاء فعل به غير ذلك من الفعل بتوفيق الله له فعله. ثم قال عزوجل: * (ولكم في القصاص حيوة يا أولي الالباب لعلكم تتقون) * (16). والحياة التي في ذكرت القصاص فهي ما يداخل الظالمين من الخوف من القصاص في قتل المظلومين فيرتدعوا عن ذلك إذا علموا أنهم بمن يقتلون مقتولون فتطول حياتهم إذا ارتدعوا عن فسادهم وينكلون عن قتل من به يقتلون وبإبادته بحكم الله يبادون فحكم الله سبحانه بالقود بين عباده، والقصاص على ما ذكر في كتابه فيما يقتل من القتلى أو يستأصل من الاعضاء، وكذلك حكم بالقصاص بين الجرحى ثم قال تبارك وتعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة على قاتل النفس ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) * (17) فجعل سبحانه في قتل الخطأ تحرير رقبة مؤمنة على قاتل النفس ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، والصدقة هاهنا فهي الهبة له والصفح عن خطيتئه والاعراض عن أخذ الدية من عاقلته. ثم قال رجل جلاله عن أن يحويه قوله أو يناله: * (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) * (18) فلم يجعل في المؤمن الساكن بين المشريكن دية، وهو أن
---
ص‍ 286..
(15) البقرة 178. \ \ \ (17) النساء 92.
(16) البقرة 179. \ \ \ (18) النساء 92.
---(2/286)


[ 287 ]
يكون الرجل يسلم وهو في قومه لا يعلم باسلامه وهو يكتمه فيلقاه المسلمون بناحية من الارض فيقتلونه وهم يظنون أنه على ما كان عليه من شركه، ثم يعلمون بعد ذلك باسلامه، فهذا الذي جعل الله فيه الكفارة ولم يجعل فيه الدية لان المسلمين ورثته دون مناسبيه من المشركين وهم الذين يعقلون عنه لو كان جنى جناية فجعلهم الله أولى بديته، إذا كانوا العاقلين عنه دون قرابته من غير أهل دينه. ثم قال سبحانه: * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) * (19). فجعل فيمن كان بينهم وبينه ميثاق من المشركين دية وذلك لما بينهم من العهد والميثاق فسلمت إليهم دية لما بينهم من عهد الله وميثاقه وجعل فيه سبحانه الكفارة لانه مؤمن ثم جعل على من لم يجد رقبة مؤمنة صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما إلا من علة عظيمة فيفصل بينهما ثم يبني على ما كان من صيامه عند خروجه من علته وطاقته لصيام كفارته. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: فلم يزل المسلمون على ذلك حتى أنزل الله تبارك وتعالى براءة فنقضت العهد الذي كان بينهم وبين المشركين ونبذ إليهم رسول الله عهدهم وآذنهم بما أمره الله به من محاربتهم، وكان أول نبذ العهود إلى المشركين من قريش خاصة لانهم كانوا أصحاب العهد والهدنة، ثم استثنى تبارك وتعالى فقال: * (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) * (20) فنزلت هذه الآية في هلال بن عويمر كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عهد فلم يكن نقض هلال ما بينه وبين الني صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان مشركوا قريش يخرجون من مكة فيأتون هلالا وكان أصحاب رسول
---
ص‍ 287..
(19) النساء 92. \ \ \ (20) النساء 90.
---(2/287)


[ 288 ]
الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يريدون قتل من يأتي هلالا من المشركين فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما ذكر من قوله * (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) * فلما أكمل الله سبحانه نعمته على المسلمين وأعز بنصره خاتم النبيين نسخ هاتين الآيتين ونسخ كل عهد كان بينه وبين المشركين فقال: * (واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) * (21) فأمر المسلمين بقتل المشركين حيث وجدوهم، وأن يقعدوا لهم كل مرصد، وأن لا يستبقوا من المشركين أحدا الا من تاب من خطيئته، ورجع إلى الله عن سيئته، ثم قال عزوجل تحذيرا للمؤمنين وتأكيدا منه عليهم في التحفظ إذا ضربوا في الارض من قتل المؤمنين فقال: * (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة) * (22) فيقال إن هذه الآية نزلت في أسامة بن زيد حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أرض غطفان، ولم يكن بالمؤمر على السرية فبلغ غطفان خبرهم فهربوا وتخلف رجل من غطفان يقال له مر داس بن نهيك فلما رآهم خافهم وألجأ غنمه إلى كهف في الجبل ثم استقبلهم فسلم عليهم وشهد بشهادة الحق فحمل عليه أسامة فطعنه وأخذ ماله فنزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبره، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل صاحب السرية يثني على أسامة ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم معرض حتى إذا فرغ الرجل قال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا أسامة قال
---
ص‍ 288..
(21) التوبة 5. \ \ \ (22) النساء 94.
---(2/288)

145 / 198
ع
En
A+
A-