[ 213 ]
ركعتين مؤديا، وكذلك من صلى مائة ركعة، ولما وقف الناس على حدود الصلاة ولا حدود الزكاة، وكذلك فعل الله في الرجم كما فعل في الصلاة والزكاة فذكر فعله بمن زنى في الادبار من قوم لوط وما فعل بهم على زنائهم من الرجم لهم. وما فعله سبحانه فقد حكم به ولن نفعل غير ما به حكم ولن نحكم بغير ما يفعل، وما فعله فقد ثبت أنه حكم به، وما حكم به فلا معقب لحكمه. وكذلك قال سبحانه: * (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) * (6). والقبل والدبر فهما فرجان. وحكمهما على من أتاهما فهو واحد عند من عرف الاحكام ووقف على ما يجب من الحلال والحرام، لان من فجر بامرأة في دبرها كمن فجر بها في قبلها سواء ذلك عند جميع أهل الاسلام، وحكمه عندهم جميعا فواحد في الاحكام، فإذا قد صح أن حكم القبل والدبر واحد فقد صح الرجم عند من عقل وأنصف بحكم الله تعالى على قوم لوط بالرجم على فعلهم فرجمهم وذلك قوله سبحانه: * (قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل علهيم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين) * (7) فلما أن حكم سبحانه بالرجم على هؤلاء الزناة من قوم لوط كان ذكر الرجم موصلا بحكم الله في القرآن، وما فعله الله رجل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله فواجب على الرسل أن تفعله إذا حكم به وجعله، ويقتدي بفعل الله فيه، وما فعله الرسل فواجب على الائمة فعله والاقتداء به. فإن عارض معارض فقال: قد نجد الله أوجب على الزاني مائة جلدة قيل له: ذلك واجب على البكر فردا وهو واجب على المحصن
---
ص‍ 213..
(6) الاحزاب 62. \ \ \ (7) الحجر 57.
---(2/213)


[ 214 ]
والرجم معا، فالبكر يجلد مائة جلدة والمحصن أيضا مائة جلدة كما أمر الله في كتابه، ثم يرجم كما أمر الله على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم، ولولا أن ذلك شئ من الله أمر به نبيه أمرا لما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليفتات (8) في دماء المسلمين فيتلف أرواحهم بغير أمر من الله سبحانه ولا حكم منه عليهم في الزنى بذلك، فميز الله سبحانه بذلك بين من أنعم عليه بالنعم فزوجه وملكه وأعف فرجه وملا عينيه وأغناه عما حرمه عليه فلم يرض بذلك حتى صار إلى الحرام وترك ما امتن الله به عليه من الحلال ثم عدا على حرم المسلمين من بعد أن أغناه عن ذلك رب العالمين ففجر بهن وتعدى من بعد الاعفاف له والاغناء فأفسد الحرث والنسل وقد ملا الله عينه وشغل بالحلال فرجه، وبين من عثر ضرورة والجاءا لتحرم الشهوة والطباع المركب فيه المجعول لديه الذي لم يتزوج فيعف بزوجته فرجه ولم يرزق غنى كما رزق غيره فهو يتحرك حاجة إلى ما يحتاج إليه مثله ممن ركب فيه مثل ما ركب فيه من الشهوة فأوجب الله على من عثر (9) فزنى ضرورة والجاءا وغلبة وبلاء جلد مائة جلدة، وأوجب على من عثر فزنى أشرا وبطرا وفسادا وظلما وكفرا لنعم الله وغشما وطلبا لافساد حروث المسلمين وتقليدهم من أولادهم من ليس لهم بأولاد بل هم أولاد الزناة الفاسقين، فأفسد الانساب أشرا، وأدخل على المسلمين الفساد في حروثهم وأولادهم، وأنسابهم بطرا، فواخى بين من ليسوا بأخوة وجعل المسلمات عمات لمن لسن له بعما وجدات لمن لسن له بجدات وأخوات لمن لسن له بأخوات وورث أموال المسلمين والمسلمات من ليس لهم ببنيين ولا بنات تعديا وظلما وعماية وغشما من بعد اغناء الله له
---
ص‍ 214..
(8) افتاته: إذا سبقه واستبد برأيه. \ \ \ (9) في نسخة: عهر.
---(2/214)


