[ 279 ]
كتاب الديات، والجراحة، والجنايات
---(2/279)


[ 280 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ حكم الديات وما حكم الله به على قاتل النفس متعمدا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله تبارك وتعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) * (1) والتعمد هاهنا فهو التعمد بالظلم والاجتراء على ما نهى الله عنه من سفك الدماء، وانما يجب ما أو عد الله به من ناره وعذابه وغضبه ولعنته على من تعمد قتل مؤمن ظالما له في تعمده مجتريا على الله في قتله، ف اما من تعمد قتله بحق يجب عليه فليس بمقاقب فيه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وأنا أرى أن من قتل بحق فليس بمؤمن لان الحق لا يوجب قتل المؤمن، الا أن يكون مرجوما تاب قبل رجمه، أو قاتل نفس تاب وأخلص التوبة قبل قتله لربه وأقاد من نفسه لان القتل انما يجب بحكم الله على عشرة أصناف. فأولها: قتل أهل الشرك من بعد الدعاء لهم إلى الله إذا أبوا أن يجيبوا إلى الاسلام أو إلى المعاهدة.
(والثاني) قتل المرتد عن الاسلام إذا أبى التوبة.
(والثالث) قتل سحرة المسلمين إذا أبوا التوبة.
---
ص‍ 280..
(1) النساء 93.
---(2/280)


[ 281 ]
(والرابع) قتل الزنادقة إذا أبوا التوبة.
(والخامس) ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قتل الديوث إذا صحت دياثته من بعد الاستتابة.
(والسادس) قتل الفئة الباغية من المسلمين إذا بغت وتعدت على المؤمنين كما أمر الله سبحانه بقتلها، وذلك قوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقالتوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * (2) ومنهم الذين يدعون ما ليس لهم، ويتأولون بزعمهم أنهم أئمة، ويعطلون الاحكام، ويهتكون الاسلام ويخالفون الرحمن، ويجاهرونه بالفسق والعصيان وهم الذين قال الله فيهم: * (قاتلوا الذين يلونكم من الكقار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين) * (3). ثم بين أنهم هم بأعيانهم فقال: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * (4) وأما قوله يلونكم من الكفار فإنما معناها بينكم الذين هم أضرب من غيرهم عليكم، ثم كذلك فرض عليكم أن تقاتلوا الادنى فالادنى من لعاصين حتى لا تبقوا على الارض لي مخالفين. كذلك حروف الصفات يعاقب بعضها بعضا فقامت يلي مقام بين فكان المعنى بينكم فقال يلونكم، وكل ذلك في العربية سواء، من ذلك قول رب العالمين فيما حكى من قول فرعون اللعين حين يقول: * (ولاصلبنكم في جذوع النخل) * (5) فقال في جذوع النخل وإنما معناها على جذوع النخل فقامت في مقام على. وقال الله سبحانه:
---
ص‍ 281..
(2) الحجرات. 9 (3) التوبة 123.
(4) المائدة 144.
(5) طه 71.
---(2/281)


[ 282 ]
* (وما ذبح على النصب) * (6) وإنما أراد للنصب، ومن أجلها، فقال على فقامت مقام اللام وكذلك حروف الصفات كلها يعاقب بعضها بعضا وفي ذلك ما يقول الشاعر: شربن بماء البحر ثم ترفعت * لدى لجج خضر لهن نئيج (7) فقال: ترفعت لدى لجج، وانما أراد ترفعت على لجج خضر، وانما يصف السحاب ويذكر أنها ترتفع فوق لجج البحر.
(السابع) فما حكم الله به من قتل قطاع طريق المسلمين المحاربين في ذلك لله وللرسول وللمؤمنين إذا أخذوا أموالهم وقتلوا فيهم، وذلك قول الله عزوجل: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) * (8).
(والثامن): فهو قتل من قتل مؤمنا متعمدا ففي حكم الله أن يقتل به وذلك قول الله عزوجل: * (النفس بالنفس) * (9) وقوله سبحانه * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * (10) والسلطان الذي جعله الله لوليه هو قتل قاتله به.
(والتاسع): قتل من سب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشتمه واستخف بحقه واطرحه، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من سبني فاقتلوه).
(والعاشر): فقتل من زنا بعد احصان كذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم به يرجمه حتى يموت.
---
ص‍ 282..
(6) المائدة 3. \ \ \ (7) النئيج: الاحتراك والتصويت أيضا. ذكر معناه في الصحاح.
(8) المائدة 33. \ \ \ (9) المائدة 45.
(10) المائدة 151.
---(2/282)


[ 283 ]
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ثمانية أصناف من هذه العشرة إذا تابوا خلي سبيلهم ولم يقتلوا، وصنف لابد من قتله تاب أولم يتب وهو المحصن الزاني، وصنف الامر فيه إلى أولياء أمره وهو قاتل النفس فإن أحبوا قتلوه، وإن أحبوا تركوه. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من سب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم استتيب فإن تاب ورجع إلى ما أوجب الله عليه له فأخلص التوبة من ذلك لربه رأيت أن يطلق، ومن أقام على ذلك قتل وليس سب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعظم من سب الله والجحدان له والكفر به، ومن استحل ذلك في الله سبحانه لم يقتل حتى يستتاب فان تاب خلي وإن أبى قتل فهذه الوجوه العشرة التي يجوز بها سفك دم الانسان ومن كان في شئ من هذه العشرة الاصناف وجب عليه من الله حكمها وانتظمه بفعله لها اسمها. وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن) ومن الدليل على أن ذلك كذلك حكم الله عليه بالنار والعذاب، ومن كان مؤمنا فليس من أهل العقاب، ولا يجوز أن ينسب إلى العذاب لان من صح له اسم الايمان فمستوجب من الله الثواب، فلذلك قلنا إن أهل الاجتراء على كباير العصيان ليسوا عند الله ولا في حكمه من أهل الايمان. ثم نقول من بعد ذلك إن الكفر على معنيين فأحدهما: كفر شرك وجحدان لله سبحانه وللنبي وللفرقان فسواء من أنكر الله في ذاته أو أنكر خلقه لسمواته أو جحد أنبيائه ورسالاته، لان من أنكر شيئا من فعله فقد أنكره بانكار صنعه، لان من قال لما فعله الله لم يفعله فقد زعم وأوجب ان غير الله فعله، ومن قال إن غير الله فعل فعل الله فهو منكر في قوله لله لانه
---(2/283)

144 / 198
ع
En
A+
A-