[ 258 ]
ببينة على شرائه إياها فيقضي له بالرجوع على من باعه إياها ويكون صاحبها الذي أقام البينة عليها أولى بها. وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قضى فيه مثلها.
باب القول في حد النباش
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: النباش إذا نبش القبور وأخذ أكفان من فيها من الموتى قطعت يده إذا أخذ ما يجب في مثله القطع من كفن تساوي عشرة دراهم لان النباش هو في الحكم كالسارق وهو أعظمهما فسقا وأجلهما جرما. وكذلك روي لنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: (النباش بمنزلة السارق وهو أعظمهما جرما). حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن النباش يوجد معه كفن الميت قال: تقطع يده إذا خرج به من القبر، والقبر فهو حرز الميت.
باب القول في الخلسة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو أن مختلسا اختلس ثوب رجل من منكبه أو غير ذلك من بدنه لم يكن عليه في ذلك قطع ووجب على الامام إحسان أدبه والتنكيل له عن العودة إلى ما كان فيه من فعله وكذلك من سرق سرجا على ظهر دابة في الطريق أو قطع ركابا أو سل سيفا من صاحبه وهو مجيز به في طريقه لم يكن عليه في ذلك قطع، وكان عليه في أدب وتعزير.
---(2/258)
[ 259 ]
باب القول فيمن خان أمانة أوقف (44) في بيع أو شعراء
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا قطع في الخيانة لان الخائن مؤتمن وكل من خان أمانته فلا قطع عليه فيها، وإن ظهر على خيانته لها حكم عليه بردها وأدب على ما كان أقدم عليه منه فيها. وكذلك القفاف الذي يقف على المسلمين لا يقطع في قفافه ماقف عليه وان صح ذلك أدبه الامام فيه. وكذلك الحكم في الطرار إذا طر من ثوب الرجل شيئا يجب في مثله القطع.
باب القول فيمن وجب عليه القطع فقطعت يساره غلطا
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أمر الامام بقطع يد السارق فغلط القاطع فقطع يساره، أو أمره بمد يده فمد اليسرى جهلا أو تعمدا فقطعت فقد مضى الحد بما فيه ولا يلحق في ذلك شئ عليه لان الله تبارك وتعالى لم يسم يمينا ولا يسارا وليس لاحد أن يتعمد لذلك ولا أن يقطع اليسار دون اليمين متعمدا. وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أنه أمر بسارق تقطع يده فمد يساره فقطعت فأعلم بذلك فقال: قد مضى الحد بما فيه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن سارق أمر بقطع يمينه فمد يساره فقطعت، فقال: يكتفي بذلك في قطعة لان الله لم يسم يمينا ولا يسارا.
---
ص 259..
(44) القف: أن يسرق الرجل بين أصابعه. ذكره في الصحاح.
---(2/259)
[ 260 ]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا تقطع يدا السارق كلاهما ولو سرق مرتين أو ثلاثا أو أربعا، ولكن تقطع يده اليمنى في الاولى، ثم رجله اليسرى في الثانية ثم يحبس إن عاد لسرقته في الحبس أبدا حتى تظهر للامام توبته وتظهر أمانته وتبدو ندامته وتؤمن جنايته وتحسن رجعته. وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أنه أتي بسارق أقطع قد قطعت يده ورجله فاستشار الناس فقالوا: تقطع يده الاخرى، فقال: فبماذا يأكل؟ قالوا: فاقطع رجله الاخرى، فقال: بماذا يمشي؟ ثم أمر به فحبس وأنفق عليه من بيت مال المسلمين. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: والنساء والمماليك في القطع سواء.
باب القول في المحاربين
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله تبارك وتعالى في المحاربين ورسوله وهم الذين يقطعون الطريق ويسعون في الارض فسادا: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (45). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: هذه الآية نزلت في ناس من بحيلة كانوا من آخر العرب اسلاما فأسلموا وهاجروا وأقاموا بالمدينة فسقموا لمقامهم بها، وعظمت بطونهم، واصفرت ألوانهم وساءت أحوالهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخرجهم إلى إبل
---
ص 260..
