[ 273 ]
وكل ما عاد إلى شئ من ذلك عاد له بالادب المبرح، ولا يجوز له أن يقتله لانه محرم لها مقر بتحريم الله ما يأكل منها. ولم يأمر الله بقتل من أكل من ذلك شيئا، وإنما على الامام عن يستقصي على من فعل من ذلك شيئا، وليس له أن يقتله قتلا، لان الله لم يأمر بقتله أمرا، ولم يحكم به عليه حكما، إذا كان غير مستبيح لها ولا مستحل لما حرم الله تعالى منها وكان يقول بتحريم الله، مقرا على نفسه بالعصيات لله فيها. وكذلك يجب على شارب الخمر الادب المبرح في شربها إذا كان مقرا بتحريمها، وكذلك الحكم في استحلالها والاستباحة لما حظر الله فيها، وتحليل ما حرم الله سبحانه من شربها، وانكار ما نهى الله جل جلاله عنه من تناولها كالحكم في استحلال غيرها من الميتة والدم وتحليل ما حرم الله من أكلها، وانكار ما نهى الله عنه من التشديد فيها. فلو أن رجلا قال: إن الميتة والدم حلال غير حرام، واعتقد ذلك، وقال به لوجب على الامام أن يستتيبه فإن تاب خلى سبيله وإن لم يتب ضربت عنقه. وكذلك لو قال: إن الخمر حلال غير حرام واعتقد ذلك وقال به لوجب على الامام أن يستتيبه، فإن تاب وإلا قتله، لانه مبارز معاند لله سبحانه بتحليله لما حرم الله وتحريم ما أحل الله، ومن أحل ما حرم الله فهو كمن حرم ما أحل الله، ومن حرم ما أحل الله وأحل ما حرم الله فقد جهل الله وأنكره، لان من أنكر فعل الله في تحريمه، أو تحليله فقال لما حرمه لم يحرمه كمن أنكر فعله في ارسال رسله، فقال لمن أرسل لم يرسله، ومن أنكر فعله في ارسال رسله، كمن أنكر فعله في خلق سمواته وأرضه. ومن قال إن الله لم يخلق السماء أو غيرها من الاشياء، فلم يعرفه ولم يعبده لانه يعبد الذي لم يخلق السماء، والله جل جلاله فهو خالقها ومصورها، وكذلك من قال لم يحرم الله الدم ولا الخمر فهو منكر لله غير
---(2/273)


[ 274 ]
عابد ولا عارف به ولا مقر به، لانه يقول إن الذي حرم الخمر ليس بالله، وأن الله لم يحرمها فهو يعبد في أصل قوله من لم يحرم الخمر والميتة والدم، والله فقد حرم ذلك كله، ومن لم يعبد من حرم الميتة والخمر، والدم ولحم الخنزير فقد عبد غير الله، ومن عبد غير الله كمن كفر بالله وأشرك به، فحال من كان كذلك في الحكم كحال المشركين، وسبيله في ذلك كسبيل المرتدين. فان تابوا، وأنابوا، ورجعوا واستقاموا خلوا، وأن لم يرجعوا ويتوبوا قتلوا، فلما أن كان معنى الخمر، والميتة، والدم ولحم الخنزير في الحكم من الله على من أباحها وحلل ما حرم الله منها سواء بالقتل ان لم يتب، كان الحكم منه سبحانه بالعقوبة والادب على من نال من ذلك شيئا وهو مقر بالتحريم له من الله سبحانه سواء سواء لا خلاف فيه. فلما إن صح ذلك عندنا وثبت في عقولنا علمنا أنه لابد أن يكون على من أتى شيئا من ذلك أدب منكل، ثم وجدنا أدب شارب الخمر قد تقدم تحديده من الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك أنها شربت على عهده فاحتذينا في ذلك بفعله، والزمنا شارب الخمر ما ألزمه الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يأت عنه أدب محدود على أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، لانه لم يؤكل من ذلك شئ على عهده ولا من بعده إلى اليوم فيما علمنا، وان حدث من ذلك شئ اجتهد الامام رأيه في الادب فيه، ومن لم يلزم في الخمر شاربها أدبا مبرحا لزمه ألا يلزم في أكل الميتة والدم، ولحم الخنزير أدبا لان ذلك كله سواء في حكم الله العلي الاعلى. ومن أوجب الادب في ذلك كله وغيره ورأى أن اقامة ذلك على فاعله لازمة للامام، لم يلزمه معرة إن حدثت من أدبه له لانه إنما اجتهد
---(2/274)


