[ 263 ]
تظفر به سرايا المؤمنين، فدخل عليه تائبا وله مطيعا مسالما، وعلى ما مضى من فعله نادما، وجب على الامام إذا أتاه بالامان باذن من الامام له، أو هجم عليه فأدلى بالتوبة إليه، أن يقبل توبته ويؤمنه على ما استأمنه عليه من نفسه وماله. وكذلك ان كتب المحارب إلى الامام يسأله أن يؤمنه ممن يتبعه بشئ مما صنع أو اجترم أو أصاب من مال أو دم فينبغي للامام ان يؤمنه على ذلك إذا كان ذلك أصلح للمسلمين، فان أمه عليه، ودخل عليه فلا يسأله الامام عن شئ مما أمنه عليه، فإن عرض له أحد في شئ مما أمنه الامام على لم يعده الامام عليه ومنعه من مطالبته وان قتله أحد بما قتل من الناس في حال محاربته، قتل الامام قاتله لانه قد حقن دمه بذمة الله وذمة رسوله وذمة الامام. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وان أخذه الامام في بعض البلاد من قبل أن يكتب إليه يطلب منه الامان أو يرمي بنفسه عليه ويسأله الامام له ويخبره بالتوبة منه، وأنه لم يأته إلا من بعد توبته، خارجا إليه من خطيئته، راجعا إلى الله من سيئته، لم يقبل قوله ان ادعى توبة وحكم فيه بحكم الله عليه، لان التوبة لمثل هذا لا تكون إلا بالخروج إلى الامام وهو ممتنع من الامام فحينئذ تقبل توبته، فاما إذا أخذ أو حيل بينه وبين المهرب فادعى توبة فلا تقبل منه على هذا الحال. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن المحارب كيف ينفى؟ قال: ينفى من بلد إلى بلد.
باب القول في الخمر وتحريمها من كتاب الله
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله تبارك وتعالى في تحريم الخمر: * (يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب
---(2/263)
[ 264 ]
والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) * (51) قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الخمر كل ما خامر العقل فأفسده فإذا أفسد كثيره كان حراما قليلة، ولذلك سميت خمرا لمخامرتها للعقل وابطالها له سواء كانت من عنب أو تمر أو عسل أو ذرة أو شعير أو حنطة، أو زهو، أو غير ذلك من الاشياء، والميسر فهو النرد والشطرنج والقمار كله، وكلما كان من ذلك مما يلهي عن ذكر الرحمن، ويشغل عن كل طاعة وإيمان. والانصاب فهي أنصاب الجاهلية التي كانوا ينصبونها من الحجارة لعبادتهم يعبدونها من دون الله، وهي اليوم فموجودة في شعاب الارض وفي آثارهم منصوبة على حالها قائمة منذ عهدهم. والازلام فهي القداح التي كانت الجاهلية تضرب بها وتستقسم بها وتجعلها حكما في كل أمرها، عليها كتب وعلامات لهم، فما خرج من تلك الكتب والعلامات يجعلوه لهم هداية ودلالات فأخبر الله تبارك وتعالى أن ذلك كله من فعلهم أمر عن الله يصدهم ومن طاعة الله يمنعهم وعن التعاهد لاوقات فرائض الصلوات يشغلهم وذلك قوله سبحانه: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) * (52).
باب القول في حد الخمر
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: حد الخمر ثمانون على من شرب منها قليلا أو كثيرا فإذا شهد على شاربها رجلان أنهما
---
ص 264..
(51) المائدة 90.
(52) المائدة 91.
