[ 218 ]
ذلك حتى هاجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة فزنت امرأة من اليهود يقال لها بشرة برجل من اليهود فأراد اليهود جلدها ثم خافوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يفضحهم لما غيروا من التوارة فقال: الاحبار للسفلة منهم انطلقوا إلى محمد فاسألوه عن حد الزاني فإن قال أجلدوه فاقبلوا ذلك منه وأن أمركم بالرجم فأنكروا ذلك ولا تقروا به ولا تقبلوه فأتوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسألوه فقال: الرجم إن كان محصنا، فقالوا: إن موسى أمر أن يجلد إن كان محصنا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذبتم بل أمركم بالرجم ورجم فقالوا كلا، فقال: فاجعلوا بيني وبينكم حكما فقالوا اختر من أحببت فجاءه جبريل فقال له: اجعل فيما بينك وبينهم رجلا من أهل خيبر أعور شابا طويلا يقال له عبد الله بن صوريا فدعاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: هل تعرفون رجلا من أهل فدك فنعت لهم نعته، فقالوا: نعم فقال: كيف علمه فيكم بالتوراة؟ فقالوا: ذلك أعلمنا بالتوراة فقال: ذاك بيننا وبينكم فرضوا بذلك فأرسلوا عليه فقدم فدخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع اليهود فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أنت ابن صوريا؟ فقال: نعم فقال: أنت أعلم اليهود بالتوراة؟ فقال: نعم كذلك يقولون، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنشدك بالل الرحمن الذي أنزل التوراة على موسى، الذي أغرق آل فرعون وأنتم تنظرون ما أنزل الله على موسى في الزاني، فقال: فارتعدت فرائصه، وقال: الرجم، فوقعت به اليهود وقالوا: لم أخبرته؟ فقال: لقد استحلفني بيمين لو لم أخبره عما سألني لاحرقتني التوراة، فقالت اليهود: ان ابن صوريا كاذب ليس ذلك في التوراة، فقال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اجعل بينك وبينهم التوراة فإنه فيها مكتوب، فقال لهم النبي صلى الله
---(2/218)


[ 219 ]
عليه وعلى آله وسلم: بيني وبينكم التوراة فقالوا: نعم فركب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى بيت المدارس على حمار ومضى معه أصحابه فقال لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تبدؤا اليهود بالسلام فإذا سلموا فقولوا وعليكم مثله فأتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى بيت المدارس فدخل وقال: أئتوا بالتوراة فجاء وابها، وكان الذي يقوم عليها جدي بن أخطب وليس بحيى بن أخطب، وجلس معه عبد الله بن سلام فقال له: إقرأ في سفر الحدود فلما بلغ الرجم وضع ابهامه على ذلك الحرف، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفعها فقال اقرأه فقرأ الرجم في التوراة مبينا من الله جل جلاله. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: أما قول الله عزوجل: * (فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) * (17) فانها آية منسوخة نسخها قول الله عزوجل: * (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) * (18) فوجب الحكم بين أهل الكتاب وعليهم بما أنزل الله في الكتاب من الاحكام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنزلت عليه هذه الآية باليهوديين الزانيين فرجما. وكذلك قول الله عز وجل: حين يقول: * (واللاتي بأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) * (19) فكان هذا أول ما أنزل الله عليه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر الزانين، حتى أنزل عليه ما أنزل من الحدود، فكان ذلك السبيل الذي ذكر الله أنه يجعله. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا ينبغي للامام أن يزجر
---
ص‍ 219..
(17) المائدة 42.
(18) المائدة 49.
(19) النساء 15.
---(2/219)


[ 220 ]
ولا ينهر المتهم ليقر لانه قد يروى أنه لاحد على معترف بعد بلاء، وينبغي للامام ألا يضرب ولا يرجم حتى يصح عنده أنها غير حامل بالاستبراء لها بما جعل الله من حيضها فإن الله إنما جعل السبيل له عليها في نفهسا لا على ما في بطنها من ولدها، لانه لا يؤمن عليها أن ضربت وهي حامل أن تطرح ما في بطنها من ولدها، وكذلك أن رجمع قتلت وقتل ما في بطنها، وليس من حكم رب العالمين ان يقتل الامام بنفس نفسين ولكن الواجب على إمام المسلمين أن يستبري رحمها، فإن كانت سليمة من الجنين أقام عليها حكم رب العالمين، وإن كانت مشتملة على جنينها انتظر بها أن تضع ولدها ثم انتظر بولدها الفصال والاستغناء عنها، فإذا استغنى عنها ولدها أقيم عليها حدها، إلا أن يوجد من يكفل ولدها فإن وجد له كافل ثقة عليه، أقيم عليها الحد وضمن الكافل جميع أمر الولد. وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه لما كان في ولاية عمر أتي إليه. بإمرأة فسألها فأقرت بالفجور فأمر بها أن ترجم فلقيها علي عليه السلام فقال: ما بال هذه؟ قيل له: أمر بها عمر أن ترجم فردها علي رضي الله عنه فقال: أمرت بهذه أن ترجم؟ فقال: نعم اعترفت عندي بالفجور. فقال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها، قال: ما علمت أنها حبلى، قال: فان لم تعلم فاستبر رحمها، ثم قال علي عليه السلام: فلعلك انتهرتها أو أخفتها قال: قد كان ذلك، قال: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (لاحد على معترف بعد بلاء) فلعلها إنما اعترفت لوعيدك إياها، فسألها علي عليه السلام عن ذلك فقالت ما اعترفت الا خوفا فأمر بها فخلي سبيلها، ثم قال عمر: عجزت النساء أن تلدن مثل علي لولا علي لهك عمر ويروى عن عمر أنه كان يقول: لا أبقاني الله لمعضلة لا أرى فهيا ابن أبي طالب.
---(2/220)