[ 275 ]
رأيه وأراد صلاحه ورده عن معاصي ربه إلى طاعته والامام فإنما هو في الرعية مثل المتطبب المداوي البصير المعروف بالمداواة والبصر بالتطبب، فإذا رأى المتطبب العليل يحتاج إلى دواء فسقاه اياه بالاجتهاد منه لرأيه والاستيذان لعصبته فعنت العليل أو هلك لم يكن على المعالج من بعد الاجتهاد والاستيذان لعصبته معرة ولادية. وكذلك الامام على الاجتهاد فيما يصلح الرعية، ويردها عن الفسق والافعال الردية، وبذلك أمره الله فيها، وأمر الله له بأدائها على ما يكون من خطأ فعلها واطلاق يده في ذلك وبه عليها، أعظم من إذن عصبة المريض المتطبب في معالجته، فإذا اجتهد الامام في اصلاح الامة وردها بالادب والتنكيل لها عن فسقها والاجتراء على خالقها، فعنت منهم أحد في ذلك أو هلك فلا ضمان عليه في شئ من ذلك، وعليه الاستقامة والاستقصاء في الادب، والاجتهاد لله فميا يصلح العباد والبلاد، وان تلف في ذلك خلق عظيم لا يسعه غيره ولا يجوز له عند الله سواه. وإنما تجب الدية وتلزم المعرة في فعل ما لم يكن يجوز له فعله فيخطئ في ذلك فيفعله من غير تعمد منه لفعله، مثل شاهدين شهدا على رجل بسرقة وبإخراجها من الحرز فقطعه اللامام ثم وجد أحدهما أعمى أو وجده مجنونا، أو أربعة شهدوا على رجل بالزنا فرجمه ثم وجد أحدهما أعمى فهذا خطأ منه تجب فيه الدية عليه، فاما مالا بد له من فعله وما لا يسعه تركه من تأديب الامة فلا معرة عليه فاما مالا بد له من فعله ومالا يسعه تركه من تأديب الامة فلا معرة عليه فيه لان المعرة إنما جعلت تنكيلا للمخطئ عن العودة فيما منه أتى، ولو لزمت الداية الامام فيما أحدث على المؤدب إذا لم يجزله ما ينبغي من الادب لكان ذلك تنكيلا له على تأديب الامة، ولو تنكل عن تأديبها لهلك في النار بعذاب ذي الجلال والاكرام من الامة أكثر مما يهلك بتأديب الامام، ولو لم يكن
---(2/275)


[ 276 ]
للامام أن يؤدب الامة تأديبا حسنا على قدر جرم مجرمها لهلكت في جميع أسبابها، ولاكل بعضها بعضا، ولكن الله أحسن تقديرا وأرحم بخلقه وأرأد بعباده، وفيما ذكرنا من ذلك ما أعنى أهل العلم والفهم وكفى والحمد لله العلي الاعلى وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته وسلم تسليما. حدثني عمي الحسن بن القاسم عليه السلام قال: حدثني من أثق به بإسناد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه أتاه ديلم الحميري من أهل اليمن فقال: يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج بها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هل يسكر؟ فقال: نعم فقال: اجتنبوه، فقال الحميري: ثم أتيه من بين يديه فقلت له مثل ذلك فقال: هل يسكر؟ فقلت نعم فقال: صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاجتنبوه، فقلت: إن الناس غير تاركيه فقال: إن لم يتركوه فاقتلوهم). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: هذا الحديث موافق للحديث الذي يروى عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أنه قال: (كل مسكر حرام) والحديث الذي يروى عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وفي حديث آخر: (فالذوق منه حرام) ويوافق الحديث الذي يروى عنه في رجل شرب خمرا فجلده ثم قال: ان عاد فاقتلوه قال: فعاد فأمر به فضرب ثمانين ضربة، فدل اختلاف أمره أولا وفعله فيه آخرا على أن الله أحدث له فيه أمرا وحكم عليه بالجلد حكما فلم يتعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك إلى ما كان أمر به فيه أولا من القتل. حدثني عمي الحسن بن القاسم قال حدثني بعض من أثق به
---(2/276)


[ 277 ]
باسناد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لقد حرمت الخمر علينا وما خمرنا الا من التمر. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: الخمر التي حرمت فانما هي الخمر التي كانت تعمل بالمدينة يعملها أهل يثرب، وأهل يثرب فانما هم أهل نخل وتمر لا عنب عندهم الا اليسير وأظن أنه حادث بها أحدث فيها بعد أن لم يكن تم جزء ابواب الحدود والحمد لله الواحد المعبود وصلى الله عليه وعلى آله وسلم.
---(2/277)

143 / 198
ع
En
A+
A-