(45) المائدة 33.
---(2/260)
[ 261 ]
الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فاذن لهم في ذلك فخرجوا إليها فشربوا من ألبانها وأبوالها وتصححوا فيها، فلما أن برءوا مما كان بهم وصحوا من سقمهم وعادوا إلى أحسن أحوالهم عدوا على رعاة الابل فقتلوهم واستاقوا الابل وذهبوا بها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فبعث في آثارهم فأخذهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم طرحهم في الشمس حتى ماتوا فعوتب النبي صلى الله عليه في شأنهم. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: الله أعلم بصدق هذا الخبر، فأنزل الله عليه الحكم فيمن فعل كفعلهم فقال: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض) * (46). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: يجب بحكم الله ورسوله على من حمل السلاح وأخاف به المسلمين أن ينفى من الارض، فإن أخذ أدب وعزر إن لم يكن أحدث حدثنا يلزمه فيه بعض أحكام الله تعالى فإن لم يوخذ اتبع بالخيل والرجال حتى يبعد ويذهب. وعلى من أخاف الطريق وأخذ المال: قطع اليد والرجل من خلاف تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ثم يخلى ليذهب حيث شاء، وعلى من أخاف الطريق وأخذ المال وقتل: القتل والصلب من بعد القتل، ولايجوز أن يصلب حيا، وإنما معنى قول الله عزوجل * (أن يقتلوا أو يصلبوا) * (47) فهو ويصلبوا، فأدخل الالف صلة للكلام لغير سبب يوجب معنى ولا تخييرا في ذلك، وكذلك تفعل العرب في كلامها، وفي ذلك ما يقول الله تبارك وتعالى: * (فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) * (48) أراد سبحانه
---
ص 261..
(46) المائدة 33. \ \ \ (47) المائدة 33. \ \ \ (48) الصافات 147.
---(2/261)
[ 262 ]
ويزيدون، فأدخل الالف هاهنا كما أدخلها في قوله أو يصلبوا، ولو كانت الالف ثابتة في قوله أو يزيدون لكان هذا موضع شك والله تبارك وتعالى من ذلك برئ وعنه سبحانه متعال علي بل هو العالم الذي لا يخفى عليه خافية سرا كانت الخافية أو علانية كما قال الله سبحانه: * (يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور) * (49) وكما قال سبحانه * (يعلم السر وأخفى) * (50) وهذا الذي ذكر الله أنه يعلمه مما هو أخفى من السر، فهو ما لم يسره بعد المسرون، ولم تخفه في قلوبهم المخفون، ولم يجل في فكرهم، ولم يخطر على قلوبهم ولم يستجن في صدورهم ولم يعلموا أنهم سيسرونه، وأنهم سوف يريدونه، وقد علم الله سبحانه ذلك منهم وعلم أنه سيخطر على قلوبهم من جميع أقوالهم وأفعالهم، لانه محيط بالاشياء كلها، عالم بكل ما يكون منها من قبل تكوينها وايجادها وفطرتها وابتداعها فسبحان من ليس له حد ينال ولا شبيه تضرب له فيه الامثال وهو الواحد ذو السلطان والجلال، والمتعالي عن اتخاذ الصواحب والاولاد المتقدس عن القضاء بالظلم والفساد، البعيد من المشاركة في أفعال العباد، ففعله خلاف فعل خلقه، وفعل خلقه خلاف فعله، لان فعله سبحانه موجود أبدا وفعل عباده فعرض كائن عدما، ولن يشبه أبدا عدم موجودا كما لا يشاكل حي أبدا مفقودا، فسبحان ذي الوعد والوعيد الصادق ذي العز والمجد السابق، وتعالى عما يقول المبطلون وينسب إليه في ذلك الضالون. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: فان أتى هذا المحارب إلى الامام تائبا، وعن فعله راجعا، من قبل أن يقدر عليه امام المسلمين، أو
---
ص 262..
(49) المؤمن 19.
(50) طه 7.
---(2/262)