[ 221 ]
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ما كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بغبي المقام ولا بصغير الحال ولا بخفي الامر، ولا بقليل الصبر، ولا ببعيد من الرحمن، ولا بجاهل بما نطق به القرآن، ولا بقليل الرحمة للرعية، ولا بملتبس الامر على البرية، أخو الرسول المصطفى، وولي من آمن واهتدى، الناصر للدين، والقائم بحجة رب العالمين، والحاكم بالكتاب المبين، الباذل نفسه لله ولرسوله، الشاهر سيفه في الحق من دونه، قتال الاقران ومستنزل الفرسان من كل طامح العنان، إذا التقت صثلب المران، كاسر العساكر، واصل الاياصر، مروي البواتر من نجيع البوادر، أبو السبطين الحسن والحسين ابني رسول الله الطاهرين المجاهد السابق إلى الله غير مسبوق وأسبق السابقين، وأول المسلمين وأشرف التابعين والمهاجرين، المسمى في القرآن بالايمان، والمحكوم له بالولاية والاحسان، وذلك قول الواحد الرحمن: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) * (20) ويقول * (السابقون السابقون أولئك المقربون) * 21) ويقول: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (22) فهذا قليل من كثير مما ذكره به في القرآن اللطيف الخبير مما لا يجهله الا المتجاهلون ولا يحار عنه الا الخونة الظالمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقبلون.
باب القول في الحد متى يجب على المحصن والبكر بالشهادة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يجب الحد على
---
ص‍ 221..
(20) السجدة 18.
(21) الواقعة 11 10.
(22) المائدة 55.
---(2/221)


[ 222 ]
الزاني حتى يشهد عليه أربعة عدول بالزنا والايلاج والاخراج، فإذا شهد عليه أربعة وجب على الامام أن يسأل عن عدالة الشهود وعن عقولهم وعن إسلامهم وعن أبصارهم فإنه ربما كان فيهم الذمي الذي لا تجوز شهادته عل الملي، وربما كان فيهم الاعمى الذي لا يتبين عماه إلا لمن عرفه وذلك الذي ينزل الماء في بصره فلا يستبين ذلك للامام منه الا بالسؤال عن ناظريه فإذا صح عنده أمر ذلك سأل هل بين الشهود وبين المشهود عليه عداوة، حتى يبرأوا من ذلك كله، فإنه لا ينبغي للامام أن يقبل شهادة العدو على عدوه لفساد الدهر واختلاط الامر وعوز المحقين وقلعة الصادقين فينبغي للامام أن يتحرز من ذلك كله فيكون حذرا فطنا قائما على أخمصيه ذهنا جادا في أمر الله، حاكما بأحكام الله غير متقدم على شبهة ولا متأخر عن صحة، وفي ذلك ما يقول الله عز وجل: * (يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * (23) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أدرؤا الحدود بالشبهات. وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (لان أخطئ في العفو أحب إلى من أن أخطئ في العقوبة) فلما ذكرنا من قول الله ورسوله وأمير المؤمنين ما قلنا ثبت أنه يجب على إمام المسلمين التثبت في أمور العالمين، وقلنا إن الوقوف عند الشبهة خير من التقدم في الزلة، فإذا صح للامام أمر الشهود وجب عليه أن يسأل عن المشهود عليه حتى يثبت له عقله، ويصح له لبه، ثم يسأله عنه أحر هو أم مملوك؟ ثم يسأل عنه أمحصن هو أم غير محصن فإذا شهد شاهدان عدلان على إحصانه، سألهما الامام ما الاحصان نفسه؟ فإذا أثبتا له الاحصان بعينه وأخبراه أنه قد جمع زوجته وضم إليه أهله أقام عليه حد المحصن فضربه مائة ضربة ثم
---
ص‍ 222..
(23) الحجرات 6.
---(2/222)

132 / 198
ع
En
A+
A-