---(2/264)
[ 265 ]
رأياه يشربها أو شما منه في نكهته رائحتها وجب عله الحد ثمانون سوطا. وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال لعمر بن الخطاب حين كان من أمره وأمر قدامة بن مظعون الجمحي ما كان، حين كان قدامة يشرب الخمر فحده أبو هريرة بالبحرين وهو إذا ذاك وآل لعمر عليها، فقدم قدامة على عمر فشكا إليه أبا هريرة فبعث إليه عمر فأشخصه فقدم أبو هريرة معه بالشهود الذين شهدوا على شرب قدامة الخمر، وكان ممن قدم معه الجارود العبدي، فلما قدم عليه أبو هريرة سأله عن أمر قدامة فأخبره أنه جلده في الخمر فسأله عمر البينة فجاء بشهوده فالتقى عبد الله بن عمر والجارود العبدي، فقال له عبد الله بن عمر بن الخطاب: أنت الذي شهدت على خالي أنه شرب الخمر؟ قال: نعم، قال إذا لا تجوز شهادتك عليه، فغضب الجارود وقال: أما والله لاجلدن خالك أو لاكفر أن أباك، فدخلوا على عمر فشهدوا أنه ضربه في الخمر، فقال قدامة إني أنا ليس علي في الخمر حرج إنما أنا من اللذين قال الله: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأمنوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) * (53) قال وكان بدريا ففزع عمر مما قاله قدامة، فبعث إلى علي بن ألي طالب عليه السلام فقال له: الا تسمع إلى ما يقول قدامة فأخبره بما قرأ من القرآن، فقال علي عليه السلام: فإن الله لما حرم الخمر شكا المؤمنون إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا: كيف بأبائنا وأخواننا الذين ماتوا وقتلوا وهم يشربون الخمر، وكيف بصلاتنا التي صلينا ونحن نشربها هل قبل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله فيهم:
---
ص 265..
(53) المائدة 93.
---(2/265)
[ 266 ]
* (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا أتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) * (54) فكان ذلك معذرة للماضين وحجة على الباقين، يا عمر أن شارب الخمر إذا شربها انتشى، وإذا انتشى هذى وإذا هذى افترى فأقم حدها حد فرية وحد الفرية ثمانون وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه كان يضرب في شرب المسكر ثمانين. وكان يقول كل مسكر: خمر. وبلغنا عنه عليه السلام أنه كان يجلد في قليل ما أسكر كثيره كما يجلد في الكثير. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن حسين بن عبد الله بن ضميره، عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يجلد فيما أسكر قليله كما يجلد فيما أسكر كثيره. وحدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن المسكر فقال: كلما اسكر كثيره فقليله حرام. وكذلك روي عن الني صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: كلما أسكر كثثره فالذوق منه حرام. وحدثني أبي عن أبيه أنه قال بلغنا عن أمير المؤمنين رضي الله عنه أنه كان يقول: (لا أجد أحدا يشرب خمرا، ولا نبيذا مسكرا إلا جلدته الحد ثمانين).
---
ص 266..
(54) المائدة 93.
---(2/266)
[ 267 ]
باب القول فيما ينبغي للامام أن يفعل بالمحدود
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي للامام أن يترك على المحدود ثوبا واحد ولا يجرده من كل ثيابه ولا ينبغي أن يغل أحدا من المسلمين والغل أن يشد يده إلى عنقه فأما ما يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما يقولون قال: يترك للمحدود يداه يتوفي بهما فهذا عندي لا يصح، لانه لو تركت يداه لما وصل إليه من الثمانين سوطا شئ ينكله عن فسقه ولا يزدجر به عن ذنبه ومد يديه أو نفع له وأطرد للسفه عنه لان ذلك أنكا، وإذا أنكاه الادب انتهى، وكل حد لا يؤلم، ولا يوجع ويبالغ في صاحبه لا يرتدع عما لا يحل، ولا أرى في الحدود إلا المبالغة في الادب. قال: وبلغنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه رفع إليه شارب مسكر فضربه ثمانين سوطا.
باب القول في قنون الحدود
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يقام الحد على فاعله إذا شهد عند الامام به قدم عهده أم لم يقدم، فأما ما يقولون به من أن الحد إذا قدم درئ، فلا يؤخذ بذلك من قولهم ولا يلتفت إليه من أمورهم، لانه أمر واجب لله، وإذا قامت به الشهود العدول عند الامام وجب عليه أن يحده، وهم يقولون: بأنه يدرأ إذا تقادم في السرق والزنا والخمر، ويقولون بقولنا في حد القاذف إنه متى ما أقام عليه المقذوف البينة أخذه به، تقادم أو لم يتقادم يقولون لانها حقوق الناس، ولعمري أن حق الرحمن عند من عقل أوجب من حق الانسان. وقد أقام علي بن أبي طالب عليه السلام حد الخمر على الوليد
---
ص 267.. في نسخة (في أمر الحدود).
---(2/267)