[ 215 ]
واعفافه لفرجه عما كان من زناه الجلد والرجم تنكيلا لمن فجر وتعدى وأفسد الحرث والنسل وأساء، وفرق بين الفاجر من بعد الحاجة وشدة البلاء، والصائر الذي ليس بمحتاج ولا مضطر ولا بذي بلاء ولا الجاء إلى مطاوعة نفسه إلى ما تدعوه إليه، كما فرق بين من كان مضطرا أو غير مضطر في جميع الاشياء فلعمر الجهلة العمين أن بين هذين الزانيين لفرقا عند أحكم الحاكمين، وكيف لا يكون عنده فيهما فرق والفرق بينهما عند جهال عبيده وغلمانهم بين منير واضح ساطع يقين. فإن عارض معارض متعنت فقال: قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجم ما عز بن مالك الاسلمي بتواتر الروايات واجتماع المقالات فهذا إذ قد كان كذلك فما لا يستطاع دفعه ولا ابطاله فلعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجم ما عز بن مالك برأي أرتآه فيه فكان ذلك رأيا منه هو وفعلا فعله لم يلزمه الامة، ولم يلزم غيره أن يفعله كما لم يلزم الناس أن يفعلوا غير ذلك مما كان يراه لنفسه ولا يوجبه على أمته ولا يفرض فعله على أهل ملته. قيل له: ليس هذا مما يقع فيه الرأي ولا يجوز فيه الفعل لنبي مرسل معتد ولا لامام بعده مقتد لان في هذا سفك دماء المسلمين واستيصالهم، وقد قال الله سبحانه فيمن قتل نفسا مؤمنة ما قال من قوله: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) * (10) وقال: * (أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * (11) فلم يطلق الله سفك الدماء لاحد من الانبياء إلا بحق يجب على المقتول بحكم الله عليه وفي حظر الله لسفك الدماء إلا من بعد الاعذار والانذار
---
ص‍ 215..
(10) النساء 78. \ \ \ (11) المائدة 32.
---(2/215)


[ 216 ]
والاستيجاب لذلك بحكمه ما يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) * (12) فلم يجز لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قتال المشركين ولا قتال المحاربين إلا من بعد الاعذار والانذار إليهم فكيف يطلق قتل المسلمين ويستجيزه رسول رب العالمين بغير أمر من الله له بذكل، كلا إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الافتيات (13) في دماء المسلمين لبري صلوات الله عليه وحاشا لله أن يكون رسوله كذلك، وأن يفعل من غير أمر من الله شيئا من ذلك. ومن قال إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى (14) من نفسه رأيا يتلف به أرواح المسلمين ويقتل به عن غير أمر من الله أحدا من العالمين فقد أبطل في قوله، وفذف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكبيرة من أكبر كبائر أفعال الفاعلين يجب عليه في ذلك التوبة إلى الله من فاحش قوله والرجعة إليه عن جرأته على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والا فكان من الهالكين المجترين، القاذفين بأعظم الكبائر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرامين له بالبهتان، وهذا لو قيل في عربي أو عجمي من المسلمين لكان قولا عظيما وظلما وتعديا عليه فيه وغشما لا يجوز لقائله القول به في أحد من المسلمين، فكيف يجوز له القول به في رسول رب العالمين أما تسمع من يقول بهذا القول الفاحش ما حكى الرحمن عن رسوله في القرآن من قوله: * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (15).
---
ص‍ 216..
(12) الانفال 58.
(13) الافتيات بالفاء يعني الاختلاف، ويقال افتات برأيه استبد، وكلا المعنيين هنا صالح. \ \ \ (القاموس) (14) ارتأى من نفسه رأيا الخ.. \ \ \ (15) يونس 15.
---(2/216)


[ 217 ]
فإن عاد المتعنت في تعنته فقال: قد بان لي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يستجيز ذلك ولا يفعله الا بأمر من الله سبحانه وقد جاءت الروايات وصحت بأنه قد رجم ما عزبن مالك الاسلمي فلعله أن يكون رجمه في سبب من غير الزنا قيل له: هذه مكابرة وإحالة منك للكلام لان الرواية قد صحت باقرار ما عز على نفسه عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالزنا كما صحبت برجمه سواء سواء فلا يشك أحد أنصف عقله أنه لم يرجمع إلا على ما أقر به على نفسه من الزنا، فإن كان عندك شئ تأتينا به يجمع عليه معك الناس أنه رجم له وعليه وفيه دون ما أقر به من الزنا على نفسه عنده كما أجمعوا على رجمه باقراره بالزنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على نفسه فأت به وألا فارجع إلى الحق ودع المكابرة والتمادي في الضلال والتعلق بالترهات والمحال الفاسد الفاحش من المقال. ولم يزل الرجم منذ زمان موسى عليه السلام وقبله حتى ابتعث الله نبيه فأمره جبريل به كما أمره بغيره مما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربه من الفروع التي ذكر أصولها في الكتاب المبين، ومن الدليل على أن الرجم حكم من الله قديم على المحصنين ما أخبر الله نبيه عن اليهود وتبديلها له وطرحها إياه من التوراة وتحريفها لحكم الله وذلك قول الله سبحانه: * (ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه) * (16) يريد يحرفون ما في التوراة من حكم الرجم. وهذه الآية نزلت فيما كان من أمر بشرة اليهودية وذلك أن الله عز وجل أنزل على موسى بن عمران الرجم في الزاني المحصن فغيرت ذلك اليهود فجعلوه الجلد أن يجلد أربعين جلدة بحبل مقير ويسودون وجهه ويحملونه على حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار فلم يزالوا على
---
ص‍ 217..
(16) المائدة 41.
---(2/217)

131 / 198
ع
En
A